من العدد 18/سيكولوجية الألوان: “الدلالات والمعاني. 


هوس الألوان : المُقَدّس والمًدنّس”   بقلم “الأستاذ: خالد طحطح” لماذا ارتدى المحتجون الفرنسيون السترات الصفراء تحديدًا؟ وأي دلالات لهذا اللون وباقي الألوان الأخرى في الثقافات والمجتمعات؟ وما دلالتها السيكولوجية؟
   إن ارتداء البزات الصفراء يعني السخط على الأوضاع. فعبر شيفرة اللون المميزة للملابس يستطيع الناس التعبير عن شعور الكراهية أو الرضا، ففي عام 1474م ارتدى الفارس النبيل “فان فورتمبورغ” وأتباعه بزات صفراء لإعلان كراهيتهم “للدوق بورغاندي”. فهذا اللون في تقاليد العصور الوسطى كان يرمز للقبح والشر المطلق وللكوارث والنكبات، إذ هو لون الغدر والشهوة والموت، وهو لون الغرباء والوثنيين أيضًا، ولهذا السبب ارتبط الأصفر بالمراتب الدنيا، بالمهرجين والغلمان والعاهرات والساحرات والمشعوذات واليهود تحديدًا، فهؤلاء فُرض عليهم وضع شارة صفراء تميزهم, ظل اللون الأصفر مرتبطًا إلى يومنا هذا بالخطر المحدق، والمثالان المعبران عن هذه الدلالة اليوم إشارات المرور الصفراء في الشوارع العامة، وبطاقة الإنذار في كرة القدم، كما لا يزال المدلول السيء مرتبطا بهذا اللون، حيث يطلق على الصحافة المبتذلة الصحافة الصفراء، وعلى الابتسامة المتصنعة الابتسامة الصفراء. 
    كانت الألوان في آداب العصور الوسطى مُثقلة بالمعاني والحمولات الدِّينية والثَّقافيَّة، وهو الأمر الذي أدَّى إلى بُزوغ تيَّارات مُعاصرة تدعو إلى ضرورة إعادة تفسير الألوان وتحليل مدلولاتها، فاللونان الأزرق والأسود اعتبرًا مقدسين في أوروبا المسيحية، واستخدما في محاربة الشيطان، ولذلك نجد هيمنة هذين اللونين على الخلفيات الجدارية واللوحات والرسوم الفنية خلال العصر الوسيط. كما كان اللباسان الأزرق والأسود مُعتمدان رسميًا من طرف القديسين خلال هذه الفترة. أما اللون البرتقالي الذي تظهر فيه مريم المجدلية في الرُّسومات فهو يرمز للمرأة الخاطئة، في حين يرمز الأصفر للشر المطلق كما سبقت الإشارة، ولذلك يظهر اليهودي المستهزئ في لوحة المسيح أمام بيلاطس البنطي وقد ارتدى ثيابا مُلوَّنة يغلب عليه الأصفر، وبقي هذا اللون المكروه مفروضًا على اليهود تمييزًا لهم وتحقيرًا، وظل حكرًا عليهم في كل اللوحات الفنية التي يتم فيها تمثيلهم. فالجلادون في لوحة جلد المسيح مثلًا يظهرون بثياب صفراء باعتبارهم وضيعي المنبت. وفي لوحة إعدام يوحنا المعمدان يظهر الجلاد أيضا وهو ببنطلون قصير مخطط بألوان صفراء، ويظهر يهودا (الخائن) وهو يتدلى من حبل المشنقة بشعره المائل للحمرة ملتحفًا رداءً أصفرًا. اكتسب هذا اللون رسميًا إيحاءاته السلبية سنة 1215م، حيث فرض المجمع الكنسي على اليهود وضع شارة صفراء، واستحسن أن تكون فوق موضع القلب، ثم خيروا بين وضع هذه الشارة وبين ارتداء قبعة صفراء تميزهم، وقد حذا البلاط الفرنسي حذو المجمع الكنسي بعد نصف قرن،  حيث أصدر  سنة 1269م مرسومًا يوجب على اليهود وضع شارة صفراء تمييزًا، وحتى لا يختلطوا بالمسيحيين، وكانت تمنح جائزة لكل من أبلغ السلطات بالمخالفين لهذا القانون، وتتمثل في ثياب المتهم وأغراضه. وقد غدا اللون الأصفر لهذه الأسباب ممقوتًا، بل أصبح من أدوات العقاب في العصور الوسطى، فحين أدين، على سبيل المثال، راهب عام 1402م بتهمة الهرطقة في مدينة لوبك وحكم عليه بالمؤبد، أجبر على تقلد صليب أصفر اللون تكفيرًا على خطيئته، فما كان منه إلا أن قام بنزعه والدوس عليه برجله، وكل من قام بجريمة عامة شنيعة مثل السرقة أو التزوير أو اختلاس الأموال كان يشهر به من خلال طلاء منزله باللون الأصفر.
  أما اللون الأحمر فكان يرمز في غالب اللوحات للشيطان، ومنه عبارة الشياطين الحمر المُستخدمة اليوم. وعمومًا كانت الألوان المُزركشة والصاخبة تثير الفزع باعتبارها ألوانًا مهلكة، ولذلك تم التشهير بها من قبل الطائفة البنيديكيتية، التي تخلو أديرتها من أي لون، ووحده اللون الرمادي من حظي بالثقة لدى زهاد الفرنسيسكان، باعتباره مختلفًا. فهو في نظرهم منزوع اللون، ولأنه يرمز -بالنسبة لهم- لقهر الشهوات والرغبات الجسدية. وقد ظل التنديد من قبل رجال الدين بالطبيعة الخادعة للألوان سائدًا إلى فترة العصور الحديثة، حيث ستتوارى تدريجيًا هذه المرجعيات.

وبتصاعد ولع الناس بالألوان ستختفي شيئًا فشيئًا المعتقدات السابقة وستبرز إلى الواجهة استخدامات الألوان الممنوعة في مجالات شتى. فالأحمر غذا اللون المفضل للشفاه، وبرز اللون الأخضر في لوحات بدايات عصر النهضة للدلالة على التقلبات المالية في عالم التجارة، كما تم تمثيل تقلبات الحظ في ألعاب القمار بهذا اللون أيضا منذ أواسط القرن 16 باعتباره لون تغير الأقدار والحظوظ، ولهذا السبب ظلت طاولات القمار خضراء اللون الى وقتنا هذا، وكذلك الأمر بالنسبة لطاولات لعبة البيلياردو، وذلك لكون المردود من اللعبتين مشكوك فيهما، فللحظ دوره الكبير.يحمل اللون الأحمر في طياته علامات الزوال ولا يمكن الوثوق فيه أو التعويل عليه، لأنه يتغير باستمرار مثله في ذلك مثل الفصول الأربعة. وإن امتزاج اللون الأخضر بالأصفر في لباس شخص واحد هو دليل على البلاهة والحمق، وبرهان على الجنون الكامل، ولذلك نجد مهرجي القصور وسائر المخبولين يرتدون ثيابًا يغلب عليها اللون الأخضر. ففي رسم يعود لسنة 1463 يبدو “القديس هيوبورت” المتخصص في علاج داء الكلب والجنون وهو يقرأ تراتيله على مخبولين يطغى على لباسهما اللون الأخضر، ومن المشهور أن الرسام الهولندي” بييت موندريان” رفض استعمال هذا اللون في لوحاته، حتى حين تعلق الأمر بسيقان الزهور وأوراق الأشجار، وكان يتجنب النظر إلى هذا اللون ولا يطيقه. كما كان لافتًا انتفاء اللون الأخضر من علامات ونقوش وأختام النبلاء الأكثر عراقة في أوروبا خلال مرحلة القرون الوسطى.حين ننتقل إلى ألوان بعض أعضاء الجسد فإن الدلالات تتغير، حيث يغدو اللون الذهبي لشعر النساء هو الأفضل، وبالنسبة للون العيون، فالأزرق كان ممقوتًا، لأنه يُذكر الأوروبيين بعيون البرابرة الغزاة، ولذلك تم الربط بينه وبين الإصابة بلوثة الجنون، أما النساء ذوات العيون الزرقاء فهن عاهرات فاسقات، في حين اعتبرت العيون الخضراء رمزًا للنذالة والشر، أما اللونان الأشقر والأسمر فحازًا المكانة الرفيعة، باعتبارهما لونان مثاليان.     ترى ما دلالات الألوان في المعتقدات الشعبية والدينية بأوروبا خلال العصر الوسيط؟ وهل الطريقة التي يتم بها إدراك الألوان ثابتة أم متغيرة في الزمن؟   تبدو حاسة الإدراك البصري في العديد من جوانبها غامضة، محيرة، ليس لقلة ما نعرفه عنها من معلومات، بل لأن الكثيرين لا يعيرون لها الانتباه الكافي، بالرغم من أنها تأتي على رأس الحواس التي حظيت بالاهتمام، ومنذ العصور القديمة استرعى موضوع الألوان المرتبط بالإدراك البصري نقاشًا حادًا، واحتد الجدل بشأن ماهية الألوان، وتم التساؤل بشأن علاقتها بجوهر الأشياء، وإن تم في الغالب اعتبارها مجرد أقنعة تطمس حقيقة الوجود بسبب قدرتها على خداع الأبصار، ولذلك كثرت الصور السلبية المرتبطة بموضوع الألوان، وفي هذا السياق تناول المؤرخ الهولندي” هِرْمَنْ بَلاَي” ظاهرة الألوان في العصور الوسطى متتبعًا امتداداتها وتغيرات إدراكها مع مرور الزمن، وذلك في كتابه الألوان في العصور الوسطى. 
   بلغ ولع الناس بالألوان خلال العصور الوسطى درجة الجنون، وإن نظر غالبيتهم إليها بارتياب وشك، فأي مُحاولة لتلوين الكلمات (الألوان البلاغية) اعتبرت عملا شيطانيا محضا، إذ الألوان -في نظرهم- لم تكن سوى أدوات شيطانية يستخدمها لإغواء البشر وتضليلهم وإبعادهم عن الحقائق الخالدة في الوجود، واعتبرت النساء أدوات رئيسية في اللعبة الشيطانية، فهن يعملن على طلاء وجوههن بالألوان الزاهية بغرض السعي الزائف نحو الجمال، ونفس الأمر بالنسبة للصباغين الذين اعتبروا مجرد مزيِّفين للواقع بسبب استخدامهم للصباغات الرديئة الملونة والبراقة لتجميل كل ما هو عتيق، واتهموا بسبب ذلك، مثلهم مثل اليهود، بالتحايل والتورط في الأعمال المحرمة من قبيل تسميم المياه والتواطؤ مع الشيطان ذاته. وتبدو الشياطين في اللوحات الجدارية والرسوم بألوان متعددة، وإن كان يغلب عليها عادة اللون الأحمر.

ومقابل هذه النظرة السلبية التي ربطت بين الألوان في العصور الوسطى وألاعيب الشيطان، انتشرت ظاهرة عبادة الألوان لدى من يعتبرونها منحة ربانية، فالكون ليس سوى نتاج للضوء الإلهي المقدس، وكل شيء يحدث على الأرض ما هو إلا جزء من الوحي الإلهي، ولذلك اعتبرت الألوان جزءا لا يتجزأ من مخلوقات الرب المبدع. وعليه فمنظور العصر الوسيط لماهية الألوان ووظائفها لم يكن واحدًا، بل تعدد حسب التوجهات الدينية.اشتهر برنارد كليرفو مؤسس المذهب البنديكتي في القرن 12م بالموقف الأكثر تشددًا اتجاه كل ما هو براق ولامع، إذ دعا إلى الزهد والفقر، وانتقد بشدة زينة الحياة الدنيا رغبة منه في نيل رضا الله في الآخرة، وقد شن في هذا الإطار هجومات لاذعة على رجال الدين المسيحيين ممن سمحوا بتزيين الكنائس والأديرة بالتماثيل واللوحات الملونة، لأنها تثير الأجساد والرغبات الحسية، واعتبر أن “الألوان تُسبِّب العمى”، وغدت هذه العبارة شعارًا لمذهبه الديني خلال القرون اللاحقة، وقد استكملت العقيدة الكالفانية البروتستانتية المهمة من خلال شن رموزها حملة لنزع الألوان من الفضاء العام، حيث إن أنصار المصلح الديني كالفان كانوا يؤمنون بأن الخلاص من الألوان هو الطريق الأنسب لتحقيق الخلود الأبدي. 
إن طريقة إدراك الناس للألوان ليست ثابتة ولا جامدة، بل تتغير التصورات بشأنها وتتطور مع مرور الوقت، فالألوان لها تاريخ وذاكرة، كما أنها كانت عرضة للتأويلات والتفسيرات المختلفة، ولا شك أن إدراك الناس لطبيعة الألوان اليوم تختلف تماما عن الطريقة التي كانت تُدرك بها بالأمس، لأن الاختلافات البدنية والنفسية والذهنية عوامل أساسية في تفسير
المنظورات للأشياء، بل إن النظرة للألوان تختلف في العصر نفسه تبعًا لتعدد الأماكن وتغير المركز الاجتماعي واختلاف الانتماء الديني والطبقي والجنسي، مما يعني أن الألوان هي ظاهرة ثقافية في جوهرها وليست فقط مسألة غريزية.  
إن الولع بالألوان في الماضي، وبالخصوص خلال العصر الوسيط، يتجلى في هوس تلوين كل شيء، حيث كان الناس يرتدون في الغالب الملابس الملونة من أجل التعبير عن انتمائهم الاجتماعي والطبقي. فالفقراء المغلوبون على أمرهم يُعرفون بأسمالهم الباهتة غير الملونة، بينما اشتهر الأغنياء بملابسهم الصارخة والبراقة. وهكذا أصبحت الثياب والألوان مرآة تعكس الأوضاع الاجتماعية فبها يمكن التمييز بين الناس على أساس العمر والجنس والطائفة.
   عبَّرت لغة الألوان تدريجيًا عما يجيش في نفوس الناس من مشاعر، فاختلفت ألوان الملابس باختلاف المناسبات، حيث نجد ملابس خاصة بالأحزان، وأخرى خاصة بالأفراح، بل إن البابا أنوسنت الثالث (ت 1216م) حدد أربعة ألوان رئيسية لأيام الأعياد الرئيسية، وهي “الأبيض لأعياد الميلاد والفصح، والأخضر لأيام الأعمال، والأسود لأيام الصوم الكبير وعيد الموتى والأحزان، والأحمر لأعياد العنصرة والصليب المقدس وأيام الشهداء”، وبذلك غدا لكل لون دلالة ومعنى، ولو أن شخصًا جهل ما يتعين عليه ارتداؤه في المناسبات المختلفة لأعتبر مجنونًا وعديم اللباقة.
شكل اللون الأزرق في نظر رجال اللاهوت المُعادين للألوان الاستثناء، باعتباره لونًا سماويًا. فهو بسبب ذلك يُعد لونًا مقدسًا، وتبعه في المرتبة اللون الأسود باعتباره لونًا شعبيًا يلائم الزهد ونكران الذات، ولذلك اعتُمد لباسًا رسميًا في الأسلاك الكهنوتية. بيد أن ظهور الطوائف الدينية الجديدة حتَّم  الانخراط في لعبة الترميز الديني للألوان، وهكذا قرر الفرنسيسكان ارتداء الثياب الرمادية المنزوعة اللون تمييزًا لهم عن الرهبان البنديكيت الذين اختاروا الأسود، بينما فضل الرهبان السيسترشان اللون الأبيض باعتباره لون الطهر والصفاء، غير أن اللونين الأسود والأزرق ظلا المفضلين في نهاية العصور الوسطى، ومنهما اتخذ الأمراء والنبلاء ألوان ملابسهم، وتُبرز لوحات العصور الوسطى المتأخرة هيمنتهما على المشهد الفني والديني. وقد ترسخ هذا التقليد مع الملك لويس التاسع، الذي تعمد بعد عودته من إحدى حملاته الصليبية ارتداء ملابس مصبوغة بالأسود والأزرق متأسيا في ذلك برجال الكنيسة الكاثوليكية.

أما الألوان البراقة فغالبًا ما تم اجتنابها لكونها ترمز للملذات الدنيوية التي يجب أن يبتعد عنها المؤمنون ممن يخشون الرب، بل إن الألوان الغامقة اعتبرت من أسباب الغضب الإلهي. فكثيرًا ما ارتبطت بالطاعون الأسود الذي ضرب أوروبا خلال النصف الثاني من القرن 14م، والذي أودى بنصف ساكنتها. تسجل الشهادات الإخبارية خلال هذا الوباء ما سمته أجواء من الإذعان للرب من خلال تخلص كل فئات المجتمع من الألوان والتحول إلى الأسود فقط، باعتباره الزي الموحد للجميع، ويقال إن الملك” فيليب الطيب” لم يرتد ثيابا بغير هذا اللون، وقد وقفت مؤخرًا على إشارة عند “المؤرخ الناصري” في الاستقصاء تتعلق بنهي السلطان المغربي سنة 1101 هـ عن لبس النعال السوداء، ونادى بذلك في سائر المغرب، وأمر بلباس الأصفر مكانه لما قيل من أن الناس اتخذوا النعال السوداء منذ استولى النصارى على العرائش على يد المأمون السعدي، واستمر سكان المغرب يلبسون الأصفر إلى أواسط القرن 19م، ثم شاع عند بعض الطبقات الغنية لبس النعال البيضاء اللون وخصوصا في الحفلات والأعياد، وهي نعال لم تكن معروفة قبل ذلك.
نستحضر في الأخير أن عودة الألوان في أوروبا ستتم سريعا وبأشكال متعددة، وستصل ذروتها خلال القرن العشرين. واليوم أصبح للألوان والملابس استعمالات وقتية وزمنية وإيقاعات خاصة. فالارتداء الجماعي للملابس الرياضية أمر إجباري في الملتقيات التنافسية، وكل فضاء  له ألوانه ومميزاته وطقوسه الواجب على الجميع احترامها والتقيد بها، لكن في خضم هذا النظام الدقيق هناك فوضى الألوان أيضا، حيث تتداخل الألوان الزاعقة والبراقة المتنافرة، والألوان الصاخبة والخليعة، والتي نجدها أينما وليا وجوهنا، وبسبب ذلك تصاعدت دعوات العودة إلى الألوان الهادئة وإلى ألوان الطبيعة. 
من مهام المؤرخين اليوم تتبع التغيرات التي طرأت على استخدام الألوان من خلال العودة إلى الماضي، ولا شك أن تفسيراتهم ستساعدنا على فهم تمثلات الناس للألوان، والأدوار التي مثلتها في السابق مقارنة مع الراهن، حيث غدت فيه الألوان البراقة جزءا من الثقافة الاستهلاكية، بل إن الخوف من زوال ألوان الملابس بسبب استخدام المنظفات يشكل وسواسًا للكثيرين.

ترى ما دلالات الألوان في المعتقدات الشعبية والدينية بأوروبا خلال العصر الوسيط؟ وهل الطريقة التي يتم بها إدراك الألوان ثابتة أم متغيرة في الزمن؟   تبدو حاسة الإدراك البصري في العديد من جوانبها غامضة، محيرة، ليس لقلة ما نعرفه عنها من معلومات، بل لأن الكثيرين لا يعيرون لها الانتباه الكافي، بالرغم من أنها تأتي على رأس الحواس التي حظيت بالاهتمام، ومنذ العصور القديمة استرعى موضوع الألوان المرتبط بالإدراك البصري نقاشًا حادًا، واحتد الجدل بشأن ماهية الألوان، وتم التساؤل بشأن علاقتها بجوهر الأشياء، وإن تم في الغالب اعتبارها مجرد أقنعة تطمس حقيقة الوجود بسبب قدرتها على خداع الأبصار، ولذلك كثرت الصور السلبية المرتبطة بموضوع الألوان، وفي هذا السياق تناول المؤرخ الهولندي” هِرْمَنْ بَلاَي” ظاهرة الألوان في العصور الوسطى متتبعًا امتداداتها وتغيرات إدراكها مع مرور الزمن، وذلك في كتابه الألوان في العصور الوسطى. 
   بلغ ولع الناس بالألوان خلال العصور الوسطى درجة الجنون، وإن نظر غالبيتهم إليها بارتياب وشك، فأي مُحاولة لتلوين الكلمات (الألوان البلاغية) اعتبرت عملا شيطانيا محضا، إذ الألوان -في نظرهم- لم تكن سوى أدوات شيطانية يستخدمها لإغواء البشر وتضليلهم وإبعادهم عن الحقائق الخالدة في الوجود، واعتبرت النساء أدوات رئيسية في اللعبة الشيطانية، فهن يعملن على طلاء وجوههن بالألوان الزاهية بغرض السعي الزائف نحو الجمال، ونفس الأمر بالنسبة للصباغين الذين اعتبروا مجرد مزيِّفين للواقع بسبب استخدامهم للصباغات الرديئة الملونة والبراقة لتجميل كل ما هو عتيق، واتهموا بسبب ذلك، مثلهم مثل اليهود، بالتحايل والتورط في الأعمال المحرمة من قبيل تسميم المياه والتواطؤ مع الشيطان ذاته. وتبدو الشياطين في اللوحات الجدارية والرسوم بألوان متعددة، وإن كان يغلب عليها عادة اللون الأحمر.
  ومقابل هذه النظرة السلبية التي ربطت بين الألوان في العصور الوسطى وألاعيب الشيطان، انتشرت ظاهرة عبادة الألوان لدى من يعتبرونها منحة ربانية، فالكون ليس سوى نتاج للضوء الإلهي المقدس، وكل شيء يحدث على الأرض ما هو إلا جزء من الوحي الإلهي، ولذلك اعتبرت الألوان جزءا لا يتجزأ من مخلوقات الرب المبدع. وعليه فمنظور العصر الوسيط لماهية الألوان ووظائفها لم يكن واحدًا، بل تعدد حسب التوجهات الدينية.اشتهر برنارد كليرفو مؤسس المذهب البنديكتي في القرن 12م بالموقف الأكثر تشددًا اتجاه كل ما هو براق ولامع، إذ دعا إلى الزهد والفقر، وانتقد بشدة زينة الحياة الدنيا رغبة منه في نيل رضا الله في الآخرة، وقد شن في هذا الإطار هجومات لاذعة على رجال الدين المسيحيين ممن سمحوا بتزيين الكنائس والأديرة بالتماثيل واللوحات الملونة، لأنها تثير الأجساد والرغبات الحسية، واعتبر أن “الألوان تُسبِّب العمى”، وغدت هذه العبارة شعارًا لمذهبه الديني خلال القرون اللاحقة، وقد استكملت العقيدة الكالفانية البروتستانتية المهمة من خلال شن رموزها حملة لنزع الألوان من الفضاء العام، حيث إن أنصار المصلح الديني كالفان كانوا يؤمنون بأن الخلاص من الألوان هو الطريق الأنسب لتحقيق الخلود الأبدي. 
إن طريقة إدراك الناس للألوان ليست ثابتة ولا جامدة، بل تتغير التصورات بشأنها وتتطور مع مرور الوقت، فالألوان لها تاريخ وذاكرة، كما أنها كانت عرضة للتأويلات والتفسيرات المختلفة، ولا شك أن إدراك الناس لطبيعة الألوان اليوم تختلف تماما عن الطريقة التي كانت تُدرك بها بالأمس، لأن الاختلافات البدنية والنفسية والذهنية عوامل أساسية في تفسير
المنظورات للأشياء، بل إن النظرة للألوان تختلف في العصر نفسه تبعًا لتعدد الأماكن وتغير المركز الاجتماعي واختلاف الانتماء الديني والطبقي والجنسي، مما يعني أن الألوان هي ظاهرة ثقافية في جوهرها وليست فقط مسألة غريزية.  
إن الولع بالألوان في الماضي، وبالخصوص خلال العصر الوسيط، يتجلى في هوس تلوين كل شيء، حيث كان الناس يرتدون في الغالب الملابس الملونة من أجل التعبير عن انتمائهم الاجتماعي والطبقي. فالفقراء المغلوبون على أمرهم يُعرفون بأسمالهم الباهتة غير الملونة، بينما اشتهر الأغنياء بملابسهم الصارخة والبراقة. وهكذا أصبحت الثياب والألوان مرآة تعكس الأوضاع الاجتماعية فبها يمكن التمييز بين الناس على أساس العمر والجنس والطائفة.
   عبَّرت لغة الألوان تدريجيًا عما يجيش في نفوس الناس من مشاعر، فاختلفت ألوان الملابس باختلاف المناسبات، حيث نجد ملابس خاصة بالأحزان، وأخرى خاصة بالأفراح، بل إن البابا أنوسنت الثالث (ت 1216م) حدد أربعة ألوان رئيسية لأيام الأعياد الرئيسية، وهي “الأبيض لأعياد الميلاد والفصح، والأخضر لأيام الأعمال، والأسود لأيام الصوم الكبير وعيد الموتى والأحزان، والأحمر لأعياد العنصرة والصليب المقدس وأيام الشهداء”، وبذلك غدا لكل لون دلالة ومعنى، ولو أن شخصًا جهل ما يتعين عليه ارتداؤه في المناسبات المختلفة لأعتبر مجنونًا وعديم اللباقة.

شكل اللون الأزرق في نظر رجال اللاهوت المُعادين للألوان الاستثناء، باعتباره لونًا سماويًا. فهو بسبب ذلك يُعد لونًا مقدسًا، وتبعه في المرتبة اللون الأسود باعتباره لونًا شعبيًا يلائم الزهد ونكران الذات، ولذلك اعتُمد لباسًا رسميًا في الأسلاك الكهنوتية. بيد أن ظهور الطوائف الدينية الجديدة حتَّم  الانخراط في لعبة الترميز الديني للألوان، وهكذا قرر الفرنسيسكان ارتداء الثياب الرمادية المنزوعة اللون تمييزًا لهم عن الرهبان البنديكيت الذين اختاروا الأسود، بينما فضل الرهبان السيسترشان اللون الأبيض باعتباره لون الطهر والصفاء، غير أن اللونين الأسود والأزرق ظلا المفضلين في نهاية العصور الوسطى، ومنهما اتخذ الأمراء والنبلاء ألوان ملابسهم، وتُبرز لوحات العصور الوسطى المتأخرة هيمنتهما على المشهد الفني والديني. وقد ترسخ هذا التقليد مع الملك لويس التاسع، الذي تعمد بعد عودته من إحدى حملاته الصليبية ارتداء ملابس مصبوغة بالأسود والأزرق متأسيا في ذلك برجال الكنيسة الكاثوليكية.
   أما الألوان البراقة فغالبًا ما تم اجتنابها لكونها ترمز للملذات الدنيوية التي يجب أن يبتعد عنها المؤمنون ممن يخشون الرب، بل إن الألوان الغامقة اعتبرت من أسباب الغضب الإلهي. فكثيرًا ما ارتبطت بالطاعون الأسود الذي ضرب أوروبا خلال النصف الثاني من القرن 14م، والذي أودى بنصف ساكنتها. تسجل الشهادات الإخبارية خلال هذا الوباء ما سمته أجواء من الإذعان للرب من خلال تخلص كل فئات المجتمع من الألوان والتحول إلى الأسود فقط، باعتباره الزي الموحد للجميع، ويقال إن الملك” فيليب الطيب” لم يرتد ثيابا بغير هذا اللون، وقد وقفت مؤخرًا على إشارة عند “المؤرخ الناصري” في الاستقصاء تتعلق بنهي السلطان المغربي سنة 1101 هـ عن لبس النعال السوداء، ونادى بذلك في سائر المغرب، وأمر بلباس الأصفر مكانه لما قيل من أن الناس اتخذوا النعال السوداء منذ استولى النصارى على العرائش على يد المأمون السعدي، واستمر سكان المغرب يلبسون الأصفر إلى أواسط القرن 19م، ثم شاع عند بعض الطبقات الغنية لبس النعال البيضاء اللون وخصوصا في الحفلات والأعياد، وهي نعال لم تكن معروفة قبل ذلك.
نستحضر في الأخير أن عودة الألوان في أوروبا ستتم سريعا وبأشكال متعددة، وستصل ذروتها خلال القرن العشرين. واليوم أصبح للألوان والملابس استعمالات وقتية وزمنية وإيقاعات خاصة. فالارتداء الجماعي للملابس الرياضية أمر إجباري في الملتقيات التنافسية، وكل فضاء  له ألوانه ومميزاته وطقوسه الواجب على الجميع احترامها والتقيد بها، لكن في خضم هذا النظام الدقيق هناك فوضى الألوان أيضا، حيث تتداخل الألوان الزاعقة والبراقة المتنافرة، والألوان الصاخبة والخليعة، والتي نجدها أينما وليا وجوهنا، وبسبب ذلك تصاعدت دعوات العودة إلى الألوان الهادئة وإلى ألوان الطبيعة. 
من مهام المؤرخين اليوم تتبع التغيرات التي طرأت على استخدام الألوان من خلال العودة إلى الماضي، ولا شك أن تفسيراتهم ستساعدنا على فهم تمثلات الناس للألوان، والأدوار التي مثلتها في السابق مقارنة مع الراهن، حيث غدت فيه الألوان البراقة جزءا من الثقافة الاستهلاكية، بل إن الخوف من زوال ألوان الملابس بسبب استخدام المنظفات يشكل وسواسًا للكثيرين.قبل مدة يسيرة، كنا جميعًا نرزخ تحت رحمة اللونين “الأبيض والأسود” كما يبدو ذلك في الصور الفوتوغرافية وفي الأفلام وفي برامج التلفزيون قبل أن تتفجر الألوان البراقة في المجال السينمائي. كل شيء تغير بسبب التطور التكنولوجي والعلمي الذي فرض سطوة الألوان ووهجها، إذ غزت الألوان الصناعية حياتنا المعاصرة، وأثرت في أذواق الناس بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ. وبالرغم من أن طفرة الألوان حملت الكثير من المستجدات، إلا أن اللونين “الأبيض والأسود” لا يزالان إلى اليوم مصدر إلهام في عالم الموضة والأزياء، فمكانتهما مرموقة ومعتبرة، ولذلك فإننا اليوم لسنا سوى ورثة للماضي وللأزمنة السالفة بما في ذلك ألوان العصور الوسطى. فهذه الفترة من الزمن هي التي ساهمت في اختراع الألوان الحديثة.

بقلم الأستاذ خليد طحطح