الباحث الفرانكو جزائري المتخصّص في الثقافة العربية الإسلامية؟

بقلم الكاتب والمترجم: بوداود عمير/ الجزائر

يكاد لا يوجد كاتب أو باحث مغاربي، عاش في فرنسا، استغلّ تواجده هناك ليخدم الثقافة العربية الإسلامية وتراثها، ترجمة وبحثا وتنقيبًا، مثلما فعل الدكتور جمال الدين بن شيخ، الشاعر والمترجم والأكاديمي الفرانكو جزائري.

هكذا اشتغل الكاتب الراحل جمال الدين بن شيخ (1930-2005)، برصانة الباحث ومهارة المترجم على التعريف والترويج للثقافة العربية الإسلامية وتراثها الديني والأدبي، في فرنسا والغرب عموما، بشكل أشاد به جميع من عرفه وتابع مساره الأكاديمي والإبداعي. كتب عن “عقلانية ابن خلدون”، وترجم ألف ليلة وليلة، بجميع أجزائها ترجمة جديدة ومنقّحة؛ بحيث أدرجت ضمن سلسلة “لابلياد” للكتب، المتخصصة في إصدار الآثار الإنسانية العظيمة عبر التاريخ، كما كتب عن الإسراء والمعراج، وأنجز عن الشعر العربي القديم، تأليفا وترجمة، عشرات المقالات والدراسات والكتب. هذا الرجل الموسوعي، استطاع بفضل كفاءته العلمية العالية، التدريس في كبرى الجامعات الفرنسية، واستطاع أن يحظى بمنزلة أكاديمية مرموقة بها.

ولعل من بين أبرز مؤلفاته في هذا السياق، كتابه: “الشّعريّة العربيّة”؛ Poétique arabe : essai sur un discours critique (1998)

كتاب صار الآن بلغته الفرنسية أو بنسخته المترجمة إلى اللغة العربية مرجعا أساسيا للطلبة والباحثين في جامعات الدول العربية والعالم، ونظرا لقيمة وأهمية هذا الكتاب في معلوماته ونقده وتحليله، تصدّى لترجمته إلى اللغة العربية ثلاثة من أبرز الباحثين والأكاديميين المغاربة، بحيث تعاون كل واحد في مجاله الأدبي والمعرفي، لإخراجه في حلة لائقة، وهم : مبارك حنون، محمد الولي ومحمد أوراغ.

اهتمام وشغف جمال الدين بن شيخ العميق بالثقافة العربية الإسلامية، انعكس جليا على أعماله الأدبية السردية والشعرية، روايته الموسومة: “وردة سوداء بلا عطر”Rose noire sans parfum (1998)

تستلهم ثيمتها من ثورة الزنوج، وهي الرواية التي تولت المترجمة السورية المعروفة روز مخلوف، ترجمتها إلى اللغة العربية. جمال الدين بن شيخ كان إلى جانب ذلك، شاعرا كبيرا، أصدر العديد من الأعمال الشعرية المهمة، وقد ترجم له ببراعة الشاعر والمترجم المغربي: مبارك وسّاط، مختارات من شعره، تحت عنوان: “ستولد شمس من أهدابك”. يكتب مبارك وسّاط في المقدمة : “من الغريب حقّاً أنّ جمال الدّين بن شيخ، الذي هو شاعر بقامة إبداعيّة عالية، إضافة إلى كونه باحثاً ومترجماً، يبقى، كشاعر، “متجاهلاً بشكل ظالم”، على حدّ تعبير الباحثة كريستيان عاشور، ففيما خلا جماعات من المتتبّعين المنقبين، لا يشير أحد إلى العطاء الشعري الزّاخر لبن شيخ، بل إنّه يكاد لا يذكر إلّا كمشارك مع أندري ميكال في ترجمة جديدة لـكتاب “ألف ليلة وليلة”، نشرت في سلسلة لابلياد Pléiade الرّفيعة العماد… ولا شك أنّ من يحب الشعر ويقرأ لجمال الدين بن شيخ، ولو بالصدفة، سيكتشف شاعراً أصيلاً، مطبوعاً (كما كان النقاد العرب القدامى يقولون)، يستحق أن يعرف على أوسع نطاق”.

الباحث والإعلامي الجزائري سعدي بزيان، المقيم في فرنسا، سبق له أن أجرى مجموعة من الحوارات مع جمال الدين بن شيخ، من بينها الحوار الذي أعاد نشره في كتابه الموسوم: “أحاديث ممتعة”، والصادر مطلع الثمانينيات، عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع؛ كتب في مقدمته: “إن الحديث مع الدكتور جمال الدين بن الشيخ ممتع، وهو في نفس الوقت متعب، ممتع حينما تستمتع إليه، وهو يتحدث عن هذا الشاعر أو ذاك، عن هذا الراوي والقاص أو ذاك، مقارنا بينهما. أو حين يتعرض لهذا المفهوم أو ذاك الغموض للرمز، للأسطورة، للحركة الشعبية العربية، واقعها وآفاقها وأين موقعها؟ لقضايا الكتابة والتعريب لقضايا الإبداع ولغة الإبداع”. ثم يضيف: “والحديث مع الدكتور جمال الدين بن الشيخ متعب حين تجد نفسك فجأة، إن لم تستعد، مطلوب منك أن يكون لك اطلاع وإلمام على الأقل ببعض القضايا المطروحة، لأن جلسة معه ليست فقط سؤال وجواب، إنما هي قبل كل شيء حوار ومناقشة، وهو ما يحتم عليك، أن تكون قد قرأت بعض مؤلفاته، أو ملما ببعض أفكاره وآرائه… وجمال الدين بن الشيخ، يشكل همزة وصل بين الثقافة الغربية والعربية، فهو متمكن منهما ارس لها متعمق فيها إن هي تراث أو هي واقعا حاليا كلاسيكية أو معاصرة”.

لم يكتف جمال الدين بن الشيخ بمهام الترجمة والبحث والتأليف في التراث العربي الإسلامي، بل ساعد العديد من الكتّاب العرب، في التواصل مع الجامعات الفرنسية الكبرى ومسيّريها وأساتذتها، وعمل في تيسير الحصول على مادة أبحاثهم في الثقافة والتاريخ، بالنظر للمكانة المرموقة التي تبوّأها في جامعة السوربون العريقة في فرنسا؛ هكذا يخبرنا الباحث التونسي حمّادي صمود، في كتابه “طريقي إلى الحرية” أن جمال الدين بن شيخ كان من وراء توظيفه في الجامعة الفرنسية، كما أن الكاتب المصري الراحل جمال الغيطاني كان قد أثنى في حواراته، على الدور الذي لعبه الكاتب الجزائري الكبير، في تواصله مع كبار الأساتذة في الجامعات الفرنسية، وفي التعريف بأعماله الأدبية هناك وترجمتها، مما قاله الغيطاني في أحد الحوارات: “كانت تجربة ترجمة روايتي: ‘الزيني بركات” عام 1975 إلى الفرنسية مدهشة، والذي تبنى هذا المشروع هو جمال الدين بن شيخ وفاروق مردم بيك (الناشر) الذي خدم الأدب العربي، بما لم تستطعه وزارات الثقافة العربية مجتمعة”.