الأنا والوعي واللاوعي ، مفاهيم أربك بها فرويد الإنسانية ، أن نتصور أن النفس البشرية مثل جبل من الجليد ، حيث تقبع تسعة أعشار منه تحت الماء ، أما سطح الماء فهو يمثل الحدود بين الوعي واللاوعي . ماذا يعني هذا ؟ يعني أن تصورات البشر عن الحقيقة ، ومفاهيمهم عن أنفسهم قد تغيرت ، ولم تعد مثلما كانت عليه عبر عصور عديدة .

منذ عهد الفيلسوف اليوناني أرسطو كان جوهرنا الإنساني يرتكز على طاقاتنا المنطقية ، وعلى قدراتنا على أن نفكر أو أن نتفلسف ، وقد أكد ذلك فيما بعد ديكارت حينما قال ( أنا أفكر إذن أنا موجود ) ، لكن بعد فرويد تغير مفهومنا الذاتي عن أنفسنا ، فلم نعد ننظر لأنفسنا على أننا حيوانات منطقية ، يمكنها أن تفكر وأن تتفلسف .

النتيجة الأشد أثرا لهذه الأفكار المجنونة تكبدتها الحقيقة ، فلم تعد تجسيدا لعالم المثل مثلما كانت عند أفلاطون ، ولا جوهرا ثابتا على البشر أن يصلوا إليها ويدركوها في شكلها المطلق كما هي عند أرسطو ، ليست من عند الله كما يصر الأنبياء ، وليست من إنشاء العقل ، أو ما ينتهي إليه الشك كما قال ديكارت ، وليست بناء عقليا يتم بتضافر العقل والحواس كما هي الحقيقة عند كنت ، الحقيقة من وجهة نظر فرويد مرتبطة بعضوي المرأة والرجل .

ماذا تعني هذه الوقاحة الإبداعية على حد تعبير أحد مؤرخي علم النفس ؟ ، تعني أن لاوعينا هو أساس تكويننا ، وهو متخم بالإثارات المعقدة ، فوضوي في انفعالاته ، مستودع للغرائز والدوافع ، يمثل رغباتنا وحاجاتنا البدائية ، بينما وعينا هو العنصر التنفيذي للاوعي ،يكبحه ويحتفظ بصلات وثيقة مع العالم ، أما الأنا فهو مخزن القيم والمثل والمعايير الاجتماعية والأخلاقية .
يمكننا أن نوظف مقارنة غير دقيقة ، لكنها تعبر بالقدر الكافي عن العلاقات بين اللاوعي والوعي والأنا ، فاللاوعي رجل فوضوي ، مملوء بالإثارات والرغبات والحاجات والطاقات البدائية ، والوعي خادم مطيع ، يحاول أن يحقق رغبات اللاوعي بأسلوب واقعي في حدود المعايير الاجتماعية ، إنه خادم واقعي، يقدم مبدأ الواقع على مبدأ اللذة ، أما الأنا فهو ضمير يوبخ ويلوم عندما تحقق رغبات الرجل على حساب معايير المجتمع الأخلاقية والاجتماعية .

لنقل إذن أن المنفذ الرئيسي للإنسان السوي والمتوافق هو الوعي ، الذي يتحكم ويسيطر على اللاوعي والأنا ، ويعمل وسيطا بين طلباتهما وبين المتطلبات الاجتماعية والأخلاقية . لكن ماذا لو سيطر اللاوعي أو الأنا ؟ يختل توازن الإنسان ، لا وعيه يبحث عن تفريغ فوري ، وأناه تضع تحفظاتها الصارمة ، تشق رغباته البدائية طريقها من لا وعيه ، فتعترض أناه طريقها .

بناء على مرئيات فرويد ، فالتاريخ البشري محكوم بالحاجة الملحة إلى الجنس ، لا من أجل التكاثر كما تقول الأديان أيا كانت ، بل من أجل اللذة ، لكن الواقع ناقص وفقير جدا إذا تعلق الأمر بإشباع هذه الرغبة ، لذا كان على البشر أن يكبتوا نزعتهم الجنسية ، كل كائن بشري لا بد أن يخضع لهذا الكبت الذي تفرضه الحياة التي نعيشها ، لكن الكبت بالنسبة لبعضنا ، وربما بالنسبة لجماعات كاملة قد يصبح مفرطا ، فيجعلنا نمرض .

إذا سيطر الأنا على اللاوعي فسيصاب الإنسان بالعصاب ، أي أنه سيطور دفاعات ضد رغبته اللاواعية ، دفاعات تخرج في شكل وساوس كأن يلمس كل أعمدة النور في الشارع ، أو على شكل رهاب كأن يخاف الأمكنة المفتوحة أو الحيوانات غير المؤذية ، أو هستيرية كأن يحدث شلل في ذراعه من دون أي سبب عضوي وجيه .

في المقابل إذا سيطر اللاوعي ، بحيث تعجز الأنا عن كبته جزئيا كما في العصاب ، فسيصاب الإنسان بالذهان ، أي أن صلته ستنقطع بالحياة الواقعية ، وسيباشر اللاوعي ببناء حالة من الوهم منظمة إلى هذا الحد أو ذلك ، ويبني واقعا وهميا بديلا .

لا يضم الذهان أوهام الاضطهاد فحسب ، بل يضم الغيرة الوهمية ، وأوهام العظمة ، ويعيد فرويد جذوره إلى دفاع لا واع ضد الجنسية المثلية ، حيث ينكر العقل هذه الرغبة بتحويل موضوع الحب إلى منافس أو مضطهد ، أما الفصام فيعني الانفصال عن الواقع ، والانكفاء على الذات ، وهلوسات مهلهلة التنظيم ، وأدوات ربط عاطفية وليست مفاهيمية ، الأمر الذي يجعل لغة الفصامي تبدو مشابهة للغة الشعر .

ذات مرة تساءل إيجلتون : فيما لو كان علينا أن نختار ؟ أنكون فصاميين أم ذهانيين ؟ أيا كان اختيارنا ، ففي حين يعاني العصابي من شلل ذراع ، فإن الذهاني يعتقد أن ذراعه قد تحولت إلى خرطوم فيل .


بقلم الاستاذ علي الشدوي