ألقت بِجَنَتها
إلى جهنم تحترق
هناك مقولة شهيرة تقول “الفرص السانحة مثلها مثل شروق الشمس إن انتظرت طويلا فإنك غالبا ما تفقدها”، ولعل هاته الحكمة تأخذنا إلى الكلام عن واقعة تنطبق عليها و هي تلك التي حدثت في إحدى الجزر محيط الهادي، وهذه الجزيرة هي ناورو مدينة الأحلام في يوم من الأيام الواقعة شمال غرب قارة أستراليا، حيث يعود تاريخ هاته المدينة إلى 3000سنة تكونت من 12قبيلة من السكان الأصليين والتي ترمز بها في علم بلادها وهي مدينة واحدة بدون عاصمة لها، عرف عن شعبها بالطيبة والقناعة الرغم القفر والمعاناة وكانت حرفته الوحيدة هو الصيد لينال قوت يومه، كما أنها عانت ويلات الحرب لمدة طويلة حيث تعاقب عليها الاحتلال الالماني ثم الأسترالي ثم نيوزلندي ثم بريطانيا فاليابان، لكن الآتي أكبر من لعنة الاحتلال.
ومع حلول 31 يناير 1968 نالت استقلالها كجمهورية مستقلة، ولصدفة ما يزورها العالم البر مولر ليخبرها أن فيها كنز ثمين سيغير حياتها جذريا وكليا وإلى الأبد ،حيث استطاع أن يكتشف فيها ثروة طائلة تسمى الفوسفات الذي يعتبر من أغنى وأهم المعادن في العالم، وبعد هذا التشجيع من العالم وبيان أهمية هذا المعدن قامت الدولة وسخرت أجهزتها في البحث والتنقيب، وبمرور الزمن بدأت أحوال هؤلاء السكان والجزيرة ككل تتغير وتتحسن لتصبح من ثاني أغلى دولة في العالم وأكثرها ترف وثراءا، حيث حولت كل الخدمات إلى مجانية وقامت بتوزيع كل أرباح الفوسفات على المواطنين بشكل شهري، استيراد الطاقم العامل على استخراج الفوسفات من الخارج بأجور خيالية، وسخرت عاملات أسيويات على كل المنازل، أصبح شعبها يسكن الشفق والفلل الاخرة ويركب أفخم السيارات، فحرفيا أصبحت جنة على الأرض والمدينة المثالية التي يحلم الجميع أن يسكنوا بها، فالثراء الفاحش ومظاهر البذخ التي طغت على الجزيرة أفقدت حكام الدولة عقولها وسيطرتها والتي كانت في ذلك الوقت تحت حكم رجل يدعى “البارون واكا” الذي كان همه الوحيد ومعظم أوقاته إقامة احتفالات يومية والرقص على أنغام الموسيقى والطبول مع سكان الجزيرة والتي تعتبر عن مدى سعادة المواطن الناوري.
وفي خضم هذا الاستماع وفي ظل كل هذا المتاع انتشرت الرذائل وكل مظاهر الفساد والبذخ من شرب الخمر و تعاطي المخدرات و الدعارة، ولكن هاته الأحلام لم تدم طويلا فسوء استغلال المال في مشاريع ناجحة واقتصادية ومثمرة تعود على الجزيرة والمواطن بالنفع والتطور والاعتماد فقط على مداخيل بيع الفوسفات ألقى بها في قمامة الفشل والظلام، ففي ليلة وضحها تحطمت كل تلك الأمنيات وتلك المباني الشاهقة وذلك المال الوفير وتحولت كل النعم إلى نقم لا يحسد عليها، فهي تناست تماما أن لكل بداية لها نهاية وخاصة هي فقط عبارة جزيرة صغير جدا وأن الفوسفات سيأتي يوما وينتهي، فحّل هذا اليوم وساءت الأوضاع وتراكمت وتكاهلت على عاتقها ديون ضخمة مما أدى إلى إفلاسها، حتى الأرض الخصبة اندثرت وأصابها الخراب بفعل التنقيب على الفوسفات. وهكذا تدهور حال سكنها حيث فقاموا يبيع جوزات سفرهم وكل ممتلكاتهم لعصابات المافيا وفي خارج كما أنهم عملوا على غسيل الأموال، حتى أجسادهم وأشكالهم الجميلة الأنيقة أصبحت تعاني السمنة المفرطة وأصيبوا بداء السكري الذي أصبح يمس حوالي 97% من إجمالي السكان، وتبدلت أحوالهم تماما ليختفي ذلك الحلم الجميل وتستيقظ على تلك اللعنة التي حلت بها.
وعلى هذا الحال ذهب المال والغنى عنها وأضحت جزيرة ناورو سجن للاجئين القادمين من أستراليا ربما هذه هو الصفقة والحل الخسيس والوحيد الذي قبلته لكي تحصل على المال، لتعود بذلك إلى أيامها الخوالي وأكثر مما كانت عليه من الفقر المدقع والفساد، للتحول لمجرد كومة لمكب النفايات والسيارات والأجهزة المعطلة متعة إشباع البطون تذهب العقول وسوء استخدام المال يقتل الأحلام.
المراسلة: خضراوي مريم