حجر اسمنتي. قصة قصيرة
بقلم الكاتبة نجلاء احمد حسن

سؤال كل صباح بعد أن تصطدم عيني بتفاصيل سقف غرفتي قبل خروجي للعمل ، هل لحركتي قيمة وهل ستصبح خطواتي قدرة على التعبير عن أحلامي.
أتحرك نحو مطبخي لأعد مشروب الصباح متكأة على أثاث غرفتي للوصول إلى كوبي الدافيء لأتلقى جرعة العناق الصباحي لمواجهة العالم خلف الباب.
بعد أن إنهارت قواي بالأمس بعد إنتهاء دوامي ، في تحريك حجر أسمنتي كبير بجوار مرأب سيارتي المعتاد القديم أمام العمارة، وضعه أحد أصحاب محلات مجموعة من اللاجئين التي أفتتحت حديثا لبيع منتجات تحمل ثقافتهم المحمولة، تحدثت معهم منذ أسبوعين بعد أن أشتريت بعضا من معروضاتهم بضرورة إماطة الاذى عن الطريق ،فلم يردوا وأكتفوا بنظرة تعجب.
حركت الحجر بكل قواي ولكنه يمتلك شكلا كروياغير منتظم من جهة،وزوايا مكعبة حادة في الجهة الأخرى وبقايا زلط في نسيج الصخرة القديم
حاولت تحركيه بيدي مرة، ثم بقدم واحدة ثم بالأثنين معا ، أصبحت معركتنا في البقاء تحديا جديدا بين إرداته بمنعي من ترك سيارتي مكانها المعتاد منذ حقبة من الزمن ، وبين أرادتي أن أزيحه وهو وفكرته معا ، ولكي يثبت لي جسدي أني مازلت قادرة على التغيير متشبثا ببعض قواه القديمة . الشارع يتحرك بجواري،المارة بلا أي ردة فعل وكأن على رؤوسهم الطير . شاب وقف في الجهة المقابلة لمشاهدة المعركة بيننا،ومجموعة رجال بصحة جيدة يمتلكون العضلات المفتولة ينتظرون تلك الخمسينية الضعيفة تحرك حجرا بنصف وزنها يراقبون في الجهة المقابلة من الرصيف ينتظرون نهاية القصة،ولم أعلم أن مجتمعنا تغير وأصبحت القدرة الجسدية في تلك اللحظة هي المسيطرة على المعركة .
قمت بتحريك سيارتي نصف متر حتى تساعدني في تحريك الحجر إتكأت بظهري عليها ورفست الحجر بكل قوتي أكثر من مرة،فكان الشكل الكروي يعاندني بالحركة الى الأمام نحوي من جديد ويتركز الى منتصف المحور الغير منتظم ويرجع مكانه مرة أخرى
مر شاب تظهر ملابسه أنه مفتول العضلات من مرتادي صالات الألعاب الرياضية(الجيم) بجواري ممسكا بسيجارة من النوع المستورد سحب نفسا مصحوبا بإبتسامة جانبية ونظر الي نظرة متفحصة وأخرى نحو الحجر العنيد الأسمنتي وزفر دخان سيجارته بجواري مبتسما إبتسامة أكثر سعة ، وغادر ومرت سيدة سمراء يغمرها عرق شمس مايو ،تصحب ثلاثة أطفال في عمر المدرسة الابتدائية يحملون حقائب مدرسية بوزنهم ،ووقفت تنظر بأعجاب وعين مندهشة وتركت المشهد بإعطائها لأحدهم علبة عصير و سندوتشا يسد جوعه وقفت تتأمل، وإعادة ظبط غطاء راسها المبلل حول رقبتها النحيلة . مر رجل خمسيني بلحية بيضاء خفيفة مرتديا جلبابا قصيرا يحمل كيسان من البرتقال والخبز وسبحة بنية متدلية من رسغه . نظر إلى مظهري فقد كنت أحجم شعري المشرب بالفضة والذهب بتوكة ملونه خلف رقبتي ويتهادى منها عقد بسيط فوق ملابسي القطنية التي اظهرت عروقا نفرت متضامنة مع قدماي المقاومة لعناد الصخرة الأسمنتية ،تعجب وهز رأسه ورفع حاجبه ولم ينظر إلا لتلك العروق النافرة من رقبتي وأبتعد متمتما بكلمات غاضبة واستغفار وزفرات لم أفهمها.
وجدت نفسي أقاوم افكارا في صورة تلك الصخرة وأشتد العراك أصبح حماسيا بيننا . وكأني أقاوم فكر جيل بأكمله أصبح خالي الوفاض
توقفت لالتقاط أنفاسي ولكي يهدأ عصب قدمي المنهك من أثر إصابته بانزلاق بغضروف قديم، أخذت هدنة ومسحت عرقي لبرهة ووقفت أتأمل الموقف من قريب ومن بعيد . ورأيت عيونا شامته أثارت في حفيظتي روح المقاومة لتلك الأفكار الأسمنتية
سندت ظهري الضعيف على سيارتي الأصيلة صوبت كلتا قدمي نحوها هرول نحوي أحد كلاب الشارع التي أعتادت أن تلقي علي تحية الصباح، أبتسمت له عجبا ، فأطلق عواء نحو المشهد ثم وقف جواري بمحاذاة السيارة ثم تحرك يحاول بقوائمه الأمامية الدفع معي تحركت الصخرة بشكل درامي مدهش وأبتعدت ككرة هواء خفيفة نحو ذلك الشاب المقتول العضلات في الجهة المقابلة للرصيف المتهالك ونحو إحدى الشجيرات العطشانة والتي تخلت عنها أوراقها وأصبحت ساقا يابسة مغروزة عنوة وغربة في أصيص مهمل من الطين المتشقق، التي لم تطلب ماء ولكنها تموت شامخة
وقفت أتأمل الحجر الأسمنتي العنيد بعد أن خارت قواه وبدأ في معركته الجديدة مع أفكاره الراسخة تحرك الحجر ومازالت العيون تراقبه يوما بعد يوم بعد أن أستقر مرة أخرى في مكان سيارتي من جديد
