تاريخ الفن حافل بفنانين كان لهم الفضل في تغيير مساره وحاولوا أن يعطوه لمسة سحرية وصبغة جديدة بما يواكب ويناسب الحياة التي كانوا يعايشونها ويعاصرونها على اختلاف مواهبهم الفذة والمميزة التي ترتسم على جمال أعمالهم الفنية، فهناك من تميز بموهبة فنية واحدة وهناك من اندمجت فيه أكثر من ذلك، والأكبر من هذا كله هو عندما تحمل على عاتقها قصة موهبة تختلف عن الكل مليئة بالكفاح والتحدي لتكون فريدة من نوعها فبقي التاريخ رغم عن انفه شاهدا عليها بروعة تألقها وتميزها وبراعتها.
ولعل من أهم تلك الشخصيات الفنية التي أثيرت ضجة حولها وحملت معها قصة حافلة بروح المغامرة والتحدي والقوة آمنت بنفسها واتخذت من الفن وسيلة تصرخ بالحقيقة مشعلا ونورا ومنهجا في حياتها فحاربت الكل لأجلها، ألا وهو الرسام الفرنسي “إتيان دنييه” أو كما يعرف “نصر الدين دنييه”.
“دنييه” هو رسام فرنسي ولد بباريس 28 مارس 1861 ينتمي لعائلة بورجوازية لكن صارمة فوالده كان محامي مرموق وأمه كانت تعمل في سلك القضاء، وهذا ما صقل شخصية “إتيان” لتكون عادلة وحكيمة ومتوازنة، رغم أن والده قد حرص على أن يرث ابنه مهنة المحماة لكن دنييه كان له رأي مخلفا تماما فهو عشق الرسم والعزلة إضافة إلى ذلك أنه كان مولع جدا بمادة التاريخ والجغرافيا على حساب العلوم الأخرى، حيث كان أيضا متميزا للغاية وكان يتحصل على جوائز عديدة في مختلف مسابقات الرسم. فبرغم أنه كان ينتمي الى طبقة أرستقراطية كان زاهدا محبا للوحدة والتأمل ويرى في أن يعيش متحررا شخصيا حياة أفضل وامتع واسعد، وكأنه هناك صوت داخلي يناديه يخبره أنه سيجد ملجأه ويشفي غليله ويشبع جوعه الفكري والروحي يوما ما.
لم تكن أسرة دنييه تريد من ابنها أن يصبح رساما حيث رأت فيها مجرد مضيعة للوقت فقط، لكن ذلك لم يمنعه من أن يجري محاولات عديدة حتى تقبل أسرته تعلم الرسم، وبعد إلحاح وكفاح طويل استجابت لرغبته في آخر المطاف وسمحت له بممارسة هوايته وتعلهما، ليلتحق بعدها بمدرسة الفنون الجميلة حيث نظم إلى ورشة “فيكتور غالون” ثم من بعد ذلك إلى “أكاديمية جوليان” حيث كان يتبع دروس أستاذته متحمسا لنمطهم في الرسم، لكن هو كان يختلف عنهم حيث كان يميل أكثر إلى الطبيعة الخلابة والواقع الحقيقي.
و أثناء انغماس “إتيان دنييه” في ممارسة مهنته المحبوبة الرسم وإبداعه في خلق لوحات مميزة ورائعة كانت هناك قصة كانت تنتظره لتغير حياته بالكامل، ربما بدأت هذه القصة حينما طلب منه صديقه أن يرافقه إلى الجزائر في مهمة علمية للبحث عن حشرة خنفساء نادرة توجد بمنطقة بوسعادة التابعة لولاية مسيلة فوافق “دنييه” على الذهاب معه، وكان في تلك الفترة بطبع الاحتلال الفرنسي أنداك مستعمرة فرنسية، فكانت مثل هاته الرحلات تشجع فرنسا المستشرقين عليها رغبة في اكتشاف هذا البلد الكبير ونهب خيراته وتوسع فيها أكثر وفهم تفاصيله.
هنا فقط وفي هذا الجزء ستكتمل روعة وجمالا تلك القصة، فعندما وطئت قدما “دنييه” ودخل الجزائر فمن نظرة واحدة عشق جمال هذه البلد، فالأرض الواسعة والهواء المنعش والأشجار الخضراء ومناظرها الخلابة تختلف كليا عن باريس الصغيرة ذات الجو الخانق، وكفنان حاذق وكصاحب نظرة ثاقبة وذا إحساس مرهف وقع في حبها وسحرته كل نقطة فيها فسرقت الجزائر قطعة من قلبه وتعلق بها واندهش بكل تلك المساحات الشاسعة، إضافة الى حسه الفني الذي غير نظرته لما كان يراه في فرنسا فهنا في الجزائر ارتسم في خياله عالم آخر من الرسم والحقيقة لم يكتشف بعد.
وفي أثناء إقامته في الجزائر وبضبط في مدينة بوسعادة كانت تحتاج من دنييه إلى مفتاح لفك الشفرة التي بينه وبين هؤلاء الناس ويفهم تعقيداتهم ويُسهل ذلك للتواصل معهم، فكان “سليمان بن إبراهيم هو الرجل الذي سيبر به غور هذا المجتمع الجديد والغريب، فكان له دور مؤثر وكبير على حياته حيث كان سليمان شخصية مثقفة ومتميزة وذكية وفطنة وتتقن اللغة الفرنسية باحترافية، حيث ساهم في فتح وشق الطريق لـ “إتيان” لمعرفة كل ما يتعلق بهذه المدينة وشعبها خصوصا، والانفتاح على الثقافة المحلية العربية والبدوية عموما، كما أنه ساعده في تعلم اللغة العربية والتي أصبح يتقنها كأصحابها.
لكن في مقابل كل هذا الإعجاب الذي كان يحمله “اتيان” لمدينة بوسعادة بالجزائر وأهلها الطيبين، كان هناك شيء في نفسه يزعجه ويحزنه كثيرًا، وهو ذلك الضباب القمعي للاستعمار الذي حجب شمس جمال هذه المدينة وظلم سكانها واضطهادهم واستولى على ممتلكات بلادهم، ولكن هذا لم يمنعه من الوقوف في وجه هذا الظالم ورفع صوته للحق والعدالة الإنسانية الذي أصبح يصرخ في جوفه الداخلي، فرغم أن المستعمرين هم من أبناء جلدته إلا أنه قدم نفسه كوسيط لهؤلاء الناس البسطاء والفقراء للدفاع عنهم وعن حقوقهم، لذلك توسط مع الحكام الفرنسيين لوضع حد لهذا الظالم المغتصب، فانزعجت سلطات الاستعمار من ذلك وقررت رفض إقامته في بوسعادة، لكن عناد الحقيقة والحب دفعه إلى اتخاذ قرار الاستقرار والإقامة فيها، فبات يحرك قلبه وقلمه من أجل الدفاع عن حقوق هذا الشعب وحمايته والضغط على السلطات الفرنسية للاعتراف بحقوق الجزائريين في الدفاع عن أنفسهم وأرضهم، ومن أهم تلك الجهود العظيمة التي أثمرت بعد محاولات شاقة كانت عندما نجح في رفع الحصار العسكري عن بوسعادة لتصبح بلدية ذات حكم مزدوج.
وما جعل من عالمه الفني أكثر اتساعا وزاد من شغفه حبا وتعلقا أكثر بهؤلاء البسطاء الذين غيروا حياته وتفكيره هو تلك الرؤية الجمالية والأخلاقية التي تفيض بها أرواحهم رؤية مليئة بالتفاؤل والأمل حيث لامست روحه وأثرت فيه، فرغم الجوع والظلم والجور الذي كانوا يعانونه منه سعداء ومبتسمون وراضون بالفقر وقانعين بما عندهم ورحماء فيما بينهم ومع الآخرين ومحبين متعلقين بدينهم أشد تعلقا، ولهذا أصبح يعشق قربهم للتعايش معهم كأخ وصديق حميم، وخاصة وأنه كان ملازما لصديقه “سليمان بن إبراهيم” الذي احتذى به وصقل شخصيته ليدفع به ذلك ليعلن اسلامه سنة 1913 ومن هناك غيّر اسمه إلى “نصر الدين دينيه”.
ومن هنا تغيرت حياة دنييه إلى الأبد لتبدأ قصة أخرى عنوانها “نصر الدين دنييه” المسلم والمناضل بريشته وقلمه في سبيل نشر الحق والدفاع عن الإنسانية، فكانت كل لوحاته النابضة تحاكي سحر وجمال الرمال والصخور الصحراوية البوسعادية ودفئ شمسها ولطافة وحنان سكانها، حيث رسم من خلالها قصة إنسان يصارع ويكافح ويكابد من أجل وطن ينعم بالحرية وحياة مليئة بالسلام والكرامة وينقل من خلالها معاناته الجمة التي لا تكاد تنتهي في ظل وجود استعمار غاشم.
ولم تقتصر رسالته فقط من خلال رسوماته بل كذلك راح يؤلف ويحارب بقلمه فألف العديد من الكتب تتمحور مواضيعها على العالم العربي منها: كتاب عن حياة محمد صلى الله عليه وسلم وسمّي “ربيع القلوب”، وقصة أيضا عن عنترة، ورواية كتبها مع صديقه “سليمان” تسمى خضراء أولاد نايل والكثير من المؤلفات التي ذاع صيدها ساهمت في كسر شوكة الاستعمار.
هذه مجرد مقتطفات قصيرة بمعاني كبيرة امتزجت الموهبة بروح العشق لتخلق قطعة نادرة ومختلفة تنصهر في رجل واحد اسمه “نصر الدين دنييه”
بقلم المراسلة خضراوي مريم