غربة قلب
أصعب شيء هو أن تتقلب الغربة بين حب الاكتشاف و الحنين القاتل ؛فهي تلك التي تحلم دومًا بالتنقل داخل هذا العالم تشعر دائمًا بصغره أمام عينيها تحلم برؤية الكثير تعشق الترحال و عدم التقيد، تتناغم مع محركات الطائرات و ضجيج المسافرين و أصوات جرارات الحقائب،لتدون كل فترة الأماكن التي تحلم بزيارتها فتبهرها المدن الجديدة و اختلاط الأجناس البشرية و همهمات اللغات غير مفهومة،يتضارب الاستقرار داخلها مع ذلك العشق المسمى “بالسفر” بعد غربتها ظنت أن الدنيا متساوية أمام عينيها فكل غربة و انتماء لمكان بعد الأهل و الوطن سواء،لأنها اعتادت فكرة الرحيل و تأقلمت معها و أصرت على قدرتها و سلمت بأن الحياة و النجاح يحاصره القوة و القدرة ،فلابد أن نمضي مع أقدارنا ،هذا ما يراه غيرها،وتذكر به كل يوم عقلها و تشعر به قلبها ،ولكن الحقيقة أن ما تردده كل يوم وتذكر نفسها به لم يكن سوى ترف عبارات لطيفة تقرئها على هاتفها صباحًا وهي تحتسي القهوة الصباحية لأن هذا الثبات و الصمود الذي تشعر نفسها به وحدها فقط من واجه أمامه الوحدة و غربة قلب التي أشعرتها باليأس أحيانا فكل ناجح في غربته ليس بقادر بل متغافل و كل متعايش ليس بناسي وكل مبتسم ضاحك ليس بسعيد ،فوحدها من واجهت التجربة و الفشل ،السقوط و الخذلان ،إن فكرة البدء من جديد هي الفكرة المخيفة بالنسبة لها أن يصبح ما تعيشه الآن ماضيًا بين لحظة و ضحاها أن تغوص في أشخاص جدد تسمع حكاياتهم و تحاول لمس ماضيهم و التأقلم مع حاضرهم وأن تعتذر كل مرة من أصدقائها القدامى التي قصرت في السؤال عنهم ،أن تعرض البطاقة التعريفية بنفسها في كل مرة،بذات الإرهاق و الملل،أن تبحث عن ملاذ لنفسها ومكان جديد أن تترك فيه أثرًا أن تكتب وحدها تاريخها من جديد وأن تضطر أن تكون بخير دائمًا أن تتوهم بأن جميع من تركته سيظل كما هو وأنها ستعود يومًا إلى مرتع شبابها و صباها وأن تخشى الفقد وتتوهمه مرارًا و تكرار، ما أصعب أن تبدأ من جديد ،أن تتحسس كل ما هو جديد بشعور الغربة و الصمت لتجد نفسها يوميًا لا تدري من هي ،إن جميع ما كتب عن الغربة و التأقلم معها و الإنجاز فيها لابد أن تعترف أنه يقابله جرحًا في القلب يدمي،تعيش و تتعايش لتظل الغربة غربة عملة ذات وجهين ما بين عشق في اكتشاف مجهول قادم و حنين قاتل لكل ما هو متروك ماض.
بقلم الصحفية سعاد بويعلى
