المرأة سر استسلام المستحيل على عتبات البهجة
في رواية عبد السلام خليفة
دراسة أدبية / نجلاء أحمد حسن



ان رواية ما بعد الحداثة هي بالأساس فكر ينبثق من كل منفصل، ينبذ كل ما هو تقليدي وكل ما هو متحجر ،ويهتم بالتجديد والتجريب  ويؤمن بكل ماهو يجسد الأصالة بالعمل الروائي  بل ينقل التحولات والثقافات  متمحورا حول الانا والتلقائية والمتعة ومجتمع الشعور بالانسحاق  والغور في مكنونات  الشخصية فكما طرح “امبرتو ايكو “هل يمكن ان تكون هناك رواية لا تنزع الى الهروب والى الخيال ؟
عنوان رواية انا والمستحيل للروائي المبدع عبد السلام خليفة عتبة النص الأولى تعطي انطباعات نفسية فلسفية ،تناقش قضية الغربة والأغتراب و الهوية والتاريخ وقضية  كتابة التاريخ على الصعيد الشخصي او الحضاري ، وهي السلسلة المتتالية من مشاعر الخوف والضياع  والغربة ،وذلك التغير الذي أحال حياة الأنسان الى حالة الأنعزال والنظر الى داخل الأمنيات المستحيلة ،التي أحاطت بالمؤلف فهو نصفان كل منهما يطفوعلى الاخر  حول هويته وعروبته .
الصراع من أول وهلة ” الصمت يلطم الصراخ  والأحزان تصارع الأفراح أعباء الحياة والألوان كلها بعيدة كل البعد عن الهدوء” توطئة الكاتب  عبد السلام خليفة لعقل القارئ ان الرواية ستاخذك الى عالم الواقع المرير هنا على الأرض الحقيقية حيث الصراع الأنساني مع الفلسفة والفكر ،الذي لا ينتهي ولا يهدأ ،ورغم ذلك نجده يشكر الأصدقاء أذن هناك مازال بصيص أمل للنور في هذا العالم
للوهلة الأولى  أجد فصل الأهداء يخيل للمتلقي أنه سينتهي بشكر الأصدقاء وينتصر للحياة والمعجزات المحققة في طريق العمر ،ولكنه فجأة يجد عرض الرواية قد بدأ ومنذ أول حرف فيها،ففي  تبدا السرد بلا أي توطئة بالسطر الأول “على حد غروب ثمل ورائحة فصول ” ،وهو  ما أستطعت  تمييز البداية ،فهو حوار فلسفي مع النفس والأنا المتعبة كلاهما يرد على الآخر ،
وتساؤلات الى أين ونظرة الى الداخل  وحسابات للنفس ، فكان صراعه دوما مع نفسه
(مسميات ولدت  مرغمة من خاصرة المكان وأشياء  قيد البال سجينة الروح والخيال) (لم اقاتل اعدائي) ،لولا السواد القاتم لتاه الحب بمتاهات الضياء وأفضى بلا معنى. بات بلا قيمة
المساء اسير الليل  نحن ضحايا الوقت )تأملات الكاتب في أطلال الماضي. وأحزان قصيدة مديح الشجر للنساء .
صراع الأنسان مع قدره وأحزانه ،حالة أرتباك  تجتاح المؤلف  فيطرح تساؤلات القدرية مثل الموت والحياة وما ينهما من عوالم الواقع ومشاعر الأحساس بالموت رغم أنه يصنف من الأحياء عابر كلام  والصمت وخيال الأشياء ولكن هل يخطيء الموت او القدر .؟
ينتقل بنا الي أشكالية ،يطرح تساؤل هل يتغلب الانسان على الوقت بأنواع الماضي  والزمن للتخلص لنا اننا ضحية الوقت وتاتي قضية الحلم  وصناعة الكلمات
(انتصرت يوم ولدت وانهزمت يوم عشقت حوار مع المستحيل  والقدر والحظ واول ظهور للكلمة ) الاختيار بين الصمت والصوت ضدان ، أدر وجهك شطر الليل  أين يولد الحلم يتيما من لحن يعرفه العاشقون لأسماء البلاد والماضون في اللأزمن
تظهر الرواية انسنة المعاني  فالمستحيل والحظ والقدر  معاني ورموز للاشياء الاحلام التي لا يمكن تحقيقها  اي انه أعداء الأمل  وعدو الأمنية .. الحظ  (الأمل في سطور الرواية يجعلك ترى اليوم عاما وسنة والسيدات وردا والليل عرسا)
المبدع  عبد السلام خليفة يضع النساء بمكانة عالية فوصفهن بانهن سيدات لهذه الأرض
ومنهن  انتقلت اسماء البلاد والنجوم فب السماء ،فهي البسمة التي تمتلك وهي الحياة الخالدة التي يعيشها فقط لأنها تحبك
ذلك الأنفطار الذي يشعر به المؤلف فهو ابن العروبة في الروح وابن المدنية الاوروبية بالجسد و بالميلاد ،كلاهما يشكل حياته الباحثة عن الحقيقة  ليصدمه  صراعه المستحيل الذي يرسم النهايات الغير مرضية بالطبع فهو للاممكن واللامعنى واللامكان ل(انا)المؤلف المنقسمة بالأساس الى نصفين  لمل منهما بداية ،ويردد له أن الحلم طريق السفهاء والحب كذبة يصدقها الجبناء ،وتلك الصراعات بين المؤلف والمستحيل فبعد كل نهاية يضعها المستحيل له يخرج له المؤلف حيا يرزق مرة أخرى من جديد متحديا ذلك القاهر والمتجبر (المستحيل ) الذي قد يضعف أمل أرادته وقد يدخل قبره ولستريح الحالة ولكن،الحظ يأتي  مهرولا ،فلم تكن حروب الحياة نزيهة ،بل هي حروبا تحاصرالأنسان ضغطا وألما .
يأخذنا  المبدع عبد السلام  خليفة الى منحى آخر عن ورواية داخل الرواية تمثل تحولا جديدا في عالم السرد ما بعد الحداثة وهو يحمل القارئ الى تأثير تلك الحصارات الضاغطة المتعددة والمؤثرة على نظرته للعالم من حوله فلم تعد قيمة المطر ولا للقمر ولا للريح أما أحساسه الدفين بلا هدف واللا وجهة ،فقط هو جواد الصمت والتعجب الضياع ،محاورات المؤلف للحديث مع المستحيل الذي منحه صفة الانسانية او( انسنة المعاني) ،ليظهر لنا المولد لتلك الحالة من الحزن واليأس وهو مرض  اهم شخصية في حياته ومن سقاه الامل ومنحه الحياة بطبيعة الحال  ولكنها سيدة تختلف فقد ظهرت معالم شخصيتها من وصف المبدع للمرأة بانها سيدة العالم والأرض ، عانت الام  المرض وتهالك الجسد على فراش الموت  وتلك العينين اللتان  تدعوان  له  بالحياة والحظ وصلاح الحال ،حتى آخر شعاع نور أستقبله مقلتها وكم كان لصيق الصلة حتى امتزجت رائحتة أمه بانفاسه حين حملها لمستقرها الأخير، في حضرة المستحيل  سيد الوقت  مشهد يدمي العين والقلب لكل من شهد في حياته دفن الارض التي احتوته روحا وجسدا وحضنا في التراب ، عادت للغياب لتعبر الغياب الثاني  وتلك ،الدعوات المنطلقة من قلب الأبن المكلوم  الذي توسل قلبه  لله بها .
ولكنه على الضفة الأخرى من المشهد يجد المستحيل  الذي يلمح انكسار نفسه  فحديثه ان تلك السيدة كانت تمثل له الحظ ومسار الدعاء والأمل ( وها قد انتهى منك كل شيء جميل بمغادرتها عالمك  فكان يقارن بين فقده للحياة الروح بموت امه وبين موت أمهات الياسمين بين بغداد ولبنان واليمن واوطان عديدة
تتغير الخريطة الذهنية ونظرة الأنسان للواقع بتأمل الغياب فقد غاب الأمل وغاب الحظ وغابت معهم الام ؛ والأم رمز للعطايا المجانية للمنح وهي المكان والزمان والوطن
وفي وهلة ص٥٠ أجد بعض الأمل  (فقد انهزمت الخيانة بمعارض الحب واطاح بها الأحبة وان خطوط الحدود تلاشت بعدما هجرت لعنتها وتوحدت للأبد البلاد والسماء تزين ليلها انوار النجوم بدل الرصاص
وكانني في بداية قصة جديدة بدايتها (مصيدة الياس  والاحباط يقتلني ومجبرا ارمي الخطى في المجهول) حديث مع المجهول طبعا لانو كان مع الحظ والمستحيل واليأس
وتبدأ الحياة على الأرض من جديد بزواج الراوي من خديجة ابنه حميد ،بعد دفن أمه لأنها وصيتها الأخيرة بالزواج من سيدة من مسقط رأسه وكانت تلك المحتشمة المثقفة التي كانت من نصيبها تلك الأمنية وانوار بركة الدعاء والوصية،
ويرجع الراوي الى مسقط رأسه وأنطلاق الذكريات التي يعج بها البيت القديم الذي تعيشه وتسكنه الأرواح السعيدة  فهناك رسم يده الصغيرة وعينه السعيدة ، على الجدار وشجرة الليمون وقطرات الماء الهارب من الحنفية  المغلقة  وتقبع ولعب الأطفال التي مازلت تسكنها بهجة أفعال وعبث الطفولة وحكايات الماضي السعيد ولعل الراوي اختار منها لصغيرته دانيا التي اهداها الشكر في بداية الرواية  ،ويرجع الى تلك الحوارت الفلسفية من جديد ولكنه هذه المرة حوار مع الوقت  الذي يعشق بقاء الاحزان ويطيل مكوثها ويكره ايام الفرح ويطويها بأسرع من عمرها ،وتطرح الرواية تساؤلات فلسفية وجودية ؛ هل وجود  حياة الراوي احدث فرقا في العالم ؟(فلم نولد لنموت آلاف المرات فهناك الوحدة وهناك عذابات الطريق  ويزيد العذاب ندرة الاحباب )
وياتي اول حوار واقعي بالرواية  وهو حوار حميد والد العروس ثم  ماما عمتها ،وبعده حوار الراوي مع حفيظ  ،وكم كانت الفرحة التي عمت قلب القارئ عندما شارك الراوي فرحته بعد عناء طويل وصراع أطول مع المستحيل والغربة والوحدة والوقت وقسوة الحياة
ويظهر صراع جديد مع المكان ،وتاتي تساؤلات جديدة هل يحتوينا المكان ام نحن من نصنعه ونحتويه؟ ومن هو الجاني الراوي ام المكان وكانت علاقة التناص الفلسفي بين الام  والمكان فهي المكان الاول للانسان والوطن الامن الصلي والذي يقارن دوما بينه وبين اي مكان يقطنه ليظهر لنا  الاجابة على كل تلك التساؤلات بمنتهى الدهشة  فقد امسك عبد السلام خليفة بلحظة الحقيقة واستطاع ببراعة ان يلقيها في ذهن القارئ ، بان الأم هى من صنع المكان والحياة  والسعادة والحظ والحنان  للمكان والزمان .
وهنا يعطي الراوي العليم كلمات المدح لدور المرأة وكانها هي السر ،والسر كله يكمن في وجودها ،قديما كانت الأم التي لا تغيب روحا وذكرى وخيال وائحة ونورا للروح،  وبعدها تكمل خديجة السعادة  فقد أعادت أنجابه من جديد ،وولادة سعادة قلب جديدة يحمله صدره بحضرة الحب المباح الذي أعاد ترتيب دقاته وتحلية الأيام. فقد حولت خديجة كل المعاني المستحيلة الى حياة الممكن المشرقة ممتلئة بالبهجة ، وتتحول حوارات الحياة الى تحدي الصعاب وتجاهل السيء، ويتلاشى المستحيل عند عتبات البهجة والسعادة وأصبحت الحياة تناديه وتمنحه  الطيران والتغيير نحو السعادة والحظ السعيد
استطاع عبد السلام خليفة تبني طريقة سرد جعلت من النص وحشا يلتهم الرواية متعددة الثقافات وحولت مفهوم الهوية الى التعددية ،والتي عكست مفهوم فقدان الثقة بالواقع وابتكار سرديات جديدة تحلق بك بقضية تهم الانسان في كل ارض وتحت اي سماء وهي الصراع  الدائم مع تحديات القوى الغير مرئية المعاكسة لأمنيات البشر وتقهر الجميع .