من العدد 16

النقد في الجزائر: قراءة في نماذج نقدية



تقوم الدراسة على جملة من الأسئلة: ما هي طبيعة التلقي النقدي للنص الإبداعي الجزائري؟ وما هي المرجعيات المعرفية والنقدية والجمالية التي تؤطّر عملية التلقي النقدي؟ وهل استطاع الخطاب النقدي في الجزائر أن يبلور هويته النقدية؟ هي أسئلة تحمل هموما كثيرة يشترك فيها الكثير من النقاد والباحثين الجزائريين، تتجلى فيم يُكتب من دراسات وبحوث ومقالات تحرص في كل مرة أن تقوم بوظيفتين مزدوجتين: أوّلهما: محاولة التأسيس لخطاب نقدي جزائري (وإن كانت فكرة التأسيس نفسها مثقلة بالوهم)، وثانيهما: استنطاق الخطاب الروائي الجزائري؛ إذ نجد أنّ ثمة علاقة عضوية بين النقد الجزائري والرواية الجزائرية. أليس النقد هو وليد بيئته، ووليد متونه الإبداعية؟
المداخل الابستيمولوجية الغائبة:
لا ننكر أنّ ما يُناقش سنويا من رسائل ومذكرات جامعية في تخصص النقد هي من الكثرة بحيث يصعب تقديم إحصاء دقيق لها، غير أنّ خلف هذا الكم العددي من الأعمال يطرح مشكلة مدى استجابة هذه الرسائل للسؤال الابستيمولوجي المتعلق بالنقد في الجزائر. بمعنى آخر: هل تشتغل هذه الدراسات ضمن نسق معرفي يُوحدها، في إطار حركة نقدية لها رؤيتها ومعجمها ومصطلحها ومنهجها، بحيث يمكن أن تبلور مدرسة نقدية جزائرية؟
السؤال كبير، لكنّه أساسي، لأنّنا في هذه الحالة نقع في تناقض كبير حين نستعمل مصطلح ( النقد الجزائري )؛ فإلحاق صفة الجزائري بالنقد يحمل دلالة معينة وهي أننا نملك نقدا ذا روح جزائرية، في حين لا يتعدّى ذلك ان يكون مجرد وهم! ومن جهة أخرى، نقترح لأجل تفادي هذا التناقض استعمال مصطلح ( النقد في الجزائر)، فمن شأن هذه التسمية أن تخفف وطأة التناقض بين النقد وهويته الجزائرية الغائبة.
ليست نيتنا هنا أن نضرب عرض الحائط بالجهود التي تقدم سنويا، فهي جهود محمودة، على الرغم من نقائصها، كما أننا نعي جيدا صعوبة بناء حركة نقدية جزائرية في ظل غياب الشروط الطبيعية لبنائها. وعلى رأسها: غياب السؤال الابستيمولوجي الكبير. يتعلق أساسا بسؤال: ما النقد؟ ما هي القراءة؟ ثم لماذا النقد، ولماذا القراءة؟
إنّ كل حركة نقدية تقوم بالأساس على طرح أسئلة معرفية وفكرية عميقة تتحرك بموجبها، وتصوغ مناهجها ونظرياتها وفق ما تتطلبه هذه الأسئلة، والأهم من ذلك القدرة على الإنصات إلى روح العصر، وما يفرضه من أسئلة ومعضلات وقضايا تمسّ الإنسان الجزائري في مرحلة تاريخية معينة.
كما أنّه وفي غالب الأحيان، ما تتشكل الحركة النقدية انطلاقاً من قراءة للمتون الروائية ؛ هذه الأخيرة تُعتبر منبعا لكل سؤال نقدي، ولكل سؤال نظري؛ فليس غريبا أن نظرية باختين في الحوارية انبثقت من أعمال روائية محددة تنتمي إلى التراث الروائي الأوروبي لسيرفانتس، و رابليه، ودوستوفسكي. كما أنّ رواية البحث عن الزمن الضائع قد ألهمت جيرار جنيت بنظريته الزمنية في السرد، وبإمكاننا أن نسرد أمثلة كثيرة عن اتصال النقد بالنصوص الروائية التي تنتمي إلى بيئة الناقد.
يُمكن أن نقرأ في هذا السياق، ما كتبه المرحوم بختي بن عودة في مقال بعنوان (القلق المثلث)، حيث انتبه إلى هذا الإشكال، متحدّثا عمّا سمّاه بـ(قلق العثور) أي عثور النقد على وضعه الابستيمي. يكتب بن عودة موضحا: (( كيف يُمكن للنقد أن يدرس الخطابات والبنيات السردية والروائية إذا كان ممنوعا إراديا ولا إراديا من دراسة وضعية الابستيمي (Epistème) أي تجسدنه في إطار تاريخي معين؟ وهل نستطيع تنمية نقد من هذا النوع إذا كانت هشاشة الابستيمي هي المهيمنة، أي هي التي تقع فوق هذا النقد)) (02).
عندما نقرأ جيّدا هذه الفقرة، نستطيع أن نستخلص منها قضية محورية: أنّ النقد المحروم من مساءلة ذاته – معرفيا – هو نقد غائب، ونقد غير فعّال، ومنقطع الصلة عن بيئته، وعن روح عصره، كما أشرنا سابقا. هذا الوضع أطلق عليه بختي اسم (هشاشة الابستيمي) الذي معناه أنّ الخطاب النقدي في الجزائر يعاني من الترهّل المعرفي، وهو لم يتأسس بعد على الوعي بأسئلته الجوهرية، وبحاجاته النظرية والمنهجية. أي أنه يجهل موقعه داخل حقل المعرفة الإنسانية في العالم.
ويستمر صاحب كتاب ( رنين الحداثة) في تشريح وضعية النقد  في الجزائر، مبينا علاقة هذا الأخير بفن الرواية الذي هو أيضا جزء من ذلك الابستيمي؛ فالنقد بحاجة إلى الرواية التي تقفز فوق السائد والمكرّس.
إنّ عثور النقد على  سؤاله الابستيمي يكون كذلك من خلال ((العثور على نص خفّاق ومنفلت، يستدعي الغائب ويروم تكريس المواجهة)) (03). نفهم بأنّ النتاج الروائي، على كثرته من جهة، وعلى تفاوته الأجيالي، لا يشكل مؤشرا على إنتاجية الفعل الإبداعي، لأنّ الكثرة لا تعضد حاجة النقد إلى نصوص “منفلتة” من عقال التكريس.

فأين هي الرواية التي ستحمل النقد على تبيان وضعه الابستيمي؟ وأي رواية أيضا تلك التي تنفلت من الناقد، فتدعوه إلى أن يغادر ذلك الانصات الساذج والمحتشم للنصوص؟ وينهي بختي مقاله بشبه تعريف مقتضب للوعي النقدي بأنه انهدام القناعات الكسولة. أي أن يغادر هشاشته الابستيمية.
سنلاحظ بأنّ سؤال النقد في الجزائر طُرح باكراً، فبالإضافة إلى المقال الذي كتبه بختي بن عودة في العدد المزدوج ( الثاني والثالث) لمجلة التبيين، نقرأ مقالا آخر نُشر في العدد نفسه، للأستاذ حمزة الزاوي، والذي يحوم حول الإشكال نفسه، ولو أنّه ركّز على ما كُتب من دراسات نقدية في عام 1989م. وهي مرحلة تاريخية حاسمة تفصل بين مرحلة النقد الأيديولوجي وبين بدايات انفتاح النقد على المناهج البنيوية والسيميائية.
يقول حمزة الزاوي في هذا المقال، أنّ منظومة الحكم النقدي والذوقي تختلف من عصر إلى عصر، وتتحدد معالم الخطاب النقدي استنادا إلى خصوصية ما يواجه المجتمع من أسئلة وإشكاليات وتحديات؛ فالناقد في هذه الحالة غير مفصول عما يمور تحته من حركية تاريخية يعيشها ويتأملها، مثلما يفعل الروائي بالواقع الذي ينتمي إليه، فهو يبدع استجابة لشروط العصر.
ومن جهة أخرى، فإنّ علاقة النقد بأسئلة عصر هي مربط الإشكال في الخطاب النقدي، وقد طرحه الزاوي من زاوية علاقة النقد في الجزائر بالمناهج والنظريات النقدية الغربية. يقول: ((ارتباط النقد العربي باتجاهات النقد الغربي هو ارتباط متخلّف كما وأنه ارتباط إسقاطي. متخلف لأنّه لا يتعامل مع الأدوات النقدية في الغرب في حينها ولكنه يتأخر عليها وبذلك تكون أسئلته ونتائجه متجاوزة – اسقاطي على أساس أنّ الممارسة النقدية عندنا غالباً ما تكون جاهلة للأدوات المعرفية والمنهجية التي تستعملها وبذلك يتم إسقاطها بطريقة عشوائية على خطاب أدبي يختلف اختلافا جوهريا عن الخطاب الأدبي الغربي كخطاب مهموم ومسكون بخلفيات اجتماعية معرفية وإبداعية خاصة به)). (4 )
إنّ المدخل الذي ارتآه حمزة الزاوي هو قراءة الخطاب النقدي في الجزائر انطلاقا من مدخل ( الأزمة) سنلاحظ بأنّه تحدث على نحو عام عن النقد العربي ( والنقد في الجزائر هو حلقة من الحلقات المشكلة للنقد العربي) مركزا على واقعه المتخلّف الذي أبرزه في عدد من المظاهر؛ يذكر منها: العلاقة الميكانيكية بين النقد العربي والنظريات الغربية بحيث يتم إسقاط مبادئها وآلياتها ومفاهيمها على النص العربي دونما الحرص على احترام خصوصيات هذا الأخير. فكثيرا ما يتم التعامل مع هذه النظريات بعد عقود من ظهورها، أي بعد أن تكون قد استنفذت في بيئتها الأصلية.
فالناقد العربي يأتي دائما متأخرا زمنيا. هذا التأخر الزمني هو في حد ذاته يبرز طبيعة المسافة المعرفية بين النظرية النقدية الغربية والنقد العربي من جهة، وبين هذه النظريات والنص الأدبي العربي. هذا يعيدنا مرة أخرى إلى مفهوم بن عودة عن الهشاشة الابستيمية، التي تفتح الطريق للفوضى العارمة في الحقل النقدي. لم يعد النقد، في هذا الأفق الذي يتحكم إلى الآلية والعشوائية في نقل النظريات الغربية وإسقاطها على النصوص العربية، قادراً على معرفة موقعه ضمن أسئلة النص الأدبي المحلي.

بقلم الاستاذ بن علي لونيس