الرباعيات: فن شعري بدأ عن طريق الصدفة

الشعر هو أبو الأدب وأصله، فبه تغنى العرب، أشادوا وفخروا، بكوا ومدحوا، رثوا وتغزّلوا. وللشعر أنواع كثيرة منها ما هو عربي أصيل ومنها ما دخل إلى العربية فأضافت إليه وصبغته بعذوبتها. ومن هذه الأنواع الرباعيات.

الرباعيات أو الدوبيت (زوج بيت أو بيتان) هو أحد أشكال القوالب الشعرية التي دخلت إلى العربية من الفارسية. وهو عبارة عن بيتان من الشعر يتفقان في الوزن والقافية ولا يشترط موافقة المصراع الثالث.

تاريخ الدوبيت وأنواعه

لا أحد يعرف متى دخلت الرباعيات على الشعر العربي، ولكن ذكر مصطلح “الدوبيتي” في كتاب الصحاح وأشار فيه الجوهري إلى أن الدوبيتي هو عبارة عن نظم وغناء. كما ذكرها القاضي التنوخي عام 384 هـ في إشارة إلى موقف جمعه بأبو أحمد عبد الله بن عمر الحارثي، وصوفي يترنم بالرباعيات.

أما عن أنواعه فهناك الرباعي الكامل المكون من أربعة أشطر لها قافية واحدة ووزن واحد، والرباعي الأعرج له وزن واحدة مع وجود اختلاف في قافية الشطر الثالث. كما قسمها الرافعي إلى خمسة أنواع وهي الرباعي الخاص ويكون فيه كل قافيتين متقابلتين بينهما جناسٍ تامٍ، والرباعي المردوف ويفضل فيه الالتزام بالجناس، والرباعي الممنطق والرباعي المرفل ولا يشترط الجناس في قوافيهما، وأخيرًا الرباعي المعرج وينبغي أن يكون بين ثلاثة أو أربعة من قوافيه الجناس التام.

قصة بداية الدوبيت

بداية التفكير في هذا النوع من الشعر كانت عن طريق الصدفة. فبينما كان رودكي الشاعر الفارسي يتجول في متنزه ما سمع بعض الصبية يلعبون، وسمع أحدهم يتغنى بترنيمة لمساعدته على كسب اللعبة بعد خسارته مرتين.

حيث كان الصبي يترنم قائلًا “غلتان غلتان همي رود تابن كون” أي “تتدحرج تتحدرج ماضية إلى قعر الحفرة”. فشعر رودكي أن لهذه الترنيمة وقعًا موسيقيًا جميلًا، ووجدها قطعة موزونة.

رواد الرباعيات

عُرفت الرباعيات في الشعر الفارسي منذ أواخر القرن الثالث الهجري. وقد نظمها الكثيرون مثل الرودكي السمرقندي وشهيد البلخي والطوسي وغيرهم. إلا أن أشهر من نظمها هو عمر الخيام وتم ترجمتها إلى عدة لغات/ ومنها:

سمعت صوتاً هاتفاً في السحرْ * نادى من الحان غفاة البشرْ

هبوا املؤوا كأس الطلى قبل أن * تفعم كأس العمر كفُّ القدر

ويعد مالك بن المرحل أول من فكر في وضع ميزانًا لهذا النوع من الشعر. ومن أشهر من كتب الرباعيات في العصر الحديث صلاح جاهين، والذي كتبها بالعامية المصرية ومنها:

لا تجبر الإنسان ولا تخيّره * يكفيه ما فيه من عقل بيحيّره

اللي النهارده بيطلبه ويشتهيه * هو اللي بكره ح يشتهي يغيّره

أما في الأدب العربي، فله أسماء أخرى مثل الزجل والمواليا. ولكن لم يهتم كبار الشعراء العرب بهذا النوع من الشعر، لذلك لا نجد منه الكثير القيّم. أما في السودان فقد اشتهر هذا النوع من الشعر في المناطق الرعوية. ومن الأمثلة الطريفة على هذا النوع من الشعر، ممازحة بشار بن برد لجاريته ربابة:

ربابة ربة البيت * تصب الخل في الزيت

لها عشر دجاجات * وديكٌ حسن الصوت

للشعر أنواع كثيرة لكل منها جماله وسحره الخاص، ولعل الرباعيات فن وإن لم يشتهر به العرب كثيرًا، له وقع موسيقي محبب للنفس.

بقلم الصحفية: رانا عبد الرحمن