العشرينات

أكثر ما يثير الاهتمام و الدهشة في هذه المرحلة العمرية، أنك لم تتعرف على نفسك بعد! عند الخروج من مرحلة المراهقة و خاصة في بداية العشرينات، أي الفترة ما بين السن ال 21 و ال 24 و هي الفترة التي عموما ما توازي التخرج من الجامعة، نعتقد أننا على دراية تامة بكل زوايا شخصياتنا و خباياها من نقاط القوة و نقاط الضعف، ردود الأفعال و المواقف تجاه البشر و الظروف و الأحداث، إلى أن تدق باب سن ال 25…حينها ستبدأ نظرتك لنفسك تتغير و في كل مرة تندهش بتصرف جديد يصدر منك، أو فكرة تخطر على بالك، و السبب بسيط و هو أنك خرجت لتوك من أسوار الدراسة و القوانين التي تمليها عليك الأقسام و الأساتذة و الأهل و مواقع التواصل الاجتماعي و تبدأ في تطبيق كل ما ظننت أنك تحمله في طيات شخصيتك.

تستنتج وقتها أن معرفتك بنفسك هي معرفة نظرية غير مصقولة و غير مجربة و أن التعرف على النفس يحتاج إلى الخروج من الدفاتر و الكتب الى ميدان المعركة. فما كنت تظنه نقطة قوة ستكتشف أنه نقطة ضعف و العكس صحيح، فكم من شاب استمد قوته من حدة لسانه و اندفاعه، كذلك حضوره القوي في أي موقف و طلاقة تعبيره دون أن يعير اهتماما للنتائج لدرجة توصله إلى انتقاد أبيه أو امه عندما يراهم كثيرا ما يلتزمون الصمت في موقف يستدعي الكلام في نظره، و قد حدث معي هذا شخصيا، و اتهمت احد والدي بالضعف أو اللامبالاة، و كثيرا ما ظننت أنني أكثر حكمة من استاذي و اكثر ذكاءا من صديقتي. و مع مرور السنوات و ها أنا أعيش عامي الخامس و العشرين، اتقدم خطوة إلى رصيف هؤلاء، و بعض المواقف التي كنت أتحدث فيها باندفاع و ربما عصبية أصبحت الآن ألتزم فيها الصمت و في نفس الوقت أتسائل لماذا ؟

في هذه المرحلة العمرية تتعرض مبادئك للامتحان، لأنك بعد مرور كل سنة ستحصل على قدر أكبر من الحرية و يساويها قدر من المسؤولية و في نهاية كل موقف ستتفاجئ بأن بعض المبادئ المزعومة ما كانت إلا نتاج الخوف أو الخجل أو انعدام خبرة. و اكبر اكتشاف، هو أن الحرية مرآة تعكس لك حقيقتك و كمثال بسيط، قرأت أحد التصريحات الطريفة لشابة أمريكية، قالت بأنها منذ أن انتقلت إلى السكن الجامعي، أصبحت تنام بدون أن تغسل أسنانها، و اكتشفت أن روتينها الليلي قبل النوم لم يكن إلا إرضاء لوالدتها التي حرصت على هذا الروتين منذ ولادتها لدرجة أن الشابة ظنت بأنها تفعل ذلك بإرادتها حفاظا على صحة أسنانها.

الجدير بالذكر أنك كل ما تعرفت على نفسك أكثر، شعرت بثقة أكبر خصوصا عندما تتجاوز تحديات عصيبة كنت تظن في وقت ما بأنك لست أهلا لها، و الجانب المشرق الثاني أن جانب منك سيخضع إلى قانون « يوم لك و يوم عليك » و ستتحلى بنوع من التواضع يجعلك تتوقع كل شيء و في أي وقت و ستتعلم أن القوة و الذكاء لا يكمنان في تجنب المشاكل، بل في خوضها و الخروج منها بدرس مهم، ستصبح أكثر هدوءا و رصانة و تتعلم استغلال الأوقات السيئة ليس فقط الإيجابية، ستعذر الناس أكثر و تتعلم التعايش مع جميع انواع البشر بدل انتقاء الصالحين منهم فقط.

ستبدأ بالبحث عن رسالتك في الحياة بعدما كنت تعيش فقط لتأخذ و ما يثير الحيرة في هذه المرحلة انك و بمرور كل أزمة، كثيرا ما تردد عبارة « ربما كان أبوي على حق ».

أما الجانب السلبي، ستكتشف بأنه لا يمكنك أن تجزم بأنك تعرف شخص ما حق معرفة، لأنك مازلت تتعرف على نفسك و سيطرأ عليك اكثر و تتغير أكثر بمرور كل مرحلة، لذلك ستتخلى عن فكرة دراسة عقلية أحدهم أو تحليل شخصيته، ستقتنع بأن الإنسان كائن متغير لا يخضع لقانون حتمي و لا تقدر على المراهنة عليه مهما طالت معرفتك به، تجربتك الفعلية مع نفسك تقنعك أن مؤسسة الأسرة و الصداقة و الزواج تعتمد على المشاعر و النظرة المشتركة للحياة أكثر من اعتمادها على حسابات دقيقة و هذا يعني أنه لا ضمانة للتوافق و الاستمرارية و هنا يأتي دور الحب، الذي يجعلك تتقبل شريكك أو عائلتك أو أصدقائك بكل متغيراتهم.

بقلم الكاتبة أميرة_حساني