ولليربوع حكايات لم تُروَ بعد

وأنت على عتبة رواية “اليربوع”  للكاتب حسين فيلالي، لا تنس أن توصد خلفك الأبواب كي لا يتسرب رمل التوجس لمن سيلج بعدك حفرة اليربوع، فأنت لن تقدر على الصمت في حضرة تلك الأساطير، واسند قلبك كي لا يفزع لما حل باليربوع، فـ- لليربوع براعة نادرة في هندسة المكان، وهو من القوارض الدائمة التوجس، ولعله … الوحيد الذي يتخذ لبيته بابان: واحد سري وآخر معلوم -ص:13،  ذلك الحيوان الذي يحتاط للخطر تماما كما يحتاط المنافقون الذين باعوا الوطن
عالم من الدهشة يرسمه بذكاء الراحل “حسين فيلالي” ليقول لنا ما ظل عالقا كعَبرة بالحلق، في بلد يبيعه الخونة على طبق من رمل يَسُفُّ غُبنَه الفقراء والمواطنون الحقيقيون. هؤلاء الخونة الذين اتخذوا لهم وقت الضيق مخرجا، تماما كاليربوع وقت الخطر، يدخل من الباب المعلوم، يوهمك أنه لايزال يقبع داخله، بينما يفر من الباب السري تاركا لك وهم الانتظار، ذلك الحيوان الصغير حجما، الكبير تدبيرا وحيطة، المليء بالأسرار في أرض الصحراء التي تُعَمّق داخلك الإحساس بالرهبة والصمت، في حضرة الهدوء الذي لا يقطعه غير همهمات الشيخ مبروك متوسطا حلقته التي تجمّع حولها الرجال والنساء، في طقوس عجيبة تطير بك بلا بساط سحري إلى أرض العفاريت، يهز صدرك إيقاع  الدّف الذي يتغير، ومعه “تتغير ملامح الوجوه… وتيبس الشفاه، والشيخ يدخل في حالة جديدة من الوجد والتوحد، يلقي عمامته داخل الدائرة ويصيح: حي، حل الجوهر في الفاني-ص:7 ، فندور وندور مع المريدين دون أن نجد لهذه الدائرة نهاية أو مخرجا. أو نصغي بحزن لصوت الفلاحين يأتي من عمق سهل “ڤير” يرثيه قبل أن يشيخ –
كنت ملجأ الفقير والأرملة
وكل من جاع يهرب إليك
كانوا فيك فرسان معروفين بالنجدة
واليوم أصبحت يتيم لا من يسال فيك-ص:9
إنها الصحراء…عالم الغواية والسر المكنون، تتربع فيه الأساطير مشرعة نوافذ الخيال حتى لكأننا نكاد نصدق ما رواه لنا البطل عن اليربوع، وكيف استطاع أن يحظى بدعوة الصالحين، كما حدثنا الراوي سليمان عنه حين قال: “إن على اليربوع دعوة الصالحين، فلقد حدث أن مرّت مجموعة من الحيوانات على شيخ صالح تائه في الصحراء فاستسقاهم، فأبوا ، ولما كاد أن يشرف على الهلاك ، مرّ به اليربوع فوجده فاقد الوعي، فسقاه وأطعمه، فلما استفاق دعا الله أن يجعل فيه قوة حصان-ص:14، إنها العبادلة تطل عليك من الجنوب، تلك التي رغم جمالها تبدو لك ” في عز الاستقلال كواد قفر يعوي فيه القنط، ويعربد فيه الفراغ، وتنتحر في قاعه الآمال، وتصبح الهجرة إلى أي مكان حلم الجميع- ص:9.فتضيق الخواطر ونحن نسافر مع البطل متنقلين بين بشار المدينة وبين براري الساورة، أين يلوح لنا -جبل عنترة يتمدد كثعبان خرافي، يتوسد حقبا من التاريخ، ويفترش أسطورة ابن شداد العبسي، وذياب الزغبي والزناتي خليفة- ص:15 هذا الأخير الذي كان من العماليق، يفترش أذنا ويتغطى بأخرى، وكانت الذئاب والضباع تختبئ في نعاله، بل قيل عنه أكثر من ذلك ، قيل إنه إذا احمرّت عيناه نام شهرا وإذا ازرورقت نام شهرين ، فرُحنا نرقب من بعيد وبانبهار قوة خليفة الزناتي الخارقة التي كاد أن يهزم بها أبا زيد الهلالي في حرب قاتلة دامت يومين متتاليين ، لولا أن سعداء ابنة الزناتي العاشقة أسرّت لعشيقها أبي زيد الهلالي مقتل أبيها طمعا في الزواج منه، وأن الشامة البيضاء التي بين كتفيه هي مكمن ضعفه وطريق موته. فتذكر الهلالي كلامها وهُما في المبارزة لليوم الثاني فأصابه فيها فقتله. صورة أهداها لنا الكاتب ليقول إن الخيانة العظمى ليست تلك التي تأتي من غريب أو عدو تترقب منه الهجوم، وإنما الضربة القاصمة للظهر، الكاسرة للقلب، المفتقة للجرح، تكون دوما ممن لم نتوقع منهم الغدر ولا يمّمنا صوبهم سهام الشك، ولهذا تكون قاتلة في حينها، موجعة حد اللاّصبر، كذلك هو الحال مع الوطن ومع من خانوا وباعوا أسرار وخيرات الوطن
يتعمق فينا جرح الخيانة وتكبر أوجاع الغدر والزيف، ثم نمتعض ونحن نرى بطلنا الراوي، الأستاذ الجامعي والكاتب -الذي يحلم بغد زاهر- أقل شأنا من الإسكافي الذي ترشح للانتخابات وطلب من بطلنا تزكيته ليتوسط له لاحقا في التوظيف، فيدرك صاحبنا أنه لا مكان لشهاداته ومؤلفاته ولا سلطة غير سلطة القوة، فالإسكافي يزكي أستاذا جامعيا لأجل توظيفه، وزوجة الإسكافي الأمية تتمتع بكامل الامتيازات لا لشيء سوى لكون زوجها قد ترشح للانتخابات
إنك مع اليربوع تصير ابن بطوطة عصرك، تسافر إلى كل الأماكن الحقيقية منها والخيالية، تكتشف في كل مرة سراً من أسرارها، يعرضها علينا الكاتب في إيجاز حينا، تاركا لنا متعة تأويل الرموز و الإيحاءات التي لغّم بها النص عبر حدوده، فنخشى ونحن نعبر تلك المشاهد أن تطأ أبصارنا على الرمز الذي سينفجر بدلالات وتأويلات لا تقتل فينا رغبة المواصلة، بقدر ما تزيدها في عالم مليء بالأساطير والخيال. أو يصحبنا معه إلى أماكن حقيقية نسترجع من خلالها تذكارات الزمن الجميل في وصف سلس بسيط وهو يقول: ” تستيقظ والدتي في الثلث الأخير من الليل، تصلي تذكر أورادها، وعند آذان الفجر توقظني لأصلي، فأجد في نفسي ميلا إلى التكاسل والنوم ثم أتذكر قولها: إن الشياطين تتبول في آذان الذين يؤخرون صلاة الفجر، فأنهض مذعورا. أعود من المسجد فتستقبلني رائحة القدر وتقودني إلى الكانون، أجلس بالقرب من أمي، أشرب حساء الشعير، وأتعمد استفزازها ببعض الأسئلة، فتضحك حتى ينفلت وتد الرحى من يدها- ص:11. ثم يأخذ بيدنا ونحن بدهشة طفل نواصل معه المسير دون مقاومة ليأخذنا في جولة سياحية مع الشيخ مبروك إلى المدينة التي يبيع فيها أعشابه السحرية وعقاقيره، فتستقبلنا المدينة المترامية أطرافها عند بوابة الجنوب، تحضن الأهل كما الغرباء، وتهديهم شيئا من ضوضائها وحكاياتها الشائقة التي لا تنتهي
إنه الراحل “حسين فيلالي” أبى إلا أن يهدينا رواية “اليربوع” تذكارا لمدينته ، وتذكارا للأجيال اللاحقة، هو الذي التقى جازيته في الرواية بالشمال ، وراحا ينسجان لنا خيوط النهاية معا، تلك النهاية اللغز التي تنفتح على عدة قراءات، وقبلها ما كان بين السطور، حسين فيلالي لم يكن يكتب، كان يعجن الحزن لتورق على البياض بتلّات حنين تحضنها ورود أمل، ويسافر بنا مبحوح الصوت تخنقه سكاكين صدئة لكن كله ثقة وعزم أن يقول ما توجس منه الآخرون أن يقول. رثى الأحلام والأماكن والأشخاص قبل أن نرثيه، قال عن العاصمة حين زارها رفقة جازية، على لسان الراوي في اليربوع- أقرأ في وجه العاصمة همّ الثكلى، كلما زرتها، لم تعد ترفل في ثوبها الأبيض كعروس البحر، تفتح ذراعيها تعانق البحر الأبيض المتوسط ولم يعد الموج يعبث بخصلات شعرها الطويل، يتسلقه في متعة نادرة كمن يمارس هواية التجذيف. غدت البيضاء كآلة موسيقية أسطورية سوداء، شوارعها تعزف على مدار الزمن إيقاعات الفناء. أصبحتُ كلما تجولت بمدينة الجزائر نشط في داخلي بركان الكوابيس والهواجس، أسير مضطرب الحواس ألتفت في كل الاتجاهات كالمطلوب بالثأر. أرى الناس تسير في النهار، وكأنما رؤوسهم مشدودة إلى فوهات بنادق لا تدري متى يضغط على الزناد. وفي الليل ينشر الموت رداءه على البيوت غير المحروسة. والأحياء الشعبية-ص: 63. إنها باختصار رواية اليربوع، لغز حيوان… وحيرة وهواجس إنسان ظل ينزف دون أن يجد من يرقع جراحها أو يكويها

الفقرات مأخوذة من رواية اليربوع للمرحوم حسين فيلالي.
بقلم الاستاذ. فضيلة بهيليل