شريعة حمورابي ملك بابل

حمورابي هو الملك السادس في الحضارة البابلية التي حكمت منطقة وسط ما بين النهرين في الفترة ما بين 1894 – 1595 قبل الميلاد والتي امتدت فترة حكمه من العام 1792 وحتى 1750 قبل الميلاد، فقد  تمكن من تحويل بابل من مملكة إلى إمبراطورية عبر العديد من الإنجازات، ولكن في الواقع إن سبب شهرته وتخليد اسمه في التاريخ يعود إلى القوانين التي سنها، والتي كانت من أوائل القوانين شبه شاملة في تاريخ البشر وقد أطلق عليها شريعة حمورابينسب .


ولادته:
وُلِد حمورابي عام 1810 قبل الميلاد في بابل، ويعود أصلاً حمورابي إلى منطقة غرب بلاد الشام، ويدل على ذلك اسمه المتكون من شقين “حمو”  يعني العائلة هو لفظ من اللغة العمورية أو الأمورية في منطقة بلاد الشام، أما الشق الثاني “رابي” فيعني العظيم وهي من اللغة الأكادية لمنطقة ما بين النهرين، وتجدر الإشارة إلى أن القبيلة التي ينتمي لها حمورابي هي من القبائل الشبه بدوية.
حكمه و شريعته:
تولى الحكم سنة 1792 قبل الميلاد، اشتهر حمورابي بإصداره مسلته المشهورة، المنحوتة من حجر الديوريت الأسود.
  دوّن حمورابي قوانين مملكته على مسلة سوداء من حجر الديوريت، وكانت المسلة بطول مترين وخمسة وعشرين سنتيمتراً وبقطر ستين سنتيمتراً ووزنها يعادل أربعة أطنان، ويعتلي المسلّة نقش لحمورابي، وهو يستلم صولجان الحكم من إله الشمس، وضمت المسلة مئتين واثنين وثمانين قانوناً كتبت باللغة الأكادية، وسنت القوانين تشريعات عديدة تم تصنيفها إلى اثني عشر قسماً، ويحتوي القسم الواحد على مجموعة من المواد القانونية:
القسم الأول: يحتوي على المواد من 1-5، وتتعلق بالقضاء والشهود.
القسم الثاني: يحتوي على المواد من 6-26، وتتعلق بالسرقة والنهب.
القسم الثالث: يحتوي على المواد من 26-41، وتتعلق بشؤون الجيش.
القسم الرابع: يحتوي على المواد من 42-100، وتتعلق بشؤون الحقول والبساتين والبيوت.
القسم الخامس: يحتوي على المواد من 100-107، وتتعلق بمخازن البيع بالجملة ودكاكين التجار والرهينة والتعامل مع صغار التجار.
القسم السادس: يحتوي على المواد من 108-111، وتتعلق بساقية الخمر.
القسم السابع: يحتوي على المواد من 112-126، وتتعلق بالبيع.
القسم الثامن: يحتوي على المواد من 127-195، وتتعلق بشؤون العائلة وحقوقها وعائلات أفرادها فيما بينهم.
القسم التاسع: يحتوي على المواد من 196-227، وتتعلق بعقوبات التعويض وغرامات نقض الإتفاقيات والعقود والتعهدات.
القسم العاشر: يحتوي على المواد من 228-240، وتتعلق بالأسعار وتعيين أجور بناء البيوت والقوارب وأثمانها.
القسم الحادي عشر: يحتوي على المواد من 241-277، وتتعلق بأجور الحيوانات والأشخاص.
القسم الثاني عشر: يحتوي على المواد من 278-282، وتتعلق بتعيين حدود الرقيق وحقوقهم وواجباتهم.
وكان المبدأ الأساسي في تطبيق قوانين حمورابي هو “العين بالعين والسن بالسن”، أي تطبيق العدل والمساواة بالطريقة نفسها بين جميع الناس، وجعل حمورابي النهر الإلهي وسيلة لإثبات براءة المتهم أو تثبيت الجناية عليه حيث ينزل المتهم في النهر فإما أن يغرق وبهذا يكون جانياً أو ينجو ويكون بذلك بريئاً.
على الرغم من أن هذه القوانين كانت صارمة إلا أنها أثرت في تحديد شكل الحياة البابلية عهد حمورابي وأثرت في كافة أنحاء العالم القديم لما يزيد عن ألف سنة.
فهناك بعض القوانين التي وضعها حمورابي قد تبدو غير عادلة من منظورنا الحالي مثل:
العقوبات الجسدية: قوانين حمورابي كانت تشدد على العقوبات الجسدية، مثل قطع اليد للسارق فهذه العقوبات قد تبدو قاسية بالنسبة لنا اليوم.
التفرقة بين الطبقات الاجتماعية: قد تكون بعض القوانين قد أظهرت تفضيلًا للطبقات الأعلى في المجتمع، مما يعكس الظروف الاجتماعية والاقتصادية في ذلك الزمن.
التمييز بين الجنسين: قد تكون بعض القوانين قد أظهرت تفضيلًا للرجال على حساب النساء، مثل قوانين الزواج والطلاق.
مع ذلك، يجب أن نأخذ في الاعتبار أن السياق التاريخي والثقافي عند تقييم هذه القوانين. قد تكون كانت تلك القوانين ملائمة للمجتمع البابلي في ذلك الوقت ولكنها تبدو غير عادلة من منظورنا الحالي.
فمن الصعب الحكم على عدالة قوانين حمورابي بشكل مطلق، لأنها تعكس السياق الزمني والثقافي للعصر البابلي القديم. على الرغم من أن بعض هذه القوانين قد تبدو صارمة بالنسبة لنا اليوم، إلا أنها كانت تعكس القيم والتصورات الاجتماعية في ذلك الزمن.
من ناحية أخرى، يمكن القول أن قوانين حمورابي كانت تحاول تحقيق التوازن بين حقوق الأفراد والمجتمع. فقد نصت على عقوبات محددة للجرائم وكانت تهدف إلى تحقيق العدالة والحفاظ على النظام. ومع ذلك قد تكون هذه العقوبات قاسية بالنسبة لبعض الأفراد.
بشكل عام، يعتبر تطور القوانين عبر التاريخ جزءًا من تطور المجتمعات والثقافات. قد تكون القوانين الحالية أكثر تطورًا وعدالةً من تلك القوانين القديمة، لكنها تستند إلى تجارب سابقة وتطورات اجتماعية وثقافية.
أهم إنجازاته :
سيطر الأموريون أيان حكم حمورابي على دويلات عديدة بغية التوسّع، في حين كانت دولة حمورابي تتألف من أربع ولايات صغيرة وهي “بابل ، كيش ، سيبار ، بورسيبا” لذلك سعى حمورابي إلى توسيع حكمه وضم الدويلات المحيطة ببابل في مختلف الاتجاهات، وهذا ما نجح فيه بعد عدة حروب، والذي أسفر عنه تحول مملكة بابل إلى إمبراطورية كبيرة.في عام 1765 قبل الميلاد، نشب نزاع بين دولة عيلام ودولة لارسا وهي دول قريبة من بابل التي يحكمها حمورابي، ويذكر أن دولة عيلام كانت قد غزت مناطق كثيرة واحتلتها وأمرت سكانها بدفع الجزية ولضمان توسع دولته وعدم تفككها، أنشأ حمورابي تحالف مع دولة لارسا لغزو دولة عيلام، حيث يضمن التحالف للطرفين أمن البلاد وخلال الحرب لم تقم دولة لارسا ببذل المجهود الكافي مع حمورابي، ولم تقم أيضًا بالمساعدة في التجهيزات الحربية ومن هنا ألغى حمورابي التحالف مع دولة لارسا وغزاها وضمّها تحت حكمه.
توسع حمورابي إلى مناطق الشرق وضم إلى مملكته كل من نيبور ولاغواش،ثم سار شمالاً وغزت جيوشه مملكة أشنونة ومملكة ماري، واللتين أصبحتا ضمن سيطرته ثم اتجه إلى آشور التي كان يحكمها آنذاك إشمي داغان الأول وفرض سيطرته عليها بعد حروب دامت مدة طويلة، ومع حلول عام 1755 قبل الميلاد كان حمورابي قد توسع بالفعل حيث سيطرت مملكته على أغلب بلاد ما بين النهرين.
وفاته:
توفي في عام 1750 قبل الميلاد وهو ذات التاريخ الذي انتهى فيه حكمه، يعود سبب وفاته إلى المعاناة من الأمراض بسبب الشيخوخة في عمر 55 عاماً إذ تولى ابنه سامسو إيلونا جزء كبير من الحكم في العام 1755 قبل الميلاد مع بداية مرضه، وقبل وفاته بعام واحد تقلد ابنه الحكم بالكامل ولكن بشكل غير رسمي إلى أن مات حمورابي لأسباب طبيعية.
بقلم الصحفي قردي شرف الدين