بقلم خليفة عبد السلام ________

لم يعد تناول المسكوت عنه في الأدب حدثا استثنائيا.. فالجنس، والعنف، والهشاشة النفسية، والتفاصيل المعتمة في حياة الإنسان أصبحت مواد خاما يشتغل عليها كثير من الكُتاب المعاصرين، غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في ماذا يكتب الكاتب- بل في كيف يكتب؟!
فالجرأة وحدها ليست قيمة أدبية، أن تصف القبح لا يعني بالضرورة أنك صنعت أدبا.. كما أن اقتحام المناطق المحرمة لا يمنح النص تلقائيا شرعية فنية أو عمقا فكريا.. وهنا يكون السؤال الجوهري هو: هل يمتلك الكاتب الأدوات الفنية القادرة على تحويل المادة الخام القاسية إلى تجربة جمالية وإنسانية؟
الأدب العظيم لم يكن يوما هروبا من القبح.. بل قدرة استثنائية على إعادة تشكيله، فهذا الأخير لا يكتفي بعرض الواقع كما هو.. وإنما يعيد ترتيبه عبر اللغة والإيقاع والصورة والبناء النفسي للشخصيات، بحيث يتحول الألم إلى معنى والصدمة إلى تأمل والقبح إلى لحظة إدراك جمالي
لهذا تبدو بعض النصوص ورغم ادعائها الواقعية والجرأة أكثر قبحًا من القبح نفسه.. لأنها تقدم المشهد الفجّ بلا رؤية، وتستبدل العمق بالإثارة وتخلط بين الصراحة والإفراط في التعري اللغوي.. هنا يفقد الأدب وظيفته الفنية ويتحول إلى مجرد نقل مباشر للابتذال
إن الكاتب الحقيقي لا يُقاس بقدرته على كسر التابوهات فقط. بل بقدرته على جعل القارئ يرى ما وراءها، فحين يكتب عن الجسد أو الرغبة أو الانهيار الإنساني فإنه لا يقدمها كسلعة للدهشة- بل كنافذة لفهم الإنسان وتعقيداته
من هنا يمكن القول إن القيمة الفنية للنص لا تتحدد بموضوعه وإنما بالطريقة التي يُعاد بها تشكيل هذا الموضوع داخل اللغة.. فالأدب ليس عرضا للقبح- بل انتصارا جماليا عليه