رُبّـما تُساعِـدنا “ميديولوجيا دوبريه” على فهمِ الرَّاهــن !

بعد الأحداث المتشعِّبة التي شهدها العالم منذ الجائحة الصَّحية العالمية “كورونا-كوفيد19″، مرور بالعديد من القضايا والأزمات (السياسية، الإقتصادية، الدبلماسية، الرياضية، الثقافة..) إلى غاية اللحظة الرّاهنة، وَجَدتُني أفكّـر في وسائل الإعلام بشقّيها الجماهيري والتّفاعلي، ومدى تأثيرها في حياتِنا راهناً، ثم تذكرتُ فجأةً أحد أبرز من بَـحث في تأثير الميديا على الإنسان من ناحية تشكيل الوعي والتأثير الٱيديولوجي وفرض القيم والمفاهيم الجديدة. إنه المُخضرم “ريجيس دوبريه – Regis Debray”، أحد أكثر المثقفين الفرنسيين والعالميين شُهرةً في الوقت الرَّاهن، المفكر والفيلسوف والسِّياسي الشُّيوعي، والنَّـاقد الإجتماعي والإعلامي.. الرّجل الذي أنتج أكثر من سبعين كتاباً منذ 1979 من أهمها وأكثرها انتشارا “نقد العقل السّياسي critique de la raison politique”، “حياة الصُّورة وموتها Vie et mort de l’image”، “الميديولوجيا – مُحاضرات في علم الإعلام العام Introduction à la médiologie”.
في منتصف سبعينيات القرن الماضي، أَطلقَ دوبريه ولأول مرّة مُصطلح “الميديولوجيا” في كتابه “السُّلطة الفكرية بفرنسا – Le pouvoir intellectuel en France”، وقد لَـقيَ رواجاً كبيرًا وحَظيَ باهتمامٍ بالغٍ في الأوساطِ الأكاديمية والثَّقافية بفرنسا وأوروبا والعالم، وقد نَـاقشَ ذلك في عِـدَّة إِطلالات إعلامية ببلاطوهات تلفزيونية، لعل أهمها كانت رفقة الفيلسوف الكبير “جاك ديريدا” بإحدى القنوات الفرنسية- وأثنى حينها صاحب (الڨراماتولوجيا) ععاى “دوبريه” أيَّـما ثنـاء.
صار مصطلح الميديولوجيا أو “الإعلامياء” كما يحلو للباحثين المُعرَّبين تداوله، المُصطلح المِفتاحي بكتابه “محاضرات في علم الإعلام العام”، والذي ألّـفه سنة1991، مُبلورا فيه مُقاربته النَّظرية النَّقدية- الإعلامية، فأسَّس لما سمَّـاه بـعلم دراسة الوسائط المادية التي يتجسد عبرها الكلام، مؤكدا أن رؤيتَه تمثِّل نظرية نقدية تَشتغِل على استقصاء طُـرق وأساليب انتقال المعنى الثَّقافي في المجتمعات البشرية.
تأسيسا على ماسبق، بنى المدير السابق للـ “الكوليج دوفرانس” نظريتَه من خلال تقسيمه الشَّهير لما أسماه بـ “بيئة التَّـواصل الإعلامي للبشرية”، وذلك إلى ثلاثة عصور وصفها بـ “العصور الميديولوجية”، مؤكِّدا بأن كل عصر من هذه العصور إرتبط مادياً بالوسيلة التي كانت فيه مُتاحة لانتقال المعرفة :
– عصر الإنتاج الخطي: وتُعَـدُّ ركيزته الرئيسية (المخطوطات)، وهو العصر الأول، والذي يُطلق عليه إسم “المجال الكلامي” ويصفه بكونه عصر لاهوتي وما الإنسان فيه سوى مُدوِّن لما يُمليه الإلـه كما كان الحال مع الديانات الكبرى الإبراهيمية كالتّوراة والإنجيل والقرآن، وكوصفٍ لمكانة الكلام المقدس وَصفَ دوبريه العقل البشري حينها بأنه لا يخترع بل ينقلُ الحقيقةَ كما تلقَّـاها.
– عصر الإنتاج المطبوع: وركيزته هي (الكتاب)، وقد أَطلقَ عليه إسم “المجال الخطّي” مؤكدا أنه تميّز بتبعية الصُّورة للنَّص وضمان الحقيقة عبر الانتاج الخطي ووفرته، كما ثمَّـن فيه فتح المجال للاختراعات والإبداعات.
– عصر الإنتاج السّمعي بصري: والذي يُسميه “المجال التِّلفزيوني”، وفيه انتقلت سُلطة الإعلام إلى السَّمعي البصري ما تسبَّب في سقوط الكتاب من بُـرجه العاجي وفُقدانه لرمزيتِة المحترمة، ويؤكد دوبريه أن الرّكيزة الرَّئيسية لهذا العصر الميديولوجي هي (الصُّورة)، مُستدلاًّ بالسِّينما والتِّـلفزيون على وجه الخصوص.
أما العصر الذي بَـنَـى عليه نظريتَه أو بناها له فأطلق عليه تسمية “عصر الإنتاج السَّايبيري”، وهو العصر الميديولوجي الرَّابِـع والرَّاهـن، والذي بدأ مع الحضور القوي للأنترنيت في عالمِنا مُجسِّدا فكرة ملايير المستخدمين والمجتمعات الإفتراضية، لهذا كـرَّس “ريجيس دوبريه” حياتَه منذ العقد الأخير من القرن الماضي لدراسة وسائل الإعلام والإتصال وتأثيرها على الإنسان من ناحية تشكيل الوعي والتأثير الٱيديولوجي وفرض القيم والمفاهيم الجديدة .
درس “ريجيس دوبريه” عِـدَّة ظواهرَ وإشكالياتٍ إجتماعية كالدّين، الثّقافة، الفـن، السِّياسة، الٱيديولوجيا.. وغير ذلك، وبحث في علاقة تلك الظواهر والإشكاليات مع المنظمات الإنسانية، وكذلك مع بنيات التَّحول التي ترتبط بالتَّطور التِّكنولوجي خاصةً في مجال تقنيات الإعلام والإتصال طارحاً عِـدَّة إشكاليات جوهرية من قبيل:
– لماذا وكيف أصبحنا مُتعلمين وتِقنيين تلقائياً؟
– كيف أصبحنا مُرتبطين ببعض الأشياء المُستعملة؟
– كيف أصبحنا إنتاجاً لما أنتجناه؟
والحق أنها إشكاليات راهنية تعكِس قضايا راهنية بامتياز، وتنِم عن نزعة نقدية وموضوعية نافذة تحلى بها صاحب “الميديولوجيا” خاصة في تركيزه على عوامل نجاح “البروباغاندا” التي تبحث عن شروط الإقناع والوسائل المُساعِدة على ذلك كما يتجلى في الجوانب السّياسية والدّينية والثّقافية والآيديولوجية والدّعائية عمومـاً.
لقد بَحثَ أستاذ الإعلام والإتّصال بجامعة السوربون3 من خلال “الميديولوجيا” عن كل ما يربط الإستغلال المادي بالخطابات، والتّوجيهات التّقنية بالٱيديولوجيات.. بلغةٍ أوضح، سعى صاحب “حياة الصٌورة وموتها” لاختراق ذلك الحِلف الذي يَجمعُ وسائل الإعلام والإتصال بالسُّلطة .
د/ خليل بن عزة: باحث في الاتصال المعاصر، وكاتب إعلامي.
