العمامة الفارغة

سلك أسامة طريقه إلى عمله في الصباح مع أول ضوء يصافح القرية, وكأنه ينسدل من بين هذه الأشجار المتزاحمة بجانبي الطريق, وكان يمشي مثقلا, ليس من شيء يحمله, أو هم يؤرقه, بل كان مكبلا بالكبر. كان يرسم خطاه فوق التراب قبل أن يطئها بنعله, فتبدوا خطواته معتدلة, وشديدة البطء, كان يرسم كل حركة له رسما يوافق كبرياءه, كان دائما يرتدي جلبابا يتدلى زيله فوق الأرض كأنه ممحاة تطمس أثار نعله, وكان يغطي رأسه بعمامة كبيرة مكتظة بلفائف متعددة الألوان, يبد للناظر إليه كعالم جليل, ويتخيل البعض تلك العمامة كأنها قبة يرقد تحتها علم وفير, أصبح فؤاده فارغا إلا من تلك المظاهر الجوفاء حتى عواطفه صارت جرداء تبد كنهر جف في منابعه, تجرد من كل شيء إلا من كبرياءه الذي بات وشما يكسو كل جسده.
سلك طريقه يتخايل بهندامه وهيئته, وأثناء مسيره في الطريق رأت عين خياله تلك الأشجار المتراصة بجانبي الطريق, وكأنها جمهور من الناس احتشد لنيل شرف توديعه أثناء خروجه من القرية, فانساب ذراعه الأيمن بحركة دون أن يشعر, يموء إلى الأشجار كأنه يرد التحية, وتزامن مرور أحد سكان القرية بالطريق, فظن أنه يلقي عليه التحية, فاندهش لذلك, وأخذ يفرك بكلتا يديه عينيه الاثنتين بحركة تنكر هذا الفعل على أسامة, وأطرق للحظة, ثم انتبه ورد التحية بصوت متقطع كأن شيئا يمنعه .. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. فمر عليه أسامة دون أن يعيره اهتماما, ثم التفت إليه وسأله على مضض عن حاله, كأنه يبصق على الأرض, ثم استأنف مسيره بغير اكتراث, فالتقى برجل من أهل القرية يركب حماره, ويقرض بنواجذه قرنا من الفول الأخضر, ويردد أغاني من التراث الشعبي:
ـ طلعت يا محلا نورها
شمس الشموسة
يلا بنا نملا ونحلب
لبن الجاموسة
قاعد ع الساقية يا خلي
أسمر وحليوة
عوج الطاقية وقلي
غنيلي غنيوة
قلتلو بقلبي يا خلي
يا أسمر يا حليوة
قدم لي وردة وقلي
حلوة يا عروسة
, وكاد أن يتجاوزه دون أن ينتبه إليه, فتملك الغيظ من أسامة, وأنهكه السعال ليس من علة بقدر ما هو أداة للانتباه استخدمها أسامة ليلفت نظر هذا المزارع إليه, ولكن عبثا حاول أسامة, فقد مضى المزارع, وهو ما زال يسبح في بحور أغنيته التي استولت على عقله بالكامل, ولم يستيقظ من غفلته التي أغضبت أسامة منه إلا عندما استنشق عطر أسامة المميز الذي تضوعه نسائم الصباح فعبأ الأجواء, وأخيرا انتبه المزارع إلى أسامة فنزل من فوق حماره, ورجع للخلف كرتين, ثم نادى عليه بصوت أقرب للغناء:
ـ يا شيخ أسامة.. يا شيخ أسامة.. يأيها العلامة.. يأيها الفهامة
, وتظاهر أسامة في بادئ الأمر بعدم اكتراثه بالمزارع وكأنه لم يراه من الأساس وكأنه لم يعكر صفوه بتجاهله له, ومضى في طريقه وكأنه لا يسمع شيئا, ولبث المزارع يلهث خلفه بضعة أمتار, وهو لم يفتر ينادي عليه:
ـ يا شيخ أسامة.. يا شيخ أسامة.. يأيها العلامة.. يأيها الفهامة
, وأخيرا تظاهر أسامة أنه انتبه إليه فاستدبر نحوه وهو يردد في نفسه:
ـ ويح الأحمق إذا لم يتملق
, وأخذ المزارع يبث شكواه لأسامة وهو ما زال يقرض قرن الفول الأخضر بنواجذه ماثلا بين يديه متحدثا وجفونه ترتجف بصورة مستمرة:
ـ محصول الفول يا سيدنا .. ضربه الصدأ, وتناسلت البثرات بكثافة على السوق والثمار, رغم دفء برمهات يا سيدنا..
فكان جوابه:
ـ اروي تربته حتى تشبع
وانطلق أسامة إلى عمله يستجدي احترام الآخرين بمظهره, يواري ضآلته في هذا الثوب من الكبرياء فهو موظف بسيط في الجمعية الزراعية للقرية, يدعي أنه ممسك بأطراف شتى العلوم, لا يرد سائلا, وإن جهل مسألته, أفتاه بجهله, لغى من معجم مفرداته.. لا علم عندي.. لا أعرف.. الله أعلم.. وتناسى أن من قال لا أعلم فقد أفتى, وتناسى أن بعض الكلمات بلا وعي تحريض على مفسدة, وبعضها سم عضال, وسبيل لمهلكة, المهم عنده أن يظهر بما يليق بما رسمه لنفسه, وجاءه أحد زملاءه في العمل يشتكي وجدا شديدا على ابنه وقرة عينه, فقد اغتاله الوهم, واستقل الخرافة إلى عالم يضاهي روايات الرعب, فأصبح طريدا في بيته, شريدا وحيدا بين أهله وقرناءه, فتبرع أسامة, وأعد له تميمة كترياق لابنه, واعتاد أسامة على أن يقتحم على الناس خصوصياتهم, فتارة يلعب دور المعالج الروحاني, وتارة واعظا وطبيب نفساني, وتارة أخرى عالما في الفلك, وخبيرا في الطبيعة, امتهن كل المهن التي احترفها الإنسان, وكأنه خلق لكل شيء, وهو في الأساس لا شيء, يحدث ضجيجا ولا يترك أثرا, يجيد فقط فن صناعة الضوضاء, استفتاه أحد أصدقاءه بجواز التيمم لجرح في يده فأفتاه بإسباغ الوضوء, ينفق بوائقه بشغف, ويظن بذلك أنه يؤتي للعلم حقه, يتكبر في الأرض, ويزعم أنها هيبة العلماء, يثير الغبار بكاحله, ويتباهى بوضوح رؤيته, وعظيم حكمته, وحسن منطقه, اللائي أفسدن كل شيء, فقد أكل الصدأ محصول الفول, وأصبح هشيما تذروه الرياح, وضل الابن الطريق, فخرج ولم يعد, وتفاقم الجرح, ولم يلتئم, وكأنه ساحر, لا يفلح حيث أتى, واجتمع الثلاثة, المزارع صاحب محصول الفول الذي نصحه.. اروي تربته حتى تشبع , وزميله في العمل الذي أعطاه التميمة كترياق لابنه, وصديقه الذي أفتاه بإسباغ الوضوء, وانطلقوا إليه, وهم يتميزون من الغيظ, وأقسمن جميعا ليمزقن عمامته التي أكسبته المهابة, ومنحته الجرأة, وانقضوا عليه الثلاثة كرجل واحد, ونزعوا من فوق رأسه العمامة, ولم يستطع أن يدفعهم, ويمنع نفسه منهم, لعلمه بما كبلهم من خسائر, وألجمتهم الدهشة عندما وجدوه أصلع, عاري الرأس, كالأرض البور جرداء, غير مثمرة, وطأطأ أسامة رأسه, ووضعها بين كفيه, وعيناه تبرقان بالدمع, يبد في شيء طفيف من الندم, ثم تبادلوا جميعا النظرات فيما بينهم, نظرات تتأرجح بين الندم, والشفقة, والشماتة, والثأر, ندم أسامة, وأعرب عن ذلك قائلا:
ـ اماطة الجهل عن العقول حياة, والتواضع يسمو بالإنسان
ووضع صديقه العمامة على جرحه ثم لف بها رسغه, وقال شامتا:
ـ ربما تخفي عمامتك علتك ولكنها لا تزيلها
ثم صوب إليه نظرات حداد:
ـ يا أصلع
وقال زميله في العمل:
ـ اقتلعت عينيا.. ابني, وقرة عيني بتميمتك, وكنت أعلم أنك فتنة, ولكني لم أخذ بتحذير هاروت وماروت.. لا تكفر.. واتبعتك, ولكني أشفق عليك لأنك فقدت نفسك
, وتبسم المزارع ضاحكا:
ـ أردت أن أثأر لنفسي منك, ولكن سبقني إليك جهلك
ثم أومأ إلى عمامته, وأردف قائلا:
ـ هذه عمامتك الفارغة تحتلها الظنون.
بقلم الكاتب علي محمد الفشني – مصر
