لديّ قناعة بأن تاريخ الفلسفة محوريّ في كل مشروع فكري جدّي، أو طموح على الأقل. أن نتفلسف هو أن نصل إلى مرحلة التفكير الذاتي، ولكن لا يعني ذلك أن نفكّر بمفردنا. أعتقد أننا حين نفكّر بمفردنا فإننا نفكّر بشكل سيئ. ينتشر اليوم مصطلح “فلسفة مضادة”، ويريد البعض أن نفهم من هذا المصطلح أنه تفكير يقدّم نفسه وكأنه لا علاقة له بالفلسفة، هنا ينبغي أن نَحذر إن لم يكن هناك أبوية للفلسفة يجري إنكارها، أو هناك ضحالة أو استبلاه كي لا نقول حماقة. تاريخ الفلسفة هو بمعنى ما ضمانة ضدّ هذه الهنات في الفكر، دون أن يعني ذلك دعوة للانغلاق في تاريخ الفلسفة بمعنى الاكتفاء بالتعليق أو تناوله بشكل مدرسي. تاريخ الفلسفة هو اختبار متجدد من خلال مجابهة العقول الكبيرة، والاستناد إليها أيضاً، وصولاً إلى محاولة شق طريق بينها، وكل ذلك مما تحتاجه البشرية في كل عصر. أعترف بأن تاريخ الفلسفة يمثل العقبة الكبرى حيال بناء فلسفة خاصة، فالأعمال الفلسفية الكبرى كثيراً ما تشعرنا بالانسحاق أمامها، لكن ذلك هو التحدّي الحقيقي للفكر، حين يختلق شجاعة الرغبة في الإضافة رغم كل ذلك. هذا الشعور بالانسحاق أمام أعمال ومشاريع فلسفية ضخمة هو الذي يوقظنا لاحقاً، ويدفعنا إلى التفكير الذاتي، إلى اجتراح خط خاص في فهم الواقع والعالم والتاريخ. ربما أعرّج هنا على مأساة أكاديميين كثر، لديهم كل الكفاءات الفكرية، غير أنهم يهربون من وطأة هذا الشعور بالانسحاق، ما يجعل منهم مجرّد مُعلّقين وناقلي معرفة بين الأجيال. هو وضع ينبغي أن نشير إلى أنه مريح بالنسبة للبعض. كثيرون هم ضحية الانسحاق، وكثيرون هم ضحية التهرّب منه.
– أندريه كونت سبونفيل
ترجمة: شوقي بن حسن

