-حدائق الكتابة : الناقد د . لحسن عــزوز
-إيقاع الجسد و عراء اللغة في رواية ( الحزن دساس )
-وردة مداس. ( بسكرة ، الجزائر).

♦️النص الأول ..
” أدركت ما كنت أعرفه من قبل : ما يمكن أن تتخيله دائما ، موجود في نطاق آخر ، في زمن آخر ، شفاف و بعيد كما يحدث في حلم “
ريكاردو بيجيليا
1 – الحزن دساس ( حديث المرء مع نفسه ) :
يتكشف النص منذ تلقي عتبة العنوان ( الحزن دساس ) و يتفتح بإهداء ينبئ عن تعاريج و تحاريب متاهات الحياة المتراكمة المتراكبة ، ليس ابتذالا للموت و لا تغافلا عنه ، بل احتفاء بضفة أخرى لا مرئية خفية ماكرة خادعة و قصيرة أيضا مع تنبيه تصديري مصاحب للنص ( هذه الرواية من نسج الخيال و الخيال فقط ، و أي تطابق بين شخصياتها أو أحداثها و بين شخصيات او أحداث الواقع فهو من غرائب الصدف ) ، كل ذلك من أسباب اللهفة و التماجن و الانخلاع الولادي السردي ، و كل ذلك أيضا من عدم يقين استتباب حزن الكلمات على مسافات الجسد و تنويعاته الرغبوية الدائرية بطابع ترسلي قوامه ذات سردية ، ممدود منذ الاستهلال الأول للمشهد الأول ( اعتادت أن تختلي بنفسها .. ص 07 ) ، الروائية مسكونة بالذاكرة في دهاليز الكتابة ، في غاباتها و بحارها و سراديبها ، و لئن كان توقها إلى إعجاز مستفز في تحميل غرفة المشهد الأول فوق طاقته ، بإزهاق روح كل الشخصيات ، دون الاشارة إليها في إيحائية تصويرية محرضة على الزمان و المكان ( ميناء العاصمة ، نهر السين ، بسكرة ، كنيسة القديس أوغسطين ) إذ (وراء الابواب المفتوحة و الليل الدهيم ) أضداد توغل في ظلماتها و تشع انوارها ، إن الذاكرة تتقد محمومة محتبلة بوجع دساس كله شاف من كل الأدواء و يمتلك شجاعة من يقوى على إزهاق روحه في هوية تابع subaltern identity ) ) ، كمفهوم يشير إلى حزن متشكل تاريخيا في اللاوعي الثقافي الجمعي ( تحدت الزمن و أحيت كل التفاصيل ، طارت بها الذاكرة .. ص 07 ) .
و لعل العلامة المتضادة التي ينهض عليها العنوان ( الحزن دساس ) و عتبة الاهداء
( إلى أمي روبة و كبرياءها ، إلى زينو أخ الروح ، إلى سمية صديقة الحياة ، إلى كل المحبين و المبغضين في كل المعمورة ) و المصاحب التنبيهي ( هذه الرواية من نسج الخيال الخيال فقط ، و أي تطابق بين شخصياتها أو أحداثها و بين شخصيات أو أحداث الواقع ، فهو من غرائب الصدف ) و الإستهلال في المشهد الأول ( اعتادت أن تختلي بنفسها لعلها تراه قادما ، فقد يباغتها كلص في ليلة شتاء مظلمة ) ، بما ينطوي على كل هذا من شحذ شواظ أنفاس الشخصية الرئيسية ( سارة / اعتادت ) كفعل نسوي سرابي فراري ، يذهب بنا إلى أحزان تتفارح و تتآسى و تتكاءب و تتطارح في الاغتراب و النفي تلتمس أحلام ( فرجينيا وولف ) و كوابيسها من الماء و النار ( إنها تتلذذ في إغراق نفسها بثناياه ..).
2/ أفخاخ الهامش و تهافت الشخصيات :
يرى ( بول ريكور ) أن تكوين الهوية السردية لشخص مفرد أو لجماعة تاريخية ، كان المنشود هو الانصهار بين السرد و التخييل و الحدوس ، و رواية ( الحزن دساس ) جاءت في المشاهد اللاحقة مزدحمة مكتظة بالشخصيات ( سارة ، العمة نورة ، وحيد ، رضوان ، الأب بلقاسم ، الأم زهور ، الزوجة مريم ، سلسبيل ، ابراهيم ، أوراس ، رابح عطية ، حشاني ، محمد المغرابي ..) و مكتظة على امتداد النص يتخلل نسيج التماهي الجمعي النمطي ( سارة – أوراس / وحيد – العمة نور ) ، و ينشد الطابوات و الطوطمات البدئية في مشاهد ممغنطة صادمة ( توحشتك و يمضي بها إلى قاع وحشتها ليتناسل وجعها أضعافا مضاعفة ص 09 / الهزات ، الرعشات ، تعالت أصوات نحيبيهما / منذ أن أدركت و تأكدت سارة أن الذي تعرض لها فرجها و مؤخرتها بيد أبيها طوال طفولتها هو تحرش و ليس تعبيرا عن المحبة و أن الحركة النابضة التي كانت تحدث داخل سرواله كان انتصابا لقضيبه ، عندما يتحسس فلقتيها و يحك فرجه بين نهديها غير البارزين .. ص 27 ) ، و ليس عودا على بدء ، الكتابة عن ( سارة ) فهي لا تجيء متماطرة بل إنها تحتبس خارج النص و خارج الحكاية ، منذ البداية في صورة هندسية غائبة عن عودة الروح و اشتهاء الأنثى و همزها بالنار و طقوسية الملائكة و الشياطين في أمكنة سحيقة و أزمنة تتذاهب في الجنون و لا تعقل فيها كمن يمسه طائف أو يتخبطه الشيطان أو تتخطفه الملائكة من ( زحام الذكريات ) في ( الثلث الأخير من الليل ) ، و تمارس ( العمة نورة ) ، نكء الجرح في لغة محكيةمحلية :
ــ يا وخيذتي على بنتي ..واش صرالك ؟ .ص 11 .
كنظام هامشي إشاري محكي خارج النسق و فخ تواصلي لكنه تفكيكي استلابي ، يسابق ظلال ( المتن ) هي لحظة المكاشفة و الوجع الذاتي ( التاريخ الذاتي ) و ما يكتنزه من عذابات ( سارة / نورة / أوراس ) و صراعات الإنسان من حولهم في إحساسهم بالوجع الكوني ، و تنفجر الشخصيات بظهور مفاجئ ل ( وحيد / الطبيب رضوان ) على إيقاع سقوط قلب سارة في موج متلاطم كالجبال لا تعتريه صرخات الحب و جحيمه .
3/ اللغة ( يا امراة تربى في صدرها ــ خفية ــ محمية عصافير ) :
لا يستسلم السرد الروائي إذا لم يحقق في ملكوت اللغة و جمهراتها في بواطنها و ظواهرها و اشتقاقاتها و كيمياوياتها و كأن عليه التفلت من قيود الحكي و انحباساته و اشتراطاته النثرية و زحمة المعاني و الأنشاء ، للذهاب إلى لحظة المكاشفة الشعرية في تغاير و تجاوز و تجريب لا نهائي ، و أسر للوجود القاسي عبر الحكاية التي تدرك نفسها ، و الروائية ( وردة مداس ) لامعة حرة في نصها ( الحزن دساس ) تتعاصف و تتقاصف و تتماطر في مجرات المشاهد المتتالية و بتهاطلها شعرا حكائيا ، يؤسس لممالك الحلم و الرغبة و تقريع الذات و تفسخ الغائب في نكش و ركش و بعثر لتقاليد الكتابة :
ــ كم هو رائع هذا الليل اللطيف الذي يرسم الحب على وجه العمة ..ص 19 .
ـــ الساعة تشير إلى الشوق فجرا ..ص 20 .
ــ للحظة لم يعد الحب يزرع جمر الفرح بمسامات المحبين بل مسامير من صدأ ..ص 25 .
ـــ من جديد تغرق في لجة الخوف تأخذها عواصفه إلى مواطن الألم ..ص 29 .
ـــ جسدها المتصلب كالثور الذهبي الذي صنعه قوم موسى ليعبدوه ..ص 32 .
ـــ انكمشت سارة كقطة أصقعها برد الصحراء ..ص 47 .
ـــ أخيرا استرجعت الشمس أنفاسها و حملت السماء بسحابة مطر ..ص 74 .
ـــ التفت إلى وجهها و غرق في لجة ثناياه المعتقة بالحزن و الفرح و خطوط اخرى لا يفهمها ..ص 102 .
ــ لقد التقطت ذاكرته مشاهد اخرى في كل مساء حين يسقط الليل المسكون بالترقب ..ص 111 .
تتجه تجربة الروائية ( وردة مداس ) إلى النضج منذ بداية الرواية ، لتتحول إلى مشروع شاعري يبلغ مساحة الرؤيا و يتكشف عن خصائص أسلوبية رمزية و تجريدية في أعرافها المنجزة الواقعية ، لكنها تشتغل من الداخل على قرع أجراس اللحظات القادمة كي تطيل رنينها و تقدمها في ديمومة شبقية مشحونة بروح خلاقة و مفارقة الذكورة و الأنوثة بخلق جواءات تعطر بروح الحب بعطور الموت السرية الفاغمة الرذاذة :
ـــ آه يا كلبة يا عريانة ؟؟ . .. ص 107 .
ـــ ثم دفع جسدها على الأريكة بقوة ، و هي شبه عارية و أحكم قبضته على جسدها بثقل جسده ليمنعها من القيام و تحسس ثدييها بكلتا يديه يعتصرهما بعنف ليفتك بشرفها المشكوك فيه لديه بدون وعي مخلفا نزيف ترك بقعا ظاهرة على معطفه الذي افترشه القدر فوق الأريكة ..ص 107 .
4 / الفرح مقتحما نهايات النص و تصدعات المكان :
يتفق النقاد على اعتبار النص الأدبي جسدا لغويا و بناء جماليا ، يشع بكثير من الدلالات الافتتاحية و الهامشية ، تضيء متن النص و تكشف مدلهماته و غوامضه و أزمنته و ألغازه و طلاسمه و تعاويذه و كهوفه الداخلية تترع و تفيض مما فيها عبر الابحار في حواشي الأمكنة المصطخبة المصطرخة الضاجة ، التي تحوم في فضاءاته ، أسراب نوارس بيضاء تحلق و تحوم ، تنفض تعلو و تغيب ، إنها الأمكنة تتخطف الشخصيات المتناثرة في الرواية ( بسكرة ، طولقة ، الجزائر العاصمة ، القاهرة ، دمشق ، القصبة ، باريس / ص 52 – 53 – 54 – 58 – 60 – 72 ) ) ، و نحن لا ننتظر شفاعة اختفاء ( سارة ) في المشاهد اللاحقة ، طالما هي في مهب النكران و الحزن و التمرد و التحول الجنسي ، على الوجود بما هو موجود و ظهور ( أوراس ) و ( وحيد ) و ( سلسبيل ) و (العمة نورة ) و الاحتمال المجهول ( الحارس محمد المغرابي ) ، و سندرك توزع الحزن و الفرح و التباسهما في حطام المكان و تفتته و نفيه و سينهمر الليل ، ليل الكتابة في مشاهد تضادية قامعة مقموعة لأحلام رخامية :
ــ و الذي لم يكن ير به سوى نهديها اللذين ظل يعبث بهما مع شيطانه .. ص 63 .
ـــ إنه يغار عليها حتى من الذباب الذي حام حول فرجها المنتشي ..ص 65 .
ــ هذه الرصاصة الأولى انتقاما لأمي ( زهور) ، الثانية انتقاما لأختي ( سارة ) و الثالثة انتقاما لأخي (أوراس) و الرابعة انتقاما لي أنا ( وحيد ) .
تنهمر النهايات كمهوار من اتربة وحصى و صخور و أعشاب و أشجار و أجساد تتعالى حبا و حزنا و موتا و تفيض اعترافا و جوى و هي تتلاغى ببوحها و اعترافها و أحلامها العاشقة بينما تتداخل الكلمات في غسق الفرح و الآنكار البعيد و ما على الروائية في شغفها و روائها و ارتوائها الظامئ سوى انتظار ( فرح دساس ) .
تجليات نقدية :
- النص الروائي مشاهد متقطعة دون عتبات نصية لها ( عناوين للمشاهد ) و هذا يجعل من النص كتلة واحدة و نفسا واحدا لا يليق بالسرد .
- قدمت الروائية بعض المصطلحات أو العبارات المحكية الشعبية مع شرح لها داخل المتن و كان الأجمل تشكيل الشرح في الهامش .
- اختفاء الشخصية الرئيسية ( سارة ) من المشاهد الأخيرة الأساسية و لربما كان مقصودا و ذلك لاحتمال وجود جزء جديد أشارت إليه الروائية ( الفرح دساس ) ص 126 .
- النص السردي ( الحزن دساس ) نص ماتع بلغة تصويرية تخييلية ساحرة ، و قدرة على الانسياب الحكائي مع ترابط للشخصيات و الأزمنة و الأمكنة .
- النص عن دار ببلومانيا للنشر و التوزيع مصر ، ط 1 ، 2021 ، 126 صفحة .
بقلم د-لحسن عزوز أستاذ النقد الحديث و المعاصر
