الأدب بين الواقع والمواقع .. بعيدا عن ضجة “هوارية” !!
إتسمت العلاقة الأزلية الأدب بالواقع بوسم من الجدل الدائم ، حيث ظلت أحاديث النقاد وأهل النقد مُنصبة حول خطابات الشرعية للواقع على حساب الأدب والعكس، واليوم وفي ظل ثورة تكنلوجيات الإعلام والإتصال الحديثة، ومنابر ما يُعرف بالإعلام الجديد تعمق الجدل وإزداد وصارت الإشكالية أعمق من أي وقت مضى.
روعة الأدب تتجلى في كونه يعكس تطلعات وطموحات المبدع، والآن وفي ظل العصرنة  أصبح لالأديب اليوم جمهوره الخاص ، سواء في مجتمعه الحقيقي أو في العالم الإفتراضي ، مايجعل النص مفتوح على مصراعيه مع ميزة العالمية ، إذ يسافر النص عبر مواقع التواصل ليجوب عوالم مختلفة ، ويقرأه الناس من مختلف أرجاء المعمورة ، كل ووجهة نظره حول أفكار الأديب وتوجهاته الإيديولوجية ، والكل يعبر حسب ثقافته ولغته ومفهومه الخاص ونظرته للأدب، هذا مايمنحه بعدا جديدا يواكب فيه التطور الحاصل في الوسط الأدبي والفني.
وفي سياق هذا الحديث يبقى الأدب في حالة من التجاذب بين الأصالة والمعاصرة ، والتأثير والتأثر ، ماجعله مرآة عاكسة لمختلف الظواهر السياقية مما يؤثر على جودته ومضمونه ، فما ينتجه الأدب من وقائع وأحداث في المجتمع تتصدرها المواقع ، بمنشورات وأفكار وتحليلات كل حسب مستوى فهمه للموضوع ، فيصبح بين ليلة وضحاها حديث الساعة في المواقع وهذا مايصطلح عليه ب:”الضجة الإلكترونية”، التي تسيل لعاب الكثير من رواد هذا الفضاء من مختلف الميادين ومختلف أطياف المجتمع ، خاصة في ظل الأحداث الراهنة التي أسالت الكثير من الحبر، أي قضية رواية “هوارية” …
كان لأدب المواقع فضل في إزاحة الستار وإماطة اللثام عن الأفكار الهادمة ،والنوايا المبيتة تجاه مجتمع بأكمله ، ويمكن القول أن لها دورا في تعرية رؤوس أشباه الأدباء المدعين لنخباوية معينة ، والمحسوبين على الطبقة المثقفة.
بلزاك يقول:«أن مهمة الأدب والفن ليس أن يقدم نسخة طبق الأصل عن الواقع ، بل التعبير عنه بشكل يفكك أسراره وألغازه.»، ومنه الأدب يرتبط بالواقع إرتباطا وثيقا والمواقع مرآة للواقع ، و عليه الأدب هو الذي من شأنه تغيير الواقع وتقديمه للمواقع ، بغير شوائب تعيق نظر القارئ والمترقب لزلات المجتمعات ، وهذا عائد إلى البيئة وطبيعة التكوين اللغوي والتوجه الإيديولوجي للأديب.
ومنه علاقة الأدب بين الواقع والمواقع علاقة تكاملية ، فقد ساهمت المواقع في نقل الأدب نقلة نوعية ، فأعطته بعدا جديدا وحفزت على الإطلاع و القراءة ، وبالتالي وضعت العديد من الأعمال المدمرة للمجتمعات في دائرة الإتهام ، وآلت بأشباه الكتاب إلى مزبلة التاريخ مطأطئي الرأس ، فالتاريخ لا يرحم.
ومنه تصبح التكنولوجيا خادمة للأدب وللواقع و الإنسانية في شقها الإيجابي.
بقلم الكاتبة سميحة مرزوقي