لماذا مازلنا بعيدين عن دخول أدبي حقيقي ؟!

بالنّظر إلى الواقع الثّقافي المتردّي ببلادنا في الوقت الرّاهن، والذي يُقرُّ بوجوده العام والخاص، في ظل غياب سياسة ثقافية واضحة المعالم، ومنسجمة مع خصوصيات المجتمع الجزائري التّاريخية والثّقافية.. نعتقد أنه من القصور الكلام عن وجود “دخول أدبي” في سياقاتنا الثّقافية الجزائرية، نقول ذلك ونحن نفكر مثلاً في فوضى النّشر المتعلق بسوق الكتاب، وكذلك تسويقه وتوزيعه، إذ مازلنا بعيدين كل البعد في هذا المجال مقارنة بالرّكب المتقدم سواء في دول الغرب أو المشرق والخليج العربي، وكذلك غياب تام للإعلام الثّقافي والصّحافة المتخصصة في مجالات الأدب والسّينما ومختلف الصّناعات الثّقافية، مع شحّ كبير في نشاطات النّقد الثّقافي والأدبي والدّراسات الثّقافية ببلادنا. الدخول الأدبي هو منظومة مُتكاملة، تتظافرُ في سبيل إنجاحِها عواملَ عديدة، منها وجود تقاليد راسخة تجعل من الأدب والقراءة والمقروئية أسلوب حياة، وكذلك منظومة قانونية صارمة تُنظّم قطاع الثّقافة عموما والأدب وما يتعلق به خاصّة، فضلاً عن دُور النّشر التي يجبُ أن تشتغل وِفق أساليب معاصرة منظمة، ولا تجعل الرّبح المادي فقط دأبها وديدنها، فلا تركز على الكِتاب المدرسي والمراجع المتعلقة بالتمدرس بسبب كونها مُربحة دون غيرِها من أنواع الكتب. وكذلك يتطلب الأمر وجود وسائل إعلام جماهيرية (مكتوبة، مسموعة ومرئية) في مستوى الحدث، إهتماما وتغطيةً ونشرا ونقدا، دون إغفال دور وسائل الإعلام الجديد وخاصة تطبيقات السّوشيال ميديا في التّرويج للكتب الجديدة والرّوايات الصّادرة والجوائز الأدبية المستحدثة.. وغير ذلك. أضف إلى كل ذلك وجوب حضور الجوائز الأدبية ذات القيمة المرموقة، والمستوى العالي في المشاركة، والمصداقية والشّفافية في التّقييم، جوائز تبتعد عن الأهواء والٱيديولوجيات والحسابات الضيقة والتّريندات والشّعبوية. وكذلك ينبغي وجود معارض محترمة للكُتب، ومجلات ثقافية وأدبية وطنية ودولية محترمة، وحضور فعال ومنتج للأدب الأصيل في المناهج والمقررات التّربوية المدرسية وكذلك الأكاديمية الجامعية، وأخيرا مجتمع فيه نسبة مُشجعة من المقروئية. تأسيسا على ما سبق ذكره، ينبغي أن نعترف أن واقع الإنتاج الأدبي والثّقافي عموما ببلادنا في وضع يرثى له، ومستوى كارثي يجعلك تخجل من استعمال عبارة “دخول أدبي”. والذي دأبت بعض وسائل الإعلام عندنا -معذورة- على استعمالها كمصطلح مستقطب في الأصل من الميديا الأجنبية، للتّعبير عن ظواهر ثقافية شبه غائبة عندنا، وفي بيئة مختلفة تماما عن البيئة الوافدة منها.

بقلم د / خليل بن عزة: باحث وناقد إعلامي