مؤتمر دولي بجامعة الشلف
الأنساق المضمرة في سرد الثقافة المهمشة محور نقاش
نظم نهاية الأسبوع الماضي مخبر نظرية اللغة الوظيفية التابع لكلية الفنون والأداب لجامعة الشهيدة حسيبة بن بوعلي بالشلف غرب الجزائر مؤتمرا دوليا، وُسم بالأنساق المضمرة في سرد الثقافة المهمشة والذي تداول فيه باحثون من مجالات وميادين شتى البحث في هذا الموضوع من مختلف الزوايا.

المؤتمر بِحسب القائمين عليه قدّمت فيه د. مريم محمد أبو بكر سليم مم فلسطين مداخلتها الموسومة بـ: تقنيّات بناء الحكاية الشعبيّة الفلسطينية، والتي لها قيمة تراثيّة كبيرة، كما أنّها رمزٌ للهوية الثقافيّة والوطنية، حيث ساعدت العادات والتّقاليد والميثولوجيا في صناعة الحكايات الشعبيّة الأولى، وصبغتها بألوان مُستقاة من طبيعة الأماكن التي نشأت فيها تقنيات خاصة. كما قدمت البروفيسور لامية كراج من جامعة الجزائر2، مداخلة بعنوان: Stéréotype et représentation négative de la femme dans les proverbes algériens “الصورة السلبيّة المعهودة للمرأة الجزائرية في الأمثال الشعبية” مداخلة مُهندَسة منظّمة خلصت من خلالها البروفيسور لامية كراج إلى نظرة المجتمع للمرأة انطلاقًا ممّا تصوِّره الأمثال الشعبيّة، وهي نظرة في جانبها الأكبر تأخذ منحًى سلبيًّا وتتّسِم بالسّوداويّة والدّونية، وذلك برمَج للنّزعة الذكوريّة التي تغلب على المجتمع الجزائري مِن جهة وإلى مساهمة المرأة في تَكوين هذه الصّورة مِن جهة أخرى، كونها كانت خاضعة لتقاليد الأعراف والعادات كمُدوَّنة رابح خدوسي.
وعن أثر البيئة في نشأة وتطوّر التّراث الحكائي الجزائري قصص الكرامات أنموذجًا، اشتغلت الدّكتورة إيمان بوقردون من جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة، فللبيئة تأثير كبير على التّراث الثّقافي والعمراني حتّى قيل: الأديب ابن بيئته، وهذا ما تكشفه العلاقة بين البيئة والعمل الأدبي التي تكون نتاج ارتباط المُبدِع بالبيئة العامّة والظّروف المحيطة به، وتتجلّى بوضوح في صورة العمل الأدبي وهذا ما يعكِس الأدب عمومًا في جانبه المُهمَّش أو المركز على سبيل الشّعر الجاهلي أو قصص الكرامات…
وفي الجانب الحضوري قدّم البروفيسور مولاي متقدم من جامعة المدية مداخلته الموسومة بـ: تمثيلات صورة الرّجل وسؤال المُضمَر دراسة في الأمثال الشعبيّة الجزائرية، مداخلة جاءت خِلافًا لِلمألوف حول تدخُّلات درست في أغلب الأحيان صورة المرأة بحُكم أنّها كانت النّاقل والحافظ للأمثال الشعبيّة، وهذا بديهيّ أن تُقام عِدّة دراسات حولها… أمّا هذه المداخلة فجاء تبئيرها على زاوية الرّجل، ومحاولة البحث في نصيبه وحظّه من هذه الأمثال وسؤال المُضمَر لمعرفة المكانة التي يشغلها هذا الرّجل في الموروث الحكائي الشّاسع والخصب.
كما عرف نفس المؤتمر مداخلة أخرى الدكتور عثمان مجدوبي من جامعة الجزائر2 بعنوان: الأنساق المُضمَرة في متون مِن نماذج مختارة من الأمثال الشعبيّة، والتي تُعدّ موروثًا ثقافيًّا واجتماعيًّا يُعيدنا إلى زمن مختلف بمظاهر حياته البسيطة، وثقافة المُنتمين لها بأنساقهم المختلفة، فهي واحدة من أهمّ طرق نقل الثّقافة بين الأجيال المتعاقِبة شفهيًّا، وقد حاولت هذه الدّراسة النّظر بجِدّ في الأمثال الشعبيّة مِن زاوية النّقد الثّقافي وأنساقه المُضمَرة من خلال مادّة الأمثال الشعبيّة مُمثَّلةً في كشف الأنساق المُضمَرة لعِدّة نماذج، كخبر العروس التي أصبحت حديث العامّ والخاصّ بعد نشازها، وحنّة أظافرها لا زالت باقية -أي حديثة العهد بالزّواج- وانقسام المجتمع بين مُتضامِن وشامِت كأنساق جدليّة مُضمَرة…
أمّا الدّكتورة بوقفسة صابرينة من جامعة تبسة فمداخلتها المُعمومة بنسق الطوطامية والدّيانات البدائيّة قراءة في نماذج حكائيّة جزائريّة، تمحورت فكرتها حول أن الحكاية الخرافيّة من أكثر الأشكال التعبيريّة اتّصالًا بالواقع، فهي تعكِس حياة الإنسان بكلّ تفاصيلها، وقد شكّل السّحر والخوارق طبيعتها العجائبيّة ورسمت الحكاية الخرافيّة الجزائريّة أرضيّة خِصبة للتّراث المحلّي بكلِّ أطيافه وأنواعه ما يعكِس بقايا معتقدات دينيّة قديمة كالسّحر مِن جهة، أو لربّما مجرّد رموز متطوِّرة لبقايا تأمُّلات بائدة مِن جهة أخرى، نسق الطوطامية مهمّ ومُلفِت للإنسان، وهو ما يُشبه تأليه الحيوان وتأليف حكاية فانتاستيكية حوله تجعله بطلًا مُمتسخا ومُتحوِّلًا ومُؤنسنًا..
كما حاولت من جهتها الدكتورة عرجون الباتول من جامعة الشلف البحث في ما وراء ثقافتنا المُهمَّشة والتجلّي الرّقمي الجديد، لأنّ الذاكرة القيميّة الوطنيّة تُعدّ الوعاء الجامع لثقافات الشّعوب، ويُعدّ العالم الافتراضي الجديد مصدرًا هامًّا للحفاظ على الذاكرة الثقافية، ومنها ثقافتنا المُهمَّشة وما تحمِله مِن قيم نسقيّة مُضمَرة هي جزء لا يتجزّأ من الهوية، ومنه جاء الاشتغال في هذه المداخلة على الذّاكرة الثقافيّة المُهمَّشة عبرَ وسائل التواصل الاجتماعي الشّعر الشّعبي الغنائي أنموذجًا، الذي يَسرِد بشكله القصصي السّردي وقائِع وأحداثًا من قلب الثّورة الجزائريّة، مثل: الطيّارة الصّفرا” و”جينا من عين مليلة”…
و بعُمق كبير أشار الدكتور يوسف رحيم إلى دور الأنساق الثقافيّة والمُضمَرة في أسطورة الحكاية الشعبيّة بالكشف عن المُضمَرات النسقيّة، والعمل على استقراء رموزها وتضمره من أبعاد ثقافيّة، لأنّها تحظى بقراءات مُتعدِّدة لِما فيها من مرجعيّات فكريّة وأيديولوجيّة مُتعدِّدة، كما أنّها تحمل في طيّاتها أكثر مِن ثقافة فهي ذات حمولة معرفيّة وفلسفيّة ورؤية حضاريّة إنسانيّة تتجاوز البُعد الجغرافي والعقدي، بالإضافة إلى إرسائها لقيم أخلاقيّة وتربويّة هادِفة تُساهم في تشكيل البراديغم الثّقافي في المجتمع، حيث بدأ الانتقال بالبراديغم الشّعبي مِن الهامش إلى المركز مع كلود ليفي ستراوس في كتابه العرق والتّاريخ، والذي غيَّر الكثير من القناعات.
بقلم إبراهيم جزار
