حوار صحفي .. بقلم مرو-ة حرب

العربي محمودي.. صحفي يبحر عكس التيار في رحلة البحث عن هوية مهنية

العربي محمودي.. صحفي يبحر عكس التيار في رحلة البحث عن هوية مهنية في عالم الصحافة الرياضية، حيث تسيطر الرياضات الجماهيرية والأحداث الكبرى، اختار الكاتب والصحفي الجزائري العربي محمودي مسارًا غير تقليدي، بالتركيز على رياضة الدراجات الأقل شيوعًا في العالم العربي. خيار غير مألوف، في بيئة تعج برياضات أكثر شعبية، يعكس نوعًا من “الوجودية المهنية”، حيث يخلق الصحفي مساره الخاص عكس التيار، ويظهر فهمًا فلسفيًا عميقًا لطبيعة المهنة وتطورها. وفي زمن تضخم فيه الأنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت الشهرة السريعة هدفًا للكثيرين، يظهر محمودي كصوت متواضع يرفض النرجسية الإعلامية؛ فحتى بعد فوزه بجائزة أفضل عمود صحفي رياضي في قطر عام 2012، تمسك بفلسفة تقوم على الصدق والنقد الذاتي، وهو توجه تجلى بوضوح في كتابيه “صراحة قلم.. مع كل الود” و”ذاكرة الأخطاء”، حيث المواجهة الصادقة مع الذات والتعلم من الأخطاء جزء أساسي من مسيرته المهنية والإنسانية. في حوار أجرته معه مجلة ومضات أمل تتقاطع الذكريات المهنية مع التأملات الفلسفية، لتتجلى بوضوح معالم تجربة إنسانية متميزة، ليست مجرد رحلة في عالم الصحافة أو الرياضة، بل هي رحلة تأمل في التفاصيل الصغيرة، بحثًا عن المعاني الأعمق التي تشكل جوهر المهنة والحياة

 

كيف بدأت رحلتك في مجال الصحافة الرياضية، وخاصة رياضة الدراجات؟
شغفي بالصحافة بدأ منذ سن السابعة، حين كان حلمي يتشكل شيئا فشيئا، بتأثير من الراحل محمد نجيب عيسات، مذيع نشرة الثامنة بالتلفزيون العمومي في الثمانينات. رغم حبي المبكر لهذا المجال، توجهت لدراسة تخصص علمي بعد حصولي على شهادة البكالوريا عام 1991 في شعبة العلوم. خضت تجربة لمدة عام في دراسة التكنولوجيا، ثم انتقلت إلى المعهد الوطني للتخطيط والإحصاء في بن عكنون، لكن الفشل كان العنوان الرئيس لهذا المسار الدراسي
بعد ذلك، اتخذت القرار الحاسم بالسعي وراء حلمي الحقيقي، وانتقلت إلى معهد علوم الإعلام والاتصال في عام 1993. خلال سنوات الدراسة الأربع، كنت أعمل كمتطوع في الصحف الأسبوعية، مستفيداً من علاقاتي التي كونتها مع بعض الصحفيين في الحي الجامعي “طالب عبد الرحمن”. وفي عام 1998، انضممت إلى صحيفة “صوت الأحرار” كمتدرب في القسم الرياضي، حيث شعرت بأنني أكثر اتصالاً بالثقافة الرياضية، فقد كنت دائماً متابعاً لجريدة “المنتخب” والصحف العربية الأخرى التي وصلت إلى الجزائر في الثمانينات مثل “الصقر” و”الوطن الرياضي”، وهذه الصحف كانت السبب في تعلقي بالمجال الرياضي
أما علاقتي برياضة الدراجات، فقد جاءت بالصدفة. أثناء بحثي عن موضوع لتغطية صحفية، صادفت فريقا نسائيا يتدرب على هذه الرياضة. سمح لي مدرب الفريق بحضور التدريبات ومتابعة تفاصيل اللعبة عن كثب، فشدني روح التضامن والتركيز الذي يميز هذه الرياضة. ومن هنا بدأت قصتي مع “الملكة الصغيرة”، رياضة الدراجات

باعتبارك صحفيًا رياضيًا متخصصًا في رياضة الدراجات، التي لا تحظى للأسف بشعبية واسعة في الدول العربية، كيف كان تأثير هذا الاختيار على مسيرتك المهنية؟ هل شعرت يوما ما بالندم على خيارك؟ وهل منحك عملك في هذا المجال غير المألوف

فرصة لرؤية العالم بعيون مختلفة؟
بعيدا عن العاطفة.. لو عاد بي الزمن مرة أخرى لاخترت رياضة الدراجات دون تردد، رغم أنني كتبت في مجالات أخرى، إلا أن الدراجات جذبتني بشكل أكبر لأنها تتيح لك الكتابة في كل الأنواع الصحفية وتفتح أمامك آفاقاً متعددة. من خلال تغطية سباقات الدراجات، تتعرف على بلدك ودول أخرى، ليس فقط عبر المدن الكبرى، بل تكتشف المناطق الداخلية وتحتك بالمواطن البسيط وبالواقع المعاش. هذه الرياضة تتيح لك فرصة الكتابة عن الجوانب الثقافية والسياحية والاقتصادية، وحتى السياسية، من خلال التحقيقات والروبورتاجات
سباق الدراجات هو عالم واسع، وفرنسا مثال بارز على كيفية الاستثمار في هذه الرياضة. فطواف فرنسا أصبح ثالث أكبر حدث رياضي في العالم، بعد الألعاب الأولمبية وكأس العالم لكرة القدم. أما في الدول العربية، فلم نستثمر في هذا المجال بالشكل الذي يستحق، حتى سياحيا أو اقتصاديا، رغم أن رياضة الدراجات في الجزائر والمغرب العربي تعد من أقدم الرياضات ممارسة، وكان هناك رياضيون جزائريون شاركوا في طواف فرنسا منذ أربعينات القرن الماضي
رياضة الدراجات ليست فقط ممتعة ومفيدة، لكنها فتحت لي شخصيا آفاقا جديدة في مجال التحليل والتعليق الرياضي، خاصة أنها تفتقر إلى الصحفيين المتخصصين في هذا المجال

كيف تنظر إلى مسؤولية الصحفي الرياضي في تسليط الضوء على الرياضات الأقل شعبية؟ وهل تجد أن الصحافة الرياضية تقوم بدورها في بناء الوعي الجماهيري والتأثير على الرأي العام للاهتمام بهذه الرياضات؟
الصحافة الرياضية تعاني من تقصير كبير في هذا المجال، إذ تقتصر التغطيات على الفعاليات الكبرى مثل الألعاب الإفريقية والعربية والأولمبية. ورغم وجود بعض الاجتهادات، إلا أن الوسيلة الإعلامية الوحيدة المنصفة لهذه الرياضات في الجزائر تبقى الإذاعة الوطنية، بينما تفتقر الصحافة المكتوبة والقنوات التلفزيونية إلى العمق، حيث تنساق وراء رغبات الجمهور. ولكن إذا تمكنا من غرس عادة المتابعة لدى الجمهور، فإن هذا الجمهور سيتفاعل ويصبح مهتمًا
هذا التهميش يمتد أيضًا إلى رياضات أخرى مثل كرة اليد وكرة الطائرة، التي غابت عن اهتمامات الناس. والأكثر إثارة للقلق هو الإهمال الذي يعاني منه الرياضيون المعاقون، الذين يحققون إنجازات تفوق تلك التي يحققها الأصحاء على المستوى الدولي. فحتى نظام المكافآت لا يعكس إنجازاتهم، حيث يحصلون على مكافآت تمثل نصف ما يحصل عليه الأصحاء من وزارة الشباب والرياضة
وبعيدا عن الرياضة، حتى على مستوى المؤسسات، لا توجد خدمات خاصة للمعاقين، في وقت تقدم فيه دول أخرى الدعم اللازم لهذه الفئة. وهذا الأمر ينعكس سلبًا على الرياضة بشكل عام. الرياضة، بمفهومها الممارساتي والتنافسي، تعكس صورة المجتمع. فإذا أردت أن تكتب عن تاريخ مجتمع معين من خلال الرياضة، ماذا ستكتب؟ الآن حينما تريد كتابة تاريخ الجزائر الرياضي، ستكتبه من خلال كرة القدم والهوس بالنتائج، والصراعات وبؤرة الفساد التي يسيرها أطراف الخفاء من خلف الستار
في هذا السياق، يواجه الصحفي الرياضي تحديًا كبيرًا، حيث يتوجب عليه أن يكون مناضلا من أجل إنصاف هذه الرياضات. ولكن النضال في الوقت الحالي أصبح صعبًا، خاصة مع تراجع الصحافة المكتوبة، رغم أنها لم تختفِ تمامًا

مع تزايد الاعتماد على الصحافة الرقمية وتراجع الصحافة المطبوعة، كيف ترى مستقبل الصحافة التقليدية عموما، والرياضية على وجه الخصوص؟ وهل الصحفيون مستعدون للتأقلم مع هذا التحول؟
أعتقد أن الصحافة المكتوبة قادرة على الصمود، كما أثبتت ذلك سابقًا بعد ظهور الإذاعة والتلفزيون، واليوم تواجه تحديات الإعلام الرقمي أو ما يُعرف بالإعلام الموازي. مع تزايد الاعتماد على الصحافة الرقمية وتراجع الصحافة المطبوعة، يبدو مستقبل الصحافة التقليدية، وبخاصة الرياضية، في مرحلة من التحول العميق. هذا التحول ليس مجرد خيار للصحفيين، بل هو ضرورة ملحة تفرضها التغيرات في أنماط استهلاك المعلومات واهتمامات الجمهور
التأقلم هنا ليس مسألة استعداد بل فرض على الصحفي أن يتكيف مع هذه المتغيرات. ولكن، يجب أن نؤكد أن الأساس في الصحافة الإلكترونية يبقى مرتبطًا بالتحرير الجيد. على الرغم من أن الصحافة الرقمية تتطلب مهارات إضافية، مثل التصوير والتركيب، إلا أن الإلمام بمبادئ التحرير هو الأساس الذي ينبغي أن يتقنه الصحفي
الصحفي الجيد في الصحافة التقليدية يمكنه بالتأكيد النجاح في الصحافة الجديدة. فالتقنيات الجديدة قد تضاف إلى مهاراته، لكن المبادئ الأساسية للكتابة والتواصل تبقى هي نفسها. أعتقد أن الصحافة المكتوبة لن تختفي تمامًا، على الرغم من أن العديد من الصحف لم تعد تطبع. بل يمكن أن تتحول إلى أشكال جديدة من المحتوى، مما يتيح لها الاستمرار في الوجود، رغم التحديات
بالتالي، يحتاج الصحفيون إلى تطوير مهاراتهم لتشمل أدوات وتقنيات العصر الرقمي، مع الحفاظ على جوهر العمل الصحفي المتمثل في الدقة، والموضوعية، والقدرة على نقل الأحداث بفعالية

كيف توفق بين تخصصك في الصحافة الرياضية، الذي يتطلب سردًا مباشرًا وواقعيًا للأحداث، وبين ميلك للكتابة الأدبية التي تعتمد على الخيال والعمق الفني؟ وهل تجد في رياضة الدراجات تحديدًا مجالًا للإلهام الأدبي يساعدك على خلق تجارب سردية مختلفة؟
موهبتي في الكتابة كانت حاضرة منذ الصغر، وقد حصلت على عدد من الجوائز التقديرية للإنتاجات التي قدمتها خلال مراحل دراستي. غذيت هذه الموهبة بالقراءة، حيث كان لي شغف بالمطالعة ومتابعة المجلات العربية والكتب. رغم أنني تورطت في كتابة العمود الصحفي بينما كنت لا أزال في مرحلة التدريب، فإن هذه التجربة دفعتني إلى القراءة أكثر مما كنت أكتب.
عندما تقرأ وتغوص في عالم الرياضة، تكتشف أنها ليست مجرد منافسة بالنسبة للاعبين والمدربين والجمهور، بل هي واجهة لصراعات أخرى تدور في الخفاء. هذا الإدراك يدفعك للكتابة عن الرياضة بطريقة رمزية، مع ضرورة استخدام أسلوب مشوق يجذب القارئ الذي يميل لما هو سردي. ولعل تغطيات سباقات الدراجات تمنحني هذه الفرصة، فهي تتطلب أسلوبًا سرديًا يتلاءم مع اهتمامات المتابعين.
إضافة إلى ذلك، فإن الدراجين، بحكم أنهم مهمشون إعلاميًا، يظهرون ارتياحًا كبيرًا عند الاقتراب منهم، مما يجعلهم أكثر استعدادًا لمشاركة تفاصيل تجربتهم. وهنا أفتح قوس لأشير إلى أنني من خلال عملي كصحفي في تغطية سباقات الدراجات، مارست كل ما يتعلق بهذه الرياضة، من الميكانيكا إلى التدليك، وحتى غسيل الدراجات.. لازمت وتفاعلت مع المدربين والحكام والإداريين، واكتسبت مهارات متنوعة تتعلق بممارسة هذه الرياضة.
عندما سافرت للعمل في قطر، فتحت لي هذه التجربة آفاقًا جديدة، حيث تعاملت مع واقع إعلامي ورياضي مختلف. استفدت كثيرًا من تغطيتي للمنافسات الكبرى والسفر إلى بلدان مثل الصين واليابان وأمريكا، حيث غطيت رياضات متعددة مثل الفروسية والتنس وكرة السلة والبولينغ. تعرفت على أبطال عالميين ونجوم من مختلف التخصصات، وهذا بالطبع انعكس على كتاباتي وعزز مستواي في الكتابة، وجعلها أكثر احترافية.

 

باعتبارك قارئ جيد بمن تأثرت سواء في المجال الصحفي أو الأدبي؟
في المجال الصحفي بالجزائر، كنت أتابع بشغف كتابات العديد من الأسماء اللّامعة، مثل: عز الدين ميهوبي، وفيصل غامس، ورضا بن عاشور، بالإضافة إلى عياش سنوسي الذي يعتبر من جيلي،. أما في فن البورتريه، فلا يوجد من هو أفضل من الأستاذ نصر القفاص، كما أعتز بمتابعة المبدع حسن المستكاوي، الذي قدم مساهمات قيمة في هذا المجال
وعندما انتقلت للعمل في قطر، حظيت بفرصة العمل مع الأستاذ محمد بنيس، الذي كنت أعرفه من خلال قراءتي لجريدة الصقر. كان أسلوبه في الكتابة في مجال الرياضة يحمل طابعًا مبدعًا، حيث كان يكتب بطريقة تجعل القارئ يشعر وكأنه يتابع قصيدة أو مسرحية. وقد عاملني باحترام واهتمام كبيرين، تعدى منحي فرصة الاستمرار في كتابة العمود التي مارستها منذ 1993، بل كان له دور في توجيهي نحو تغطيات خاصة لا تقتصر على الأحداث الرياضية ولغة الأرقام فحسب، بل تشمل أيضًا التطرق إلى جوانب أخرى بأسلوب قصصي جذاب

صراحة قلم مع كل الود.. هو أول إصدار لكم .. كيف جمعت بين هذين المتناقضين؟
في الحقيقة، هذا الكتاب هو عبارة عن مجموعة من الأعمدة التي كتبتها في عام 2021 تحت عنوان كلمات عابرة، لكن، وبحكم أنني أؤمن دائمًا بمبدأ الاستشارة، تلقيت نصيحة من الأستاذ علي رحالية بأن أغير عنوان الكتاب. وقد كانت هذه النصيحة في محلها، حيث إن المادة التي قدمتها تتسم بالصراحة، لكنها تعكس أيضًا الكثير من العاطفة تجاه بعض الرياضات والرياضيين الذين تحدثت عنهم

ما هي الرسالة الأساسية التي كنت تسعى إلى إيصالها من خلال هذا الكتاب؟ وكيف تفاعل القراء معها؟
جمع المادة المنشورة سلفا في كتاب خطوة يجب القيام بها؛ لأن الكتاب يحفظها كمادة أرشيفية يسهل الاطلاع عليها. كتجربة يمكن الاستفادة منها، بشرط أن تتوفر القراءات النقدية للنوع الصحفي. كما أن الكتاب يعد تعريفا للكاتب من خلال ما يكتب، وقد كان التجاوب إيجابيا إلى حد ما، وظهر ذلك عبر العديد من الآراء التي شجعتي على المزيد من الإصدارات

ثاني اصدارتكم هو “ذاكرة الأخطاء” وهو عنوان يلفت الانتباه وفكرته جريئة وصريحة.. ما هو المعنى الذي تعطيه للأخطاء التي واجهتها في مسيرتك؟
كلنا نقع في أخطاء، حتى لو كنا متمرسين. الفكرة تكمن في أن المبتدئين غالبًا ما يجدون صعوبة في تقبل النصائح المباشرة. من خلال متابعتي لما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أشعر بالانزعاج الذي يصل حد الغضب، من تلك الكتابات التي تركز على تعظيم الأنا، والترويج للذات وادعاء النجومية، هذا التوجه يساهم في خلق بيئة من النرجسية السطحية، حيث يُعتبر النجاح في غالب الأحيان مرتبطًا بالمظاهر، وليس بالمحتوى الجاد الذي يقدم قيمة حقيقية. الصحافة ليست منصة للإشادة بالذات، بل هي أداة لنقل الحقائق، وتعزيز الوعي، وتقديم أفكار تستند إلى الواقع وتجارب الآخرين
ذاكرة الأخطاء للأمانة ليست فكرتي، بل فكرة صديقي الأستاذ أحمد فلاق.. طلبت رأيه في فكرة كتاب تحت عنوان ” واقع زاده الخيال” يعتمد فن البورتريه كنوع صحفي لتقديم صور صحفية عن أشخاص واقعيين، لكن دون تسميتهم بأسمائهم الحقيقية، فكان رده لماذا لا تقدم تجربتك الصحفية للقراء من خلال الهفوات التي ارتكبتها، حتى تكون مادة مفيدة للطلبة والصحفيين المبتدئين، على شرط أن تقدم ذلك في قالب قصصي يبتعد عن النصيحة المباشرة، التي لا تكون مقبولة في العادة. راقت لي الفكرة ونفذتها، فكانت النتيجة كتاب ذاكرة الأخطاء، ربما لم أذكر بعض الأخطاء التي قد تسيء إلى الآخرين، لأنني لم أكن أرغب في ركوب موجة الإساءة لتحقيق الانتشار، لذا قدمت 14 قصة عن أخطائي، والقصة 15 عن سر تعلقي برياضة سباق الدراجات

 

وكيف ترى أهمية هذا النوع من الكتب للصحفيين الصاعدين؟
للأسف هناك نقص كبير في هذا النوع من الكتابات.. هناك الكثيرون ممن كتبوا مذكراتهم في إطار النجم، وهو أمر منفر. كتبت في مقدمة الكتاب أنه يوفر مادة إرشادية؛ بمعنى أن القارئ قد يجد فيها ما يريد، سواء كان صحفيا مبتدئا أو طالبا أو حتى صحفيا يملك خبرة. التجربة الشخصية تتقاطع مع الذين مارسوا المهنة، وربما وقعوا فيما وقعت فيه، ولم تكن لديهم الجرأة للكتابة أو الإعلان. وعندما نشارك الغير تجربتنا ومع القراءات المختلفة، ربما نصل لتحديد مسار ملائم لمن يأتي من بعدنا

يصدر لكم قريبا عن دار الأمير للتوزيع والنشر الفرنسية ترجمة لكتاب ذاكرة الاخطاء الى الانجليزية والفرنسية وكيف ترى اهمية الوصول الى جمهور دولي من خلال لغات متعددة؟
عندما يقرؤك الغير بلغة أخرى تصل إلى تقييم التجربة بمنظور آخر.. الصحافة كمهنة لها قواعدها الرئيسة ولا تختلف إلا باختلاف ظروف الممارسة؛ لذلك أرى أن تقديم الكتاب بلغات أخرى قد يتيح لي تقييمه بشكل أدق، من خلال الاطلاع على كيفية استقباله من قراء بلغات غير اللغة العربية

 

خضت تجربة كتابة رواية لكنك ترددت في نشرها بسبب بعض النقد، كيف ترى دور النقد في تطوير الكتابات الادبية والابداعية؟
بتعبيري الخاص لم تكن تجربة وإنما محاولة.. وسيرا على مبدأ الاستشارة الذي اعتمده دائما قدمت النص لأهل الاختصاص فكانت الآراء متباينة.. هناك من شجعني على النشر وهناك من أبدى بعض التحفظات، وهناك من رفض النص.. عندما وازنت بن الآراء مالت كفة النشر، لكني آثرت التريث لأني لا أبحث عن انتشار او اكتساب صفة روائي.. فضلت التريث لإجراء بعض التعديلات تماشيا مع التحفظات التي أدلى بها من استشرتهم

في ظل الانتقادات ما هي الأسس التي تعتمد عليها لتقييم عملك الخاص ككاتب؟ هل تعتمد على ردود الأفعال، أم لديك معايير خاصة بك؟
النقد عامل رئيس في التطور، فمهما كنت كاتبا جيدا لا يمكنك إنتاج نص متكامل.. لذلك يجب الاستماع لآراء الغير والاستفادة منها للوصول إلى أفضل صورة ممكنة لما تكتب. ولا يمكنني تقييم عملي بشكل دقيق لأني أكتب الرأي منذ أكثر من 25 سنة عبر أكثر من عنوان؛ في الجزائر، وقطر، وبعض التجارب في عناوين عربية أخرى.. ربما يكون التقييم إيجابيا من خلال البعض، وسلبيا من خلال البعض الآخر، لكني في نهاية المطاف راض عما أكتب

كيف تتعامل مع التوتر الناتج عن توقعات الجمهور والنقاد، خاصة بعد النجاح الذي حققته في مجالك الصحفي؟
الجمهور سيد في رأيه، ولا يمكن مناقشته؛ لأنه يتعامل مع المادة الصحفية أو الأدبية وفق مبدأ الإعجاب، وله مطلق الحرية أن يبدي رأيه. أما النقاد فيختلف الأمر.. القراءة النقدية المؤسسة علميا يجب أن تحترم، أما القراءات التي تعتمد تقديم الرأي الانطباعي، فهي تشكل خطرا على الحركة النقدية، لأنها عادة ما تضيع في دوامة الرأي الشخصي المبني على أسس ذاتية لتحقيق أهداف ما. وفي المجمل أرى أن العمل الجيد هو الذي يكون مادة جيدة للنقد، أما العمل السيء فلا يحظى بأي اهتمام

ختاما، إذا أتيحت لك الفرصة لكتاب جديد، هل سيكون امتدادا لتجاربك الصحفية، أم أنك ستعود إلى الأدب الروائي؟

لدي أكثر من فكرة أنوي تجسيدها في مؤلف، وفي الغالب سأواصل على نهج التجارب الصحفية، ولا يمكنني الإفصاح عنها حاليا لأنها لم تكتمل بعد