عيد عبد الحليم يدون مراثيه بحبر أبيض على أوراق شجر الأربعين… قراءة نقدية بقلم كرم  الصباغ


مقدمة:
   على مدار ثلاثين عامًا،  أسلمت  الموهبة   المتوقدة الشَّاعر عيد عبد الحليم إلى جمر القصيدة، يكتوي بلظاها تاراتٍ، ويعزف  قيثارته ونايه وكمانه تاراتٍ أخرى، ويطارد أحلامه في حدائق كانت بالأمس عامرةً بالألوان، عامرةً بالجمال، فأمست يبابًا بفعل زيف الواقع وقبحه.    
   ولمَّا كان المجاز روح  الشّعر ومادته الخام، راح الشَّاعر كفنانٍ بضاعته الجمال، يمارس لعبة الانزياح، ويعيد تشكيل لغته، ويشحن ألفاظه وتراكيبه بالرُّموز المولِّدة للدلالات، وراح  يشيّد من لبنات مجازه  -على غير مثالٍ- مدنه وقراه وشواطئه و أماكنه الخاصة، كفعلٍ مقاومٍ لثقافة القبح والاستهلاك والماديّة والبراجماتيّة والرّتابة؛ إذ آمن أن التّجديد و التَّجريب  رئةٌ وحياةٌ، وأن التّكرار والرّتابة هما الموتُ بعينه، فسلك  طريق قصيدة النَّثر، متحررًا من القوالب الجامدة والصور المستهلكة، مجدّدًا ومجرّبا، وما بين المكابدة وانسكاب السِّحر أفرزت قريحته  مئات القصائد من بنات اللّحظة، قصائد تتسم بالبكارة، نسجها  من روحه ودمه، فصارت كبصمة الاصبع، تعبر عن صوتٍ شعريّ، له خصوصيته وشخصيته المستقلّة. ونظرًا لاتساع وثراء التجربة سأكتفي  في قراءتي النّقدية تلك بتحليل  ديوانين من دواوين عيد عبد الحليم العشرة، ألا وهما ديوان ” حبر أبيض” و ديوان ” شجر الأربعين”، مقتفيا أثر السمات السائدة التي تميز قصيدته.


**سمات قصيدة النَّثر عند عيد عبد الحليم:
إن قصيدة النَّثر في الأدب العربي الحديث كانت إحدى نتاجات حركة الحداثة في الشّعر، تلك الحركة التي بقيت تبحث عن المُدهش و الغرائبي في صراعها الدّائم مع السَّابق والتَّقليدي في محاولةٍ لرفض السَّائد، ومن هذا المنطلق سعى الشَّاعر كمنتمٍ إلى هذا الجنس الأدبيّ الذي اصطلح الرُّواد والنقاد على تسميته بقصيدة النَّثر. 
١-التَّحرر من سطوة العروض:
   تصف النَّاقدة الفرنسية سوزان برنار قصيدة النَّثر بقولها:  إنها قطعة نثريَّة واحدة مختصرة، ومضغوطة إلى حدٍّ، يجعلها كأنَّها حجرُ بلورٍ متحرّرة من معظم القوافي والأوزان.    
   لقد سعت قصيدة النَّثر إلى  التَّمرد على القوانين مقياسًا في أنموذجها الإبداعيّ، وذلك يشمل قوانين الوزن والعروض، وحتى القوانين العاديَّة للغة، كما أن قصيدة النَّثر سعت  سعيًا حثيثًا إلى التواؤم مع روح العصر؛ إذ تحاول تغيير مراتبية العناصر المكوّنة للشعريّة العربيَّة بحيث يصبح السّياق هو المحدّد الأول للشّعرية مهملة بذلك  العناصر الشَّكليَّة الَّتي استقرَّ عليها  النّوع الشّعريّ العربيّ لعصورٍ طويلةٍ متواليةٍ، وهي بذلك تضع بديلًا عصريًّا هو شعريّة الموقف و الحال، وهي شعريّةٌ نابعةٌ من سياق تأليف الكلام لا من جسد الكلام مما يتضمنه من وزنٍ وقافيةٍ.  وتجدر الإشارة إلى أنَّ  قصيدة النَّثر عُدَّت في نظر مريديها، واحدة من الخطوات المهمّة باتجاه الحداثة في الشّعر العربيّ، وهي تسلك سبيلها الإبداعيّ في التَّعويض عن غياب الوزن والقافية والتركيز على عناصر جماليّة أخرى تميّز فنّ الشّعر في إطار المرحلة التي يعيشها المبدعون، وإعلان القِران بين الشّعريّ والنّثريّ، وتجاوز حدود نظرية الأجناس الأدبية الضّيقة إلى ما هو أدبيّ بمعناه الجماليّ.
   ومن المنطلقات السَّابقة  كان من البديهيّ أن تتخلَّص  قصيدة النَّثر عند  عيد عبد الحليم من سطوة العروض والأوزان الخليليّة، والإيقاع  الخارجيّ لكنها في الوقت ذاته لم تتخل عن الإيقاع الداخليّ الذي يعتمد على النبرات والمؤثرات الصوتية كالتكرار والمتجانسات الصوتيّة، سواء بالمقاطع المنظمة أو التكرار أو البناء الدائريّ، استعمال  توازنات من  نوع مغاير بدل القافية. أو عن طريق الايقاع الدلاليّ، و الانسجام الداخليّ، وتأسيس حساسية شعرية جديدة، يقول الشاعر:
أتذكر أكبرهم
الذي سرق التفاحة
من حديقة الجيران
وقسمها علي إخوته
الذين انهالوا عليه – بعد سنوات –
بمعاولهم الحادة
هشموا كل ضلع
ولم يبق من ذكراه
سوي رأس
تتحرك في الفراغ
أكبر أبنائي
أيتها المرأة التى  تمسد الماء
بحنين غامض
أكبر أبنائي
يؤرجحه الهواء
منذ سنواتٍ
وأنا لا أملك
سوي تلك الرأس
التي غلبها المشيب
وأصابع مرتعشة
لا تستطيع الإشارة
٢-وحدة موضوع القصيدة وعضويَّتها:
  إنَّ أهم ما يميز قصيدة النَّثر عند عيد عبد الحليم هو عنصر الوحدة؛ إذ إنَّ القصيدة كلَّها تخدم هدفًا واحدًا، وتصف موضوعًا واحدًا، وتوجِّه رسالةً واحدةً، أمَّا العضويَّة، فإنَّها أهم ما يميز هذا النَّوع من الشّعر؛ أي بمعنى آخر التَّكامل والانسجام والتَّرابُط في القصيدة الواحدة من حيث المعنى والمضمون والشَّكل والأسلوب. مَن يقرأ قصيدة النَّثر عند   عيد عبد الحليم  يلاحظ هذه النقطة بوضوحٍ؛ فكلُّ معنى يؤدّي إلى الآخر؛ أي يوجد تلاحم وتوافق بين المعاني التي تدور وتصب في خدمة نفس المعنى والهدف والغاية، يقول الشاعر:
أنا بلدٌ
مزدحمٌ بالحواديت
وبحكايات المنسيين والغرباء
بيتي عنوان للموتى
وحديقتي التي تهرب إليها الفراشات
مكتوب على بابها ((الصمت))
أنا الباب
المُشرَّع علي الماضي
مدونة الهامشيين
علي حوائط
لم يقربها المطر
منذ سنوات طويلة
حنجرةٌ
تجأر في صحراء شاسعةٍ
ولا شيء يبقي
في يد العابر
٣- الحريَّة وكسر السَّائد والمألوف:
تتمتَّع قصيدة الشَّاعر بالحرية والخروج عن النمط السَّائد والمألوف، وترك منهج التَّفكير الموروث والتقليدي، وعدم التقيُّد بأحكام المجتمع وأفكاره البالية المحدودة؛ وإنَّما يطلق لقصيدته  العنان كي تسبغ على  النص الأدبيّ طريقة تفكيره ورؤيته وتوجهاته وأفكاره الجريئة وقناعاته التي يؤمن بها ويرجوها. يقول الشاعر:
سأقول له:
يا “إليوت”
كل الحكايات في جرابي فاسدة
رغم أني زرعتها
في أرض صالحة للانتظار.
كل الرياح التي انتظرت
أن تأتي إلى مواسمي
ذهبت إلى أرض أخرى.
كل اللوحات الني أعجبتني
كانت “سريالية” المذهب,
كل الأمهات اللائي تمنيت
أن أنام على صدورهن
متن قبل طفولتي.
وها أنا الآن
أنظر في مرآتي
دون أن أرى أحدا..!!
٤- البساطة:
تتمتَّع قصيدة عيد عبد الحليم بالبساطة والسُّهولة والمرونة؛ إذ إنَّها لا تستخدم تراكيب معقّدة ومحسنات بديعيّة؛ بل تلجأ إلى كلماتٍ بسيطةٍ بعيدة عن التَّكلُّف في الأسلوب والسَّرد، كما أنَّها بعيدة عن النَّظم، وغنية بالسلاسة والبساطة اللَّغوية.
يقول الشاعر:
هكذا ورث المحبون الغناء
وامتلأت ((طواجن اللبن الرائب))
والولد الأمرد
يقفز من حلم إلي حلم
يرسم الشرفات ، ويطل منها
علي الميادين جميعا
يخطف بنظرة قلب بنت
ترسم شجرة وتمضي
وتأتي أخري
تقطف ثمرة من حدائقه
وتمضي
ويبقي ((القلب الأخضراني))
متيما بالغناء
كل الطرق تؤدي إلي المحبة
وأنت
ترش الشوارع برائحة الأـسلاف
وتهتف :
((أنا أكبر شارع في بلادي))
٥- الابتعاد عن الخطابيّة المباشرة:
إنَّ قصيدة عيد عبد الحليم لا تعتمد على الخطابات المباشرة الموجهة إلى فئة معيَّنة من الناس؛ بل تلجأ إلى إيصال الرَّسائل الضمنيَّة في إطار فني يحتاج إلى التَّحليل والاستنباط وقراءة العلامات بإمعانٍ لفكّ شفرات النَّص والوصول إلى الدَّلالات والرّسائل الضمنيّة، يقول الشَّاعر:
في ركنٍ قصيٍّ من العالم
-بالتَّأكيد – هناك طفلٌ يغنّي
ربَّما يعرفني أو لا يعرفني
لكنَّني من أجله أحببت الغناء
طفلٌ
أقصي ما يراه وردةً
في يد عاشقٍ
في ليلة الكريسماس
وجهه أبيض
كقلبه
ويداه مجدافان – في الهواء
تكتبان لغةً أخري للحبّ
ينام في النَّهار
ويصحو في اللَّيل
ليوقظ – في العتمة –
حسَّ الوجود.
٦- الإيجاز و التكثيف:  تتَّصف قصيدة  عيد عبد الحليم بأنَّها تميل إلى الإيجاز والاختصار ولا تحب الإطناب والإطالة؛ إذ إنَّ الإطالة في الكلام والسَّرد تقلص من قيمة المادّة الأدبيَّة ومحتواها العميق؛ فهي تسير على مقولة “خير الكلام ما قلَّ ودلّ” كما أننا نلاحظ  تحقق عنصر الكثافة؛ إذ إنَّ قصيدته  تعتمد حالة التكثيف في الصور البيانيّة وفي العاطفة، والمعنى اللغويّ والحالة الشُّعوريّة والإيقاع؛ فهي ممتلئةٌ بمفرداتٍ مشحونةٍ تنهض على تكثيف الدَّلالة و مكتنزة بالرموز المتشابكة، ولا تقدّم احتمالاتٍ جاهزةٍ للمعنى.
  يقول الشاعر في قصيدة الضفة الأخرى المكونة من تسع كلمات وحسب:
لو أنني
أمتلك ذاكرة الأسماك
في المحيطات
لامتلكت السعادة.
ويقول أيضا في قصيدة “يوم عادي” المكونة من اربع وعشرين كلمة وحسب:
جثتي مرتكنة
علي كرسي المكتب
والقهوة الصباحية
بنفس طعمها المر
أوراق مكدسة
في انتظار التوقيع
بينما روحي تتجول
في المكاتب الأخرى
بحثا عن الطمأنينة.
٧- شعريّة الموقف و الحال، وهي شعريّةٌ نابعةٌ من سياق تأليف الكلام لا من جسد الكلام مما يتضمنه من وزنٍ وقافيةٍ. يقول الشَّاعر:
وضع الجريدة في الحقيبة
وضع ديوانه المخطوط
في الجيب الأوسط للحقيبة
وضع أقلامه
في الجيب الخلفي للحقيبة
وضع صورة البنت الوحيدة
التي أحبها
في الجيب الأمامي للحقيبة
ثم وضع الحقيبة
في منتصف الشارع –
ومضي
٨- التداخل مع الأجناس الأدبية الأخرى و الفنون المختلفة: استفادت قصيدة الشّاعر عيد عبد الحليم من الأجناس الأدبيّة الأخرى فاستعارت السّرد من القصة القصيرة و الرواية، و الحوار من المسرحية، والمشاهد البصريّة من السّينما، ولغة الألوان، وتداخلها وسيرياليّة الصُّورة من الفن التشكيليّ، وهي قبل كل شيء تجمع ما بين وهج الشّعر وسيولة النَّثر، يقول الشَّاعر:
سينادي عليك المخرج :
هذا المشهد لن يعاد مرّةً أخري
فتمدين أصابعكِ
باتجاه الفراغ
تحاولين أن تخرجي ضحكةً مكتومةً
لكنَّ الرّجال الغرباء
ينظرون بدهشةٍ إلي وجهكِ
فترتبكين
تطلقين صرخةً بحجم الوقت
والأسى ،
الذي عَلِقَ بأشجار الحديقة
و يقول أيضا:
ولم تغير الشوارع ملامحها
جاء الفلاسفة، وماتوا
دون أن يتركوا
بين الضلوع ممرات للمحبة
بينما الرجل الوحيد
فى آخر الممر يهتف:
انتهى الفيلم
وغادر كاتب السيناريو،
والمخرج،
وأبطال العرض
وبقيت أنا هنا
بجوار المقهى
فى انتظار “نجيب محفوظ”
ربما يغير من خريطة العمر
التي امتلأت بالنمل الأبيض.
٩- اعتماد التناص وإذابة عناصر متنوعة رمزا وإشارة و تضمينا في النص، حيث يعتبر التناص عبارة عن مجموعة من العلاقات التي تتضمن التلميح والاقتباس والإشارة والتضمين، بل امتدت الأمر إلى الافتباس من الأساطير و الحكايات الشعبية مثلما فعل إليوت في قصيدته “لأرض الخراب” متأثرا بما نظر إليه في كتابه ” الشك التاريخي” وقد تأثر رواد قصيدة النثر العربية في مرحلة الحداثة بإليوت، و من ثمّ اعتمدوا مفهوم التناص بمعناه السابق، أمت في مرحلة ما بعد الحداثة فقد تغير مفهوم التناص عند  جوليا كرستيفا وميخائيل باختين، وفوكو و دريدا  وعدوه  أحد مكونات النص الأساسية والتي تحيل على نصوص سابقة عنها، أو معايشة لها، وكما يرى( سولير) أن ” التناص في كل نص من النُّصوص يتمركز في نصوص كثيرة. هذا وقد تأثر الشاعر من وجهة نظري بالمفهوم الأول  للتناص  فوجدناه يضمن حينا ويقتبس حينا آخر، لكنه يحاول توظيف العناصر  المستجلبة من نصوص أخرى في خدمة القصيدة، و إذابتها في نسيجها ؛ إذ تعتمد قصيدة النثر في الغالب على نفسها ولا تقبل أي عنصر خارجي إلا بشرط خدمة بنية القصيدة يقول الشاعر:
هكذا  الماضي
جميل
وقاس
مثل امرأة
جميلة
وقاسية
ترمي أسطورتها
في نهر يسير في تاريخنا المشترك
لكنها لم تقف بجواري
ذات صباح كهذا –
لترمق من بعيد
بائع الفل الذي صار رجلاً
يختص نفسه بزهرة
بيضاء تسر الناظرين.
ويقول أيضا:
لم تكن  الذاكرة غائبة
لم يكن درويشًا
أو صعلوكًا
أو “عزيز قومِ ذل”
بل كان هو كما أراد
جرح منفتح على الأزمنة
بلا صراخ
١٠- توتر اللغة، و تفجيرها و وإقامة نظام القصيدة  على البناء المنفعل في الاستعارة والمجاز، يقول الشاعر:
طفل صغير
بحجم تفاحة
رموشه صحراء شاسعة
بلا وحوش تعوي
أو نساء
يسابقن الخطيئة
ويقول أيضا:
وبمقدرة فائقة
على ملء الورق الأبيض
سأصف الرصاص
بالفراشات العابرة
والأرض المليئة بذاكرة القتلى
سأصفها بمناديل ورقية
لم تمس
١١-التعبير عن  المآزق الوجودية، التي تحاصر الإنسان المعاصر كشرك تعز معه النجاة إلا  بالحب و التآلف. يقول الشاعر:
صعاليك تاهوا في كل الممالك
في يد كل واحد منا
كتاب يجهل ما فيه
لكنه يحمله كصخرة
في انتظار الوصول إلى الشاطئ.
ويقول أيضا:
بكدمة صغيرة
في العنق
أعود إلى أحبائي
بينما أطفالهم الصغار
يسألونهم
عن الرجل الذي عاد من الحرب
وحيدا
دون الآخرين
بجرح صغير – فقط – في العنق
وفي يده بعض أوراق
ملطخة بدم الآخرين.
١٢- التعبير عن النوستولوجيا والحنين إلى الماضي:
طفلٌ
كحنين أبي
في سنوات الطفولة
وخبز أمي
الذي لا يجف
طفل
لا يعرف العطش
لأن أنهار العالم
ملك يديه
لا يعرف الصمت
لأن ترانيم الشعراء
وآهات القدسيين
تحيا تحت لسانه
ويقول أيضًا:
قال لي:
لك أمنية وحيدة
من حقك أن تطلبها
قبل أن تغيب الشمس.
قلت:
أن أعود إلى ذلك الطفل
الذي يجري بين الحقول.
قال:
كل الأمنيات متاحة
إلا العودة إلى الماضي !!
ويقول أيضا:
الحنين
أن تظل طفلا
بعد الأربعين
الحنين صحراء ممتدة
من العطش
زهرة بيد بستاني
لا يدرك معني الرائحة.
١٣- التعبير عن التشظي واليأس و انعدام الحيلة.  
في ظل هيمنة ثقافة العولمة و إذابة الهويات المحلية، وفي ظل تأثيرات الواقع ثقيلة الوطأة  أصيب الإنسان المعاصر -خاصة الشعراء-  بحالة من تشظي الذات، مما نتج عنه تسرب اليأس و الشعور بانعدام الحيلة أمام طوفان المادية الجارف، الذي جرف في طريقه القيم الروحية و حول المشاعر الإنسانية إلى سلعة قابلة للتسعير. يقول الشاعر:
لقد أرهقت كثيرا –
من كثرة الأكاذيب
فهل تسمحون لي – الآن
أن اعترف بهزيمتي
و يقول أيضا:
لم أعد أمتلك في مخيلتي
سوي جلسة
في هذا المكان
تحت صورة (( فرجينيا وولف))
وأنت بجواري
تنظرين إلي صدري
الذي لم يجرب الحرب
لكنه امتلأ بالهزائم
١٤-التعبير عن مرارة الفقد و الأحلام المبتورة. يقول الشاعر:
ليس للألم تاريخ
سوي في القلب
الذي يحرسه الموتى
الفارين من الجغرافيا
وهو الشاهد الوحيد
علي الخيانات المتكررة
رمى أسلحته كلها
في حروب خاسرة
واكتفي بثدي امرأة
ينز بالوجع
١٥- التعبير عن الضبابية  وتيه الاغتراب، يقول الشاعر:
أنا لاعب الشطرنج
الذي نسي قواعد اللعبة
وباع أسماءه
لرياح الخماسين
كل شيء في الغرفة
يشبهني – تماماً
الغرفة الموجودة
في نقطة ما
ما بين الأسود والأبيض
ويقول أيضا:
وقراءتي المتعددة
فيما دونه فلاسفة عصور النهضة
لم تكن سوي هروبٍ
من المخيلة العمياء
التي ألقتني – كشيطان جريح –
في محبرة العارفين
فقفزت من سماء الله
إلي الصحراء
أرعي غنم القبيلة
وأنا الذئب
الذي تهشمت أنيابه
علي أعتاب بيت امرأةٍ لعوب
١٦- الانكفاء على الذات. 
في ظل حالة السيولة الثقافية صارت رؤية الشاعر للعالم تنبع من خلال تمحوره حول ذاته؛ فالعالم يبدأ من تلك الذات و ينتهي إليها، و ما يقع خارجها صار أمرا هامشيا لا ينظر إليه بعين الاعتبار، مادام هذا الأمر لا يمس الذات، و لا يؤثّر فيها.
يقول الشاعر:
أنا بلد
مزدحم بالحواديت
وبحكايات المنسيين والغرباء
بيتي عنوان للموتى
وحديقتي التي تهرب إليها الفراشات
مكتوب على بابها ((الصمت))
١٧- الاشتباك مع التَّاريخ: لجأ الشَّاعر إلى استدعاء شخصيات تاريخية لاستحضار ما تحمله من مدلولات معرفية بمجرد ذكرها، وإسقاط تلك الدلالات على واقعه؛ إذ لا تعتد قصيدة النثر بكل ما هو واقع خارجها إلا في حالة واحدة هي خدمة هذه العناصر الخارجية لبنية القصيدة وفكرتها.
يقول الشاعر:
أجالس “الإسكندر”
في الظهيرة
في مقهى شعبي
نتبادل المواقع –  كل يوم –
مرة يحمل جراب الحكايات
ومرة أحمل سيف الفتوحات
تجمعنا أشعار (( كفافيس ))
ونختلف علي ((رباعيات داريل))
وتتوحد نظرتنا
حين نري البنت السمراء
وهي تخطو _ بعد العصر _
في لهفة
مسرعة إلي موعد غرامي.