جدليّة التاريخيّ والإبداعيّ في رواية “المتشابهون”
للكاتب المصريّ “أحمد طايل”

د. فوزية الصفّار الزاوق
تمهيد:
يهدف هذا الفصلّ الذي وسمناه “بجدليّة التاريخيّ والإبداعيّ ” في رواية “المتشابهون” لأحمد طايل، إلى إثارة إشكاليّة مهمّة تتناول العلاقة بين النصّ السرديّ والنصّ التاريخيّ دون أن تمسّ أدبيّة هذا بتاريخيّة ذاك. إنّها تقوم، في جوهرها، على نواة تاريخيّة في حين أنّ كتابة الرواية فنّ له مقوّماته. لذا سنسعى، في هذا الفصل، إلى توضيح الخطوط الفاصلة والواصلة بين الروايّة كنصّ إبداعيّ من جهة، والمدوّنة التاريخيّة كنصّ تاريخيّ توثيقيّ من جهة ثانية لا شكّ أنّ عديدا من الاستفهامات يمكن أن تطرح في هذا المجال: كيف يتفاعل النصّ التاريخيّ مع النصّ السرديّ؟ كيف يتفاعل النصّان ويتناغمان رغم الفوارق الدقيقة بين التاريخ والإبداع؟
ولعلّ، من المفيد، أن نذكر هنا، أن كلمة تاريخ ، في اليونانيّة ، تعني البحث عن مقاصد الأحداث، وهي تتوارى عن الوجود، ولكن السارد مشغول بفعل السرد المحض. ولا يخفى ، على القارئ الحصيف ، أنّ التاريخ يرنو إلى الثبات في حين أن السرد في ارتحال دائم عبر الزمان والمكان ، وهو يرسم تاريخ الكائن في الوجود ، عبر أفانين من القصّ ، لا تعرف الثبات على حال ، وذلك من خلال انفتاح نصّه على أكثر من جنس.
التعريف بالمؤلّف وتنزيله في إطاره من التجربة الروائيّة:
1) من هو أحمد طايل؟

هو كاتب ومحاور أدبيّ، ومحلّل سياسيّ، وروائي مصريّ، من مواليد محافظة الغربيّة (طنطا) سنة 1956، شُغف بالكتابة منذ مراحل التعليم الأولى، كانت حياته مشدودة إلى الأسرة. إنّه، يُجيد الجلوس والسماع لحكايات الأب وأصدقائه، كما يجيد الجلوس والإصغاء لحكايات الأمّ والنساء المقرّبات منها. إنّه، كذلك، كان شغوفا بقراءة الكتب وتلخيصها، وخوض المسابقات في القصّ والشعر ، والاطّلاع على الكتب المستعارة من مكتبات قصر الثقافة ودار الكتب. المهمّ، في رأينا، أنّ قراءاته تنوّعت، وتشابكت، ولم تتوقّف على قراءة القصّة والرواية بل تجاوزتها إلى القراءة في فروع شتّى من العلوم الإنسانيّة انطلاقا من علم النفس وعلم السياسة وعلم الاقتصاد مرورًا بعلم الاجتماع وعلم التاريخ وصولا إلى الاستفادة من شتّى الفنون السمعيّة و البصريّة و الفنون التشكيليّة، يُمازجها فنّ الرسم، وفنّ المعمار، و فنّ المسرح، و الموسيقى، و الرقص.
بدأ يكتب بشكل يقرب من الاحترافيّة منذ المرحلة الثانويّة، و لا شكّ أنّه ، في رحابها، حصد المركز الأوّل في القصّة.
عمل لبعض الوقت في الصحافة، مُراسلا ثقافيّا “لأخبار الأدب المصريّة” تحت رئاسة الأديب والمبدع والصحفيّ جمال الغيطاني، وكانت بداية قويّة، عرّفته بالكثير من أصحاب القلم. وكتب أيضا المقالات بالصحف الإقليميّة منذ بداية الثمانينات، وعمل كذلك بالصفحة الثقافيّة ” الرأي للشعب”، والتي كانت تصدر عن دار الشعب بإشراف حنفي المحلاوي. وقد وقعت كذلك استضافته للعديد من اللّقاءات الأدبيّة، داخل مصر وخارجها، ممّا أكسبه تجربه ثقافيّة ثريّة. ثم اتّجه إلى إجراء الحوارات الأدبيّة مع العديد من كبار الكتّاب والكاتبات في مصر وخارجها.
من إصداراته:
أ- حوارات:
* على أجنحة أفكارهم، “إطلالات ثقافيّة” (حوارات أدبيّة) ، دار القاصد بطنطا ، 2006
* شواطئ إبداعيّة (حوارات أدبيّة) ، دار القاصد بطنطا 2008
* أثثّ العديد من الفعاليّات الثقافيّة “باتّحاد كتاب طنطا” للعديد من الأسماء الباسقة في دنيا الثقافة والفكر
ب- روايات:
1- ” الوقوف على عتبات الأمس”، دار الطباعة والنشر والتوزيع عين حورس 2021، وقد صدرت هذه الرواية في طبعة ثانية، دار سمير منصور للنشر والتوزيع بغزّة: فلسطين،2023.
2- “متتالية حياة” ، دار عين حورس للطباعة والنشر والتوزيع، 2021.
3- “المتشابهون”، مكتبة سمير منصور للنشر والتوزيع، مصر 2023.
4- “شيء من بعيد ناداني” مؤسّسة أفرا للدراسة والأبحاث، المملكة المغربيّة، 2024.
5- “رأس مملوء حكايات” مؤسّسة أفرا للدراسة والأبحاث، المملكة المغربيّة، 2024.
6- عيد ميلاد ميّت …!
التقديم الماديّ للكتاب
بين أيدينا اليوم كتاب عنوانه “المتشابهون” للروائيّ المصريّ أحمد طايل، صادرة عن دار سمير منصور للنشر والتوزيع بغزّة فلسطين 2023.
في عتبات النصّ الروائيّ:
العنوان:
يعتبر العنوان من العتبات الهامّة التي أولتها الدراسات الأدبيّة والنقديّة عناية خاصّة. إنّها العتبة الأولى التي نلج من خلالها المتن السرديّ. وما العنوان، في المطلق، إلاّ نصّ مختزل ومكثّف ومختصر بنية ودلالة.
جاء العنوان في هذه الرواية كلمة واحدة، مُعرّفة بالألف واللاّم، في صيغة الجمع. ولقارئ هذا النصّ الروائيّ أن يتعرّف على الوظيفة التأويليّة، وأن يفكّ شفراته التي تساعد القارئ على فكّ ألغاز الروايّة، والوقوف على مرجعيّات الكتابة فيها. إنّنا تجاه عنوان يبدو، في الظاهر، باهتا، ولكنّه، في العمق، مُخاتل، يُوحي بأكثر من معنى. يتجاوز فيه المتخيل الواقع ليشمل القارئ والكاتب معا.
ومن العنوان نتسللّ إلى ورقة الغلاف، وهي العتبة النصيّة الثانية، وردت قاتمة وضبابيّة إلى حدّ مّا. تُواجهنا فيها للوهلة الأولى “كوكبة من الرجال يجرّون أجسامهم جرًّا ويسيرون إلى الأمام في اتّجاه واحد، ويحلمون في مسيرتهم تلك بغد أفضل. ومن الورقة الأولى من الغلاف نصل إلى الورقة الرابعة منه، من المفيد أن لا نقف عندها طويلا ، لأنّها تردّد ما جاء في تصدير الكتاب.
ب- في عتبة التصدير:
يسمها كاتبها بـ “يخلق من الشبه أربعين … جملة تتردّد دومًا بالكثير من الأمور الحياتيّة … الغالب الأعّم يقولها بشكل أقرب للعبثيّة، غير قانع أنّها حقيقة مؤكّدة. لكلّ منّا من يشبهه ملامحا، روحا و فكرا ، فليبحث كلّ منّا عن المتشابهين ليأتنس بهم”.
يُعدّ هذا التصدير مرجعيّة هامّة يؤسّس للنصّ الأدبيّ حينا ، ويَنشّط أفق انتظاره أحياناً أخر. صدّر أحمد طايل روايته بمثل شعبيّ، كثيرا ما كان يتردّد بين الناس، و” يخلق من الشبه أربعين. وهو تعبير مجازيّ مُبالغ فيه، يصف، في الظاهر، شدّة الشبه بين شخص وآخر، وفي الباطن يوحي بأكثر من معنى ، وتذهب فيه النفس كلّ مذهب. والمتأمّل في هذا النصّ يدرك أنّ هذه الظاهرة موجودة على مرّ الأجيال والعصور، قد يتجلّى، في الملامح والبنية الجسديّة حينا، وقد يبدو في ضرب من الكياسة والفطنة حينا آخر ، وقد يتجلّى أحيانا أخر في تشابه الطقوس، وأسلوب التعامل مع كلّ زوايا الحياة، و المواقف ، وقد يتعدّى ذلك إلى تشابه في الفكر والروح والرؤى. و قد تتباعد بنا الحياة ويأخذ كلّ منّا مسارًا مختلفا على الآخر، ومع هذا يبقى التشابه كامن فينا،” من بعيد ينادينا”. المهمّ، أنّ هناك خطّ ناظم يوحّد بيننا جميعًا، هو هذا التشابه المضمر حينا والمظهر أحيانا، إنّه الفهم المشترك بيننا، إنّه التشابه المتوارث بين الأجيال وعبر سير الآباء والأجداد. لكلّ منّا أصفياؤه، حتّى لو تباعدوا أعواما طويلة، تراهم يعودون لبعضهم من جديد، وكأن الفراق لم يحدث، فيرتبطون ببعضهم ارتباطا روحيّا وفكريّا وإنسانيّا للمُصالحة مع الذات، لذا لا بدّ أن نبحث بلا كلل عمّن يشبهنا لنجد راحتنا.
والخلاصة أنّ التشابه مطلوب، والاستثناء منشود، والانسجام والتناغم والألفة تبقى مقصدا محمودا من مقاصد الشعوب.
رواية “المتشابهون” كيانا أدبيّا جماليّا:
الرواية جنس أدبيّ مُستحدث، يُضاهي بقيّة الأجناس السرديّة. والمتأمّل، يُدرك أنّ الرواية، في ظاهرها، تعبير عمّا يختلج الذات الإنسانيّة، وفي باطنها، حوار مع قارئ فعّال، يُشارك الكاتب في تأليف معانيه. إذن، كلّ نصّ أدبيّ، رهين ما يُحدثه في نفس المتقبّل من تفاعل عبر اللّغة. وفي، هذا المعنى، يقول الناقد الأدبيّ والفيلسوف الفرنسيّ رولان بارت “إنّ الأدب عمل في اللّغة”.
أ- التقديم المعنويّ للرواية:
قرأت رواية “المتشابهون” للروائي أحمد طايل وشُغفت بها، أعدت قراءتها أكثر من مرّة، فاستبان لي ، الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، فزدت بها ولعًا وأيقنت بأنّ لهذه الرواية مذاق مختلف ونكهة مخصوصة. أنفق منشؤها زمنا طويلا في سبر أغوار ذاته في مختلف أبعادها عبر تجربة اللّغة عن طريق المعاني المنبثقة من مخزون الذكريات. إنّه لا يبثّها، كما هي، بل يُعيد تشكيلها وصياغتها تشكيلا غائيّا، يحمل رؤيا مخصوصة بها. إنّه، في رحابها، يُقيم عَوَالِمَهُ الخياليّة والحسّية، ويربط بينها جُسورا من التواصل والتفاعل لإبداع المعنى المنشود، علّه يجدُ ملاذا روحيّا للخواء الذي يسكن ذاته، ليُحلّق بعيدا في الأفق.
إنّ المطّلع على هذه الرواية، ولو على عجل، يُدرك أنّ صاحبها تجاوز فيها المنوال المألوف، متطلّعا إلى كتابة نصّ مُستحدث، لا يخلو من طرافة، يَحْوِي حدثًا مركزيّا يمزج الواقع بالمتخيّل، ويُحيل على ذات الكاتب، وهو يُنشئ أدبا أصيلا” له مناسكه وطقوسه إنّه، على حدّ تعبير الناقد التونسيّ المنجي الشملي، ” فيه للروح متعة، وللقلب غذاء وللعقل نور”.
ولا شكّ ، أنّ أيّ عمل إبداعيّ ، هو تعبير عن الذات التي هي محور العمليّة التخييليّة ومادّتها ومضمونها معا، يُغذّي السرد، ويُؤطّر الحكاية، ويُستعيد التجربة الحياتيّة بُغْية ” تأسيس مَلْفُوظ قادر على غواية القارئ واستدراجه إلى الانخراط في القراءة والتأويل وإنتاج النصّ” إنّها فنّ كلام ، واستعادة لحكايات الإنسان، كما ارتآها الكاتب. إنّ رواية “المتشابهون”، خطاب سرديّ أدبيّ، جُلّه ” إمتاع ومؤانسة”. ولا يخفى على القارئ الفطن أنّ الإمتاع فيه ليس غاية في حدّ ذاته، بقدر ما هُوَ نِضَال وتمرّس باللّغة. حلّق بعيدا، ولكنّه وجد نفسه يُعاني اختناقا عكّر عليه صفو حياته، فأراد، أن يُراجع نفسه، علّه يستطيع أن يصلح شيئا ممّا قد فسد في مُجتمعاتنا.
بنية الرواية:
تتضمن رواية “المتشابهون” أربعة عشر لوحة فنيّة، قابلة لقراءات متعدّدة، قراءة واحدة لا تكفينا، للنفاذ إلى جوانبها الخفيّة. إننّا، إزاء مهرجان فنون، تتعطّش له النفوس الظمأى لكل فنّ أصيل. إنّ المؤلف، وهو ينشئ نصّه الروائيّ، يحفر عميقا في ذواتنا، ويُخاتل قارئه ويرسم له رؤى فلسفيّة، تدفع به إلى التفكير دفعا. جاءت هذه الرواية مشحونة بقضايا متنوّعة، يُهيمن عليها الوصف في نصّ يفترض سيادة السرد.
تنفتح اللّوحة الأولى من الرواية على سهاد تملّك بطلنا وهيمن على كيانه تدريجيّا. تجاهله، بادئ الأمر، ولكن، عندما أيقن من سيطرته الكاملة على حياته انزعج وأصابه صداع شديد، وتتالت عليه التساؤلات، واحتار في أمره، فراجع نفسه لِمعرفة السبب.
إنّه، طوال عقود عمره، كان يتعامل مع الحياة بمرونة تامّة. كان يعتنق شعارًا ينير سبيله، لم يَحِدْ عنه، ولو مرّة على سبيل الخطأ، مُفاده ” ابتسم للدنيا تضحك لك”. ولكن، مع الزّمن، طرأت عليه تغييرات هزّت كيانه آلمته واستولت عليه توتّرات نغّصت عليه حياته، فتستّر عليها، حتّى لا يتفطّن لوجعه أحد، وإذا به يحكم غلق باب الحمّام من الداخل، وينظر في المرآة ويزداد جزعه، بِتَوسع مِسَاحة الشعر الأبيض حتّى كاد كِسَاءُ الرأس يكون أبيض بشكل كامل، وقد زاوجت تلك المساحة من الشعر الأبيض تجاعيد، استولت على الوجه والعنق مع انكماش بالجلد المصاحب لها، ممّا زاد في كَدره. ومع، مرور الأيّام، كان يشعر بزيادة مساحات الغصّة داخله، فتنهال عليه الأسئلة، ويُغمغم فيما بينه وبين نفسه، ” لِمَ يحدث كل هذا؟ “. ويأخذه حزن عميق على زمن مضى وانقضى تاركا البعض من ذكريات جميلة لها مساس بطفولته وشبابه مخلّفة شيئا من الوجع.
والمتأمّل في سلوكيّاته يُدرك أنّ السارد تغلّقت أمامه السُّبل ولم يصل إلى إجابة مقنعة، تُخرجه من حيرته رغم الجهود المبذولة للتحرّر ممّا أصابه، سوى اقترابه من سنّ التقاعد. إثرها استولى عليه شيء من الإحباط واليأس، فاستسلم لمشيئة الخالق، ورفع رأسه إلى السماء مُتمتما ” لك الأمر من قبل ومن بعد”، وتملّكه إثر ذلك شرود، لم يستطع التخلّص منه لشدّة تكتّمه. كان، في الغالبّ بشوشا بزملائه في العمل، رغم الهزّات النفسيّة التي تعتريه بين الفينة والأخرى، ولكن لسائل أن يسأل متى انبثقت صلته بهم أصلا؟ يبدو أنّهم لا يعرفون عنه شيئا وكأنّ العلاقة معه بدأت وتعمّقت، يوم دعاهم جميعا، إلى بيت والده لحضور ليلة زفافه. كان، عمره أنذاك عشرون سنة، يومها كان شابّا طويل القامة، منتصب الهامّة، حِنْطيّ البشرة، الخجل يكسوه تمامًا. يومها عرفوا أنّه كتوم، لا يُحبّ، أن يتسلّل إلى حياة أحد، كما لا يريد أنّ يتسلّل أحد إلى حياته … “لَمْ يَعْرفوا له أصدقاء، ولم يُحاولوا أن يعرفوا”. إنّه تزوّج زواجا باذخاً رغم أنّه موظّف عاديّ بشركة عموميّة كيف حصل له ذلك؟ لما لا تحدث المعجزة ويشبهونه؟
إنّ المطّلع على هذا النصّ الروائيّ، يدرك أنّ الكتابة، عند أحمد طايل، ليست حكاية تُروى أو مجرّد مُتعة، بقدر ماهي مِحْنة ونضال ومحاولة لتخفيف ضُغوط الإكراهات، بالتعبير عمّا يختلج النفس من جراحات ومواجع. اتّبع فيها صاحبها نسقًا ومنهجًا في الكتابة، يتماشى وروح العصر، وحلاوة العبارة وبساطتها، ومرارة الواقع وتعقّده.
إنّه خطاب سرديّ، جُلّه “إمتاع ومؤانسة”، والإمتاع، في رحابه، ليس غاية، في حدّ ذاته، بقدر ما هو نضال وتَمرُّسٌ في اللّغة وأساليبها، علّه يقتنص، متلقّ قادر على خلق نصّ جديد ، يُشارك الكاتب إنشاء معانيه والتكيّف معها، وفيه يُفصح عن بعض ما كان يختلج داخله من ذبذبات، ومشاعر، وأحاسيس، وفيه يُعبّر، عمّا كان يزدحم، في خاطره، من أفكار ورؤى ومواقف.
ثمّ تقدّمنا في قراءة الرواية، وهي تسرد على مسامعنا، قسطا من حكاياتها الحمّالة لجملة من القيم الانسانيّة، انطلاقا، من ليلة زفافه “التي ظلّت حديث الوزارة وأزقّتها زمنًا”، يُضاف إليها الكثير من بهارات الحكايات، إذ كيف لإنسان يتمتّع بكلّ هذا الثراء والرفاهيّة التي تكفي أجيالا من بعده، أن يكون مجرّد موظّف حكوميّ؟ بل كيف لإنسان مثله، أن يعمل بالوظيفة العموميّة والدخل الشحيح؟ بل قل كيف له أن يتحمّل التعلّق، ذهابا وإيّابا، بأبواب المواصلات بمقابل زهيد؟ إنّهم يتساءلون ولا يخجلون.
ونتعدّى الأمور الماديّة لنلمس جوهر القضيّة: كيف لمن له كلّ هذه الثروة والجاه أن يعمل تحت إمرة رؤساء، بعضهم نرجسيّون وبهم قصور نفسيّ، يمارس سلطويّة السلطة بشكل مرضيّ مُقابل حفنة جنيهات؟ ولم يقف السارد عند حدّ التساؤل، بل تعدّاه إلى السخريّة اللاّذعة من علية القوم، هؤلاء الرؤساء والمسؤولين المتكبّرين والمعقّدين الذين يتعاملون مع موظّفيهم بطريقة تمس إنسانيّتهم؟ وكأنّنا بأحمد طايل يتسلّل لينقد الأنظمة الإداريّة التي تُسئ إلى الموظّف. وكأنّنا، بين الفينة والأخرى، نتحسّس بين جنباته، ملامح ثورة تتأجّج، أبى إلاّ أنّ يبوح بها رمزًا. إنّهم يتساءلون، وهم في حيرة، من أمرهم كيف له أنّ يعمل في مثل تلك الظروف؟ وفاتهم، أن الثروة، مهمّا بلغ مداها، لا تثبت على حال، وأن لا شيء في هذه الدنيا، يضاهي قيمة العمل الدؤوب لفرض الذات في مجتمع يؤمن بالعمل. إنّه أمسى، في نظرهم استثناء. في العادة، المحتاج يعمل، وفي روايتنا الثريّ يعمل أيضًا، لإثبات ذاته بالوظيفة، علّه يتجاوز الموجود ليبلغ المنشود. إنّهم، لم يصلوا إلى إجابة شافيّة وكافيّة لإرضاء فضولهم فسلّموا أمرهم مردّدين ” لله في خلقه شؤون” ، وكأنّ، من العسيّر، أن نغير عقليّة اعتادت الخمول.
إننّا، إزاء روائيّ، عاش في النصف الثاني من القرن العشرين والربع الأوّل من القرن الحادي والعشرين، قادر على إغناء النصّ الروائيّ بمواضيع ثريّة، تمسّ المجتمع الإنسانيّ، من قريب أو من بعيد، مثل قضيّة الزواج التقليديّ. وكأنّ الكاتب يصرخ، ولا نقف على رجع صدى لصراخه في نفوس، تعوّدت الخمول والتقليد الأعمى للسّلف. والمتأمّل يدرك أنّ حيرة كاتب فرد هي أيضا حيرة جيل من المثقّفين، يرفعون أصواتهم في آن ليطالبوا بتغيير وتطوّر حتميّ، يفرضه العصر فرضا، مُفاده ثورة على التقاليد والعادات التي تجاوزتها الأحداث متسائلين إلى أيّ حدّ وإلى أيّ مدى نظلّ راضخين لسلطة الأباء الباحثين، دوما، عن مصاهرات تزيد من وجاهتهم الاجتماعيّة، غير مُبالين براحة أبنائهم النفسيّة، وغير مُبالين بتغيّر عقليّة الأجيال مع تغيّرات الأزمنة؟ إنّهم على الدوام، حريصون على تطبيق ميثاق العائلة حتّى ولو تجاوزته الأحداث.
والمتأمل في سمات بطلنا، في هذه الرواية، يدرك أنّه لم يشذّ عن القاعدة، بل هو الآخر تزوّج زواجا تقليديّا، وهو في سنّ العشرين، وحَظِي بِزَوجة تستجيب للمقاييس التقليديّة الموروثة حينا، وقد تتجاوزها بمحض الصدفة حينا آخر، ولكنّه في العمق، لم يهضم ما أُمْلِي عليه من عادات وتقاليد وسعى سعيا دؤوبًا ليتأقلم مع العصر. تقبّل بطلنا زواجه التقليديّ عن مضض مُعتنّقا الصمت مسلكا في حياته. كوّن عائلة، رزقه الله بنتا وولدا، سهر هو وزوجته، اللّيالي الطوال لرعايتهما وتوهّما معا، أنّهما سيملأن حياتهما حُبورا، تخيّلا أنّهما سيستعيدان شبابهما وطفولتهما عبر ضجيج الحفيدين وهما يلعبان أمامهما في ساحة البيت، ولكن لا شيء من ذلك، قد حدث. هبّت عليهم باسم الحداثة ريح صُنّاع التغيير فقتلت فيهم قيما ساميّة، تربيّ عليها الأبناء في سالف العهود، وفسخت، من أعماقهم كلّ شيء، حتّى صلة الرحم. قضت على الودّ والدفء العائليّ من أعماقهم فاغتاظ الكاتب لما حدث، وصرخ في وجه صنّاع الحداثة، قائلا “هل من العدل أن نتعب ونسهر اللّيالي ونكبر ونحلم بهم معنا … وعندما نصل إلى محطّة الحلّم واكتمال تحقيقه تأتي الزوجات وتبتعد بهم عنّا”، ويمتلكه شيء من الإحباط، ويستولي عليه اليأس والقنوت، لما آلت إليه الأمور عبر تشتيت شمل العائلة ، عن وعي منهم أو عن غير وعي” يقول ، وقد استولى عليه شيء من الحزن، ذهب كلّ من الولدين: واحد إلى الشرق والثاني إلى الغرب، لا نراهم … لفترات طويلة، وإن حظينا برؤيتهم فنراهم من خلال الخصائص الإلكترونيّة … كلّ شيء أصبح مُعَلّبا داخل أنبوب، فقد رائحته وروحه. إذن، في هذا العالم الجديد، غابت الروح، وفقدت الحياة نكهتها، فاهتّز السارد لما حدث وأراد أن يُكسّر القاعدة، ويعيش حياته بالطول والعرض، كما يريدها “هو”، لا كما رسمها “الأجداد”، وتساءل، بينه وبين نفسه، قائلا: ” ألا يحقّ لنا أحيانا ونحن نسير على درب النضج والتقدّم في السنّ أن نتجاوز المألوف من العادات والتقاليد البالية، علّنا نُصلح حالنا ونعيش، ما بقي من حياتنا، على الدرب الملائم لمستجدّات العصر” صحيح أنّه، ” تمرّد متأخّر، ولكن، به نستطيع الحياة بشكل مُغاير”. وكأنّنا بالروائيّ أحمد طايل يفكّر مليّا في ما ألت إليه الأمور، يضع الكثير من المسائل والقضايا والإشكاليّات على بساط الدرس والمراجعة وإعادة النظر.
إنّنا إزاء روائيّ مثقّف، مؤمن بأنّ الإنسان خليفة الله في الكون، مؤمن برسالته في الحياة، وكذا مؤمن بقدرته على الفعل والإبداع والتجاوز. إنّه عقد العزم وطرد الكسل الذي ألمّ به ، واستولى على كيانه وكاد يُشلّه، وقرّر أن يغيّر منهج حياته، كما يريد “هو” وكما يلذّ له، ويتوافق مع مزاجه. أدرك أنّ الزواج مغامرة لا صفقة تحاك خيوطها في الخفاء، وأنّ الحبّ انصهار وذوبان، لا مجرّد حسابات. آمن بأنّ “زوجته أنثى لكلّ الأوقات والفصول، وقد أعطته كلّما حَلُم به، وأبى أن يكون لغيرها …؟ ” “وضع يده على كتفها، تبعثر شعرها الأسود الفاحم المسترسل … سار بها إلى غرفة النوم جلسا على حافّة الفراش، يتلمّس جسدها بأصابع عازف ماهر، استكانت بحضنه، طرحها على الفراش أخذ يُقَشرها من ثيابها. يُقبل الثياب، كلّما قبّل جزءا تمُوء مثل قطّة سيامي جميلة … أقبل كلّ منهما على الآخر مُلتحمين ومُنصهرين تماما، “أحسّ هو” و “أحسّت هي” كأنّهما بليلة زفاف أولى … تساؤل يتصاعد داخلهما عن سبب التغيير الذي ألمّ بهما في وقت واحد، وكأنّه الإحساس بحاجتهما إلى الاحتواء”. إنّي أسأل …
إن المتأمّل في مجريات الأحداث، يدرك أنّهما قد أصبحا يعانيان وحدة وغربة في عالم غريب انقلبت فيه الموازين، وانخرمت المنظومة، وتلبّدت فيه المشاعر والأحاسيس، وأمسى الكلّ أسير الذاتيّة والأنانيّة والمصالح الخاصّة، وقد ابتعدوا بُعْدا كليّا عن موروث عاداتهم وطباعهم وتقاليدهم، حيث الودّ والتراحُم مُتجذّر فيهم بشكل عفويّ. ومُذ شُعُر الآباء بهذا الفراغ، وأرادوا أن يكونوا فاعلين إيجابييّن، راجعوا أنفسهم وأخذوا حقّهم من الحياة عُنوةً، واتّخذوا موقفا جريئا من هؤلاء الأبناء، والتزموا شعارا، يؤمن بحريّة الفرد ومعناه ” تُؤخذ الدنيا غِلاَبا”. وإثر هذا التغييّر الطارئ، آمنت هذه الزوجة بذاتها، وخرجت من عُقْدة الكبت والهمس والشعور بالذنب، واستعادت ثقتها بنفسها. وآمن زوجها كذلك بتفرّدها، وأنعم الله عليه بالبصر والبصيرة وأمسى يرى الأمور بمنظار جديد، ينطلق من الذات، ومن الواقع، وأمست الزوجة، عنده، أشبه “بموناليزا” هذا الزمن أو “نفرتيتي” فاتنة الفراعنة. فاعتملت في ذهنها العديد من الأفكار وألقت من على عاتقها كَدَرَ السنين، تقول، في خيلاء، “اللّيلة كانت غير كلّ اللّيالي، للمرّة الأولى يتفوّه (زوجها) بالحبّ صراحة وبصوت عال، كان يكتفي بالهمس الشحيح. البارحة أسمعها أحلى الكلمات … تحوّل إلى شاعر من الكبار …” لذلك شعرت في هذه اللّيلة بغير ما شَعُرت به طوال سنواتها السابقة معه. في هذا اليوم شَعُرت “كأنّها ابنة العشرين، شعرت كأنّها ليست هي … وقفت أمام مرآتها تتأمّل وجهها، وجه ضاعت منه التجاعيد التي كادت تُرسم على جبينها، مرّرت يدها على الوجه كاملا يا الله ما هذا؟ بشرة ناعمة … ابتسمت لذاتها …” ومن ثمّ يمكن أن نستشفّ من تلك اللّوحات الفنيّة مدى تلاقح النصوص وتمازجها، حيث يلتقي النصّ الواحد بأكثر من نصّ، وحيث يتحول الحبّ الصادق والأحاسيس العفويّة مع مطارحة الجسد إلى إكسير، به تتجدّد الخلايا، ولا يتركنا نترهّل ونستسلم لفعل الزمن فينا. ومن ثمّ أدركت هذه الزوجة المثقّفة، المستنيرة بالعقل، أنّ الحبّ ليس مجرّد كلمات تُقال بل أفعال عفويّة تَصِلُ بصدق إلى مُتلقيها. وقد يُعاودها نوع من الحرج أحيانا، ويستولي عليها خجل السنين فتُذكّر زوجها بتقدّمه في السنّ قائلة: ” ما بك يا رجل؟ هل أُصِبْت بداء مراهقة الشيخوخة؟ أنسيت أنّك جدّ.” فيتدارك زوجها الأمر ويرفع عنها اللّبس، قائلا: وَهَل السنّ أيّا كان يمنع أن تعيش الحبّ، وأن تُمارسه وتتمتّع بمذاقه، فالحبّ لا يعرف الشيخوخة”.
والمتأمّل في رواية “المتشابهون” لأحمد طايل يدرك أنّها غنيّة بالشخصيّات، وكلّ شخصيّة منها ترمز إلى مراجعة مّا، لبعض مشكلات ومعضلات مجتمعاتنا، ومن أبرزها، في هذه الرواية، قضيّة الزواج التقليديّ الذي لا يخلو من سلبيّات. فقد تتزوّج وتتأقلم مع واقعك وتطفو على السطح بسلام، وقد يحدث لك ما حدث للسيّدة ثُريّا، هذه الفتاة التي لا تعرف عن زوجها شيئا فتفشل هذه العلاقة، ولم تتجاوز مدّتها الستة أشهر، لأنّها لم تجد راحتها النفسيّة، فيستولى عليها شحوب غريب وإحباط شديد، خلخل كيانها، ومع هذاأصرّت على الصمت في مجتمع متخلّف، لم تبح بمصابها لأحد “وأنت تعرف الأرياف ليس لهم إلاّ الحكي وتحويل الحبّة إلى قبّة”. وبعد عناء شديد جاهرت والديها بسرّها، “وانتصرت لنفسها وأنهت علاقة ولدت ميّتة”. ولنصرتها زارت بمعيّة والديها الطبيب الشرعيّ الذي أثبت عُذريتها قائلا: أنت فعلا لم يقربك أحد من قريب أوم من بعيد”، واعْتُبر يوم تسلّمها تقرير عذريتها وكأنّها ولدت من جديد، وبالرغم من أنّها كانت ضحيّة ظروف مّا وأنّ زوجها كان مريضا اعتبرت آثمة”.
ولمحو تلك الذكرى القاسيّة من مُخيّلتها، ارتأى الكاتب أن تواصل الفتاة دراستها الجامعيّة حتّى لا تقع في الخطإ من جديد قائلا: ” إنّنا أبدا نظلّ بحاجة إلى التعليم لأنّه يفتح أبصارنا، ويجعلنا نقرأ جيّدا مجريات الأمور. وواصلت مسيرتها بكليّة الآداب قسم اللّغات الشرقيّة، إذ بالعلم وحده تتّسع مداركها ونفهم معنى الحياة، ونتعلّم التروّي في أخذ القرارات. إنّها، بالعلم وحده ، تحرّرت من عقدها، وبالإدمان على المطالعة صقلت مواهبها وبزيارة المتاحف وأروقة الفنون، تهذّب ذوقها وأدركت أنّها إنسانة قبل أن تكون متاعا. وتعرّفت، مع الأيّام، على شخصيّات كبرى كان لها بصمة في حياة الشعوب ورُقيّها. وبعد إنهاء دراستها العالية تفتّقت مواهبها، ودخلت معترك الحياة من جديد بثبات وتزوّجت بمن تحبّ “هي”، لا بمن يختاره لها والدها.
وقد عالج أحمد طايل قضايا أخرى مستمدّة من الواقع الراهن وتتطرّق إلى موضوع هامّ يرسم هول الفوارق بين ناس
