دراما المسرح واشكاليةالجمهور عند“اشلي ديوكس”

         تعتبر الدراما من اهم الوسائل في حياة الانسان ،خاصة في الوقت الحالي فهي اصبحت متنفسه ونَفَسه، هي تلك الأداة الأساسية التي ساعدته لمدى قرون في معرفة نقل افكاره  واحاسيسه و رسائله الجمة والتعبير عن ذاته ومكنوناته الداخلية ،بطرق شتى تعمل على التأثير في سلوك الافراد والجماعات ، ودراما المسرح كأحد اشكال التعبير الدرامي  فهي مبنية على ركزتين هما  طريقة كتابة المسرحية ونوع المسرح الذي تكتب له ،ويعمل هذا النوع الدرامي جادا في محاولة بناء ترابط واتساق بين النظرية  والممارسة ، اي محاولة انشاء علاقة تفاعلية تكاملية بين كاتب المسرحية و المنفذ لها ، ولكن مقياس نجاح اي عمل فني مسرحي لا يعتمد فقط على هاته العلاقة بل يجب ان يمر على اختبار جمهوري هو من يحسم هاته المعادلة  ويحكم  ايُّ عمل يليق ويستحق ان يعرض وأخر غير مقبول ولا يرقى لمستوى متطلباته ،  لكن الإشكال ان الجمهور غير ثابت في اصدار قراراته اتجاه كل عمل فني فهو في المقام الأول يتبع ما تمليه عليه اهواءه ورغباته لا غير ، ويبقى لغز الجمهور وأراءه المتغيرة  تحاك حوله آلاف الأسئلة والإشكاليات ، وهذا جعل الكاتب والناقد الإنجليزي اشلي ديوكس ان يعبر عن رأيه في ذلك من خلال طرح سؤال هو كيفية تعامل صناع المسرح مع لغز الجمهور،  هل  يا ترى وجب الرضوخ إلى متطلباته؟  ام تجاهلها وعدم المبالاة لها ؟ ام انه هناك وسطية تجمع الإثنين لحل هذه المعضلة؟

     لقد طرح الكاتب “اشلي ديوكس”  على مشكلة الجمهور من خلال كتابه “الدراما” ،حيث تحدث فيه عن الفن بشكل عام واهمية الإخراج  والتمثيل ، لكن حاول بشكل ادق واعمق ان يسلط الضوء اكثر عند فكرة كيفية التعامل مع الجمهور الذي اصبح بشكل في رأيه لغزا و مشكلة تعيق صناع المسرح ، وخاصة مع تطور اشكال وفنون المسرح  المختلفة لديهم.

        حيث يرى  أن أصحاب المسارح وقعوا في فخ الوهم والتسرع حين  اعتادوا أن يطلقوا على «المشاهدين» كلمة «الجمهور»، وهي تسمية تعبر عن مدى الأثر العام للدراما، معتقدين انه لا يوجد سوى جمهور واحد فقط؛ وعليه يبدأ  في إطلاق احكام مثل ان يقال عن مسرحيةٍ ما إنها «ما فوق مستوى الجمهور»، وعن أخرى إنها من النوع الذي يريده فيه الجمهور.  كما يرى اشلي  ان في كل سنة يتم انفاق ثروات طائلة وكبير في سبيل في محاولة إلى إشباع حاجة جمهور «وهمي» ونيل رضائه، في حين أن هناك أنماطاً مختلفة من جمهور المسرح، ولكل منها ذوقه الخاص، اضافة إلى ذلك انه يوجد دائماً جمهور مستتر  الا هو الجمهور المثقف ، فهو الآخر له دور في تقيم ما يقدمه هؤلاء الصناع .
   كما انه يوضح  أن كل نوع مسرحية جيدة  جمهورها الخاص سواء أكانت مسرحية لشكسبير أم كوميديا موسيقية او غيرها، فصاحب المسرح الذكي يختار جمهوره من الجماهير العديدة التي يمكن أن يجتذبها ، فهو بذلك يختص نوع ولا يهمه النوع الاخر فهدفه يبقى في أهمية عدم فقدان شعبيته ، وهو لا يسعى إلى تثقيف هذا الجمهور الذي يتألف من أفراد من عامة الشعب ولا يحاول ان يقدم لهم بضرورة معلومة، فالمهم ان يستجيبوا ويتفاعلوا لما يقدمه، كما في الجمهور كذلك اشخاص مثقفين مثله، لكنه لا يعبئ لذلك فهو يعمل على الملاءمة بين ذوقه وذوقهم. وقد يفقد في سبيل ذلك بعض المال، لكنه لن يفقد أبداً ما يفقده زميله الذي يمضي حياته يتلمس عناصر النجاح الشعبي فقط؛ لأن الجمهور بالنسبة له ليس حقيقة من الحقائق، ولكنه وهْم من الأوهام التي تسيطر عليها.
   وفي هذا الصدد  يوضح اشلي ان  جمهور المسرح متغير غير ثابت  فأحيانا يكون الحضور كبير واحيانا يقل، بغض النظر عن قوة الدراما أو جماليتها، فالمسارح لا تعرف الثبات المطلق فأحيانا تتمتع بنجاح باهر كما تعاني فترات  الركود والجمود ، وهي بذلك  تتأثر بالتغيرات المفاجئة حتى الظروف الجوية الطارئة لها دور في ذلك.  فالحرب الأوروبية  لم تهتم بمنح ملكة الخيال والمشاعر عند رواد المسرح، ولكنها هبطت بمعظم المسارح في البلدان المتحاربة إلى أدنى مستوى من الذوق وصلت إليه منذ أجيال. وقد يتعرض عالم الملاهي لكارثة بسبب أزمة سياسية أو إضراب يقوم به عمال النقل أو فترة حداد قومي.
    ولم يعد يعجب من امر  صاحب المسرح فقد اصبح يميل إلى السير وراء أوهام الجمهور في شيء من  الخوف والرهبة الأسطورية ، إنه يرى في كل ليلة عدداً من الناس  الذين لا يعرفهم أبداً ، فمنهم  من حضر المسرحية بناء على الإعجاب بممثل معين من ممثلي العرض، و منهم  سرقت اضواء المسرح  وفنون الدعاية والإعلان قلبه فلبى الندا وتوجه اليه بناءا على ذلك، أو مَن منهم استجاب لإعلانات الصحف والمجلات لا غير.
    كما ان أشلي قد ركز على الجانب  سيكولوجي لجمهور المسرح، ويذكر أنهم يبدون كمخلوقات غريبة متقلبة ذات أمزجة وأهواء  ولا يمكن ايجاد تفسر لما يقومون به من تصفيق، قد يضحكون  وتصل ضحكاتهم عنان السماء ثم في  الليلة التالية تراهم في صمت غير مفهوم في ووجوههم عابسة لما يشاهدون. فتجدهم احيانا تنتابهم  الحماس ثم ينقلب الى حالة فتور،  واحيانا مرحين فرحين ثم يصيبهم الملل والعبوس،  ثم يشعر الممثلون بهذا التغيير في مزاج الجمهور قبل مرور عشر دقائق  من الفصل الأول، ثم ينطلقون في التعليق عليه خلال فترات ما بين الفصول.
       ولعل هذا ما دفع ديوكس إلى الاعتقاد بأن لغز الجمهور يكمن إلى حد ما في حجمه، وفي هذا الصدد يقول “مقابل كل شخص يقرأ كتاباً ناجحاً تجد عشرة أشخاص يشاهدون مسرحية ناجحة”. فقد يدخل من باب المسرح اعداد كبيرة من المشاهدين والمتفرجين رغم ان هويته تبقى مجهولة ،  ثم بعد لحظات تراهم بنفس الهوية يغادرون أبوابه دون أن يتركوا وراءهم أثرا يذكرهم ، ولعل هذا النوع من  الجمهور لا يعرف بصفة عامة شيئاً عن المؤلفين، كل ما يعرفه  القليل من  الممثلين،  ثم يجلس ساعتين أو ثلاثاً منهمكاً في مشاهدة ما يُعرض أمامه من تمثيل ودراما، ثم لا يلبث أن ان تراه يختفي  في غياهب الليل دون رجعة .
بقلم الصحفية خضراوي مريم