صرخة الحرية بالألوان
الجرافيتي .. حكاية فن تحفظه الجدران
لتحميل العدد 27 كامل..
بقلم: عبد الفتاح بلحبيب
لا تكاد تسير بأي شارع في أية مدينة إلا وتجد بجدرانه شيئا ما عليها يكسر ألوانها الأحادية الباهتة، قد ترى في بعضها لوحات فنية يستحق راسمها الإشادة، وقد تبدو لك رسالة تقف لوهلة أمامها تناقش صحة فكرتها في سرك، وقد تجدها مجرد خربشة زادت الجدار كآبة وتشويها. في كل الحالات، ذلك هو فن الجرافيتي.
يعود أصل الجرافيتي حسب توثيق المؤرخين إلى الإنسان القديم أيام كان يستعين بعظام الحيوانات لينقش على جدران الكهوف كتلك الرسوم المخلدة بالطاسيلي ناجر بجنوب الجزائر، ثم مارسته الحضارات العظمى كالفرعونية والإغريقية والرومانية لاحقا. وعن أصل التسمية، فإن مصطلح الجرافيتي يرجع لغويا إلى اليونانية Graphein بمعنى يكتب، أو الإيطالية Graffiato المقصود بها الخدش. ومن هذا المنطلق اتخذ الجرافيتي تعريفه المعاصر على أنه فن الكتابة أو الرسم على الجدران.
وعلى ذكر المعاصرة، برز الجرافيتي بمفهومه الحالي سنة 1920 في الولايات المتحدة الأمريكية في عباءة تمرد السود على العنصرية والاضطهاد وسياسة الحكومة الممارسة ضدهم، ليتوسع انتشاره في النصف الثاني للقرن العشرين ويصل القارة الأوروبية أين ذاع صيته أكثر بإقامة أول معرض مخصص لهذا الفن بروما سنة 1979، خصوصا وأنه ارتبط بشكل وثيق بموسيقى الهيب هوب التي كانت ظاهرة القرن بامتياز.
ككلّ فن جديد، ترنح قبول الجرافيتي بين جمع من المرحبين رأوا فيه وسيلة تعبير مقرونة بالجمالية، وفريق من الرافضين -تتقدمهم الحكومات- تصف الجرافيتي بأنه تشويه بصري وخرق للقانون بتعديه على أملاك الغير دون تصريح. ليستقر الأمر بتغير الظروف الاجتماعية والسياسية على الاعتراف به كفن يدعمه الشباب ويعتبرونه متنفسا للتعبير عن الحب والانتماء والسخط.
بعيدا عن عبارات الغزل وشعارات الأندية الرياضية، مس الجرافيتي هامشا ثقافيا كبيرا للشعوب بتخليده لأعلام أدبية وفنية على جدران المدن حتى باتت رموزا ومعالما لها. أما نصيب الأسد فقد ناله الرأي السياسي بلا منازع، وكأن هذا الفن حافظ على السبب الذي جاء لأجله. وهو بالمناسبة أمر موافق لرؤية المؤرخ الفرنسي “ميشال دو سيرتو” الذي يرى طابعا جبروتيا في تقنيات الانضباط والمعاقبة في المجتمعات التي تسيطر عليها المؤسسات البيروقراطية المعقدة، ما يقود الشعب لانتهاج مجموعة أنماط للتعبير يمكن استغلال جمالياتها كسلاح للمقاومة مثلما استغل “بوب مارلي” موسيقاه في ذلك.
أمسى الشباب من ممارسي هذا الفن يكادون لا يفوتون مناسبة سياسية إلا وأدلوا برأيهم فيها بلوحات تدوم لزمن قد يطول، مناسبات قصيرة العمر كالانتخابات، وأخرى طال مكوثها واستفحلت من قبيل الظلم والعنصرية والقمع، كما يصبو بعضها لدعم القضايا الإنسانية والحركات الثورية.
بهذا الارتباط السياسي سيطر الجرافيتي على المشهد الثقافي خلال القرن الماضي في المجتمعات الغربية خصوصا في المجتمع الأمريكي عبر لوحات كانت تصف بوضوح معاناة السود، وترفع همتهم في مناهضتها من خلال رسم وجوه أبرز من دافعوا عن قضيتهم كمحمد علي كلاي ومالكولم إكس ومارتن لوثر كينغ مع تدوين أشهر العبارات التي جاءت في خطاباتهم وما تزال تتردد على الألسن إلى اليوم. كما تزامن انتشار الجرافيتي في أمريكا اللاتينية مع وقوف الوضع السياسي بالقارة على صفيح ساخن، من صدامات وثورات ضد الحكومات، إلى الدخول في معمعة الحرب الباردة. بينما زادت شهرة الجرافيتي عربيا والتفت حوله شريحة أكبر من الشباب باندلاع ثورات الربيع العربي، حيث صارت الشعارات على الجدران صوتا يطول تردد صداه، مع الإبقاء دائما على نصرة القضية الفلسطينية التي تعد بمثابة الختم الذي يثبت الهوية والانتماء.
نزعة التمرد التي عرف بها الجرافيتي جعلته يحتكر مكانة هامة بين أوساط الشباب لما وهبهم من حرية في التنفيس عن غضبهم وتحسيس من حولهم بأوضاعهم بمسحة جمالية تثير الانتباه حتى تجعل الرسالة تصل لمدى أبعد، لكن ماذا عن المرات التي يتحول فيها إلى تشويه للجدار ومحيطه؟
بنظرة مقربة، نلاحظ أن ظاهرة الكتابة على الجدران مردها لعدة أسباب أغلبها اجتماعي أو نفسي بتعدد مظاهرها وأمثلتها، بدءا بتدوين لقب الشخص أو حسابه على وسائل التواصل الاجتماعي في اعتقاد منه أن هذا سيقصر عليه المسافة للشهرة بشكل ما، إلى النقم ضد الوضع الذي يعيشه من فقر وبطالة، أو حتى السخط السياسي كإعلان تمرده ضد الأنظمة الأمنية أو وجوه سياسية بعينها. كما قد يأتي في هيئة تخريب متعمد للممتلكات الخاصة على سبيل الانتقام من أصحابها أو سخرية منهم، وقد يتمادى الوضع ليبلغ القذف أو التشهير.
ولم تسلم بطبيعة الحال الممتلكات العمومية من هذه الظاهرة التي يتعمد منها التشويه بتعابير عدائية تصدر كرد فعل سلبي ضد شخص أو منظومة معينة، مثل كتابة الألقاب التي يُنبز بها الأساتذة على جدران الأقسام في المؤسسات التربوية، وتعمد تدوين أقذع الشتائم في الأماكن التي تكون على مرمى عين الأساتذة والإداريين كمداخل الأقسام أو قريبا من مكاتب الأساتذة.
وقد يختلج الكاتب على الجدار كبت نفسي يدفعه لاتخاذ فعلته هذه متنفسا، وغالبا ما تكون عوامل هذا الكبت شخصية يعيشها كتجربة عاطفية فاشلة، أو مشكل عائلي، أو موقف كان فيه هو الطرف الأضعف وحز ذلك في نفسه؛ فتسفر في مجملها عن تدوين كلمات وشعارات تغلب عليها السوداوية.
الأدهى والأمر من كل هذا، هو الحالات التي لا يفسر فيها هذا الفعل سوى بأنه انعدام وعي، وارتفاع إلى حد الفيض من منسوبي عدم الاهتمام وعقلية “أنا وبعدي الطوفان”. الحديث هنا بشكل خاص عن عبارة “ممنوع رمي الأوساخ” التي لا تقل بشاعة عن كومة القمامة القابعة أسفلها، كأن كاتب العبارة ينزعج من الرائحة فقط لا المنظر، أين الضرر لو دُونت العبارة على لافتة وثبتت هناك؟ -هذا طبعا لا يرفع اللوم عمن يرمون الأوساخ أينما شاؤوا-. وفي تصرف آخر لا يقل إثارة للاستغراب والاشمئزاز على حد سواء، نجد من الناس من يأبى إلا توقيع اسمه على المعالم السياحية الطبيعية منها والتاريخية، فعل يثمر إفساد المشهد وكفيل بإعطاء السياح الأجانب انطباعا أوليا عن اهتمام ذلك المجتمع بثرواته وكيف يُقل تقدير تاريخه. ثم من يأبه لصاحب التوقيع إن كان قد مر من هناك أو لم يفعل؟ تلك معالم ورموز وحضارات، وليست ممشى المشاهير بهوليوود كي تترصع نجومه باسمه. وبأي منطق يكلف المرء نفسه عناء قطع مسافات طويلة وشاقة لذلك المزار، ثم يخربه بتلك البشاعة التي تتكرر وتتكاثر حتى تطمس الوجه الأصلي للمكان؟
هذه الظاهرة التي تغزو جدران المؤسسات والمجمعات السكنية لهي انحراف مؤذ يلزم التحرك للحد منه. وقد يكون أول الحلول الناجعة هو إعادة التوجيه والتحسيس بحجم سلبيات هذا التصرف، وهنا الدور لا يقتصر على الأسرة أو المؤسسة التعليمية فقط، وإنما أيضا إعادة “صلاحيات كف الأذى” التي استغنى عنها المجتمع بعدما نهشت الفردانية كيانه، فبعض التصرفات من رفض النصيحة وحصر مسؤوليتها على الوالدين وحدهما باتت ترغم الجميع على اتباع ثالوث القردة الحكيمة وألجمت أفواه كل من بهم رغبة في الإصلاح. التحلي بالصرامة حين اللزوم أيضا قد يسهم في تحقيق النتيجة المرغوبة، وهنا الحديث عن تنفيذ العقاب الموافق لحجم الخطأ ويراعي سن المخطئ. هذا من جهة.
من جهة أخرى، الحرص على إتاحة نطاق أوسع من حرية التعبير سيؤتي أكله بلا شك، ليس المقصود هنا حرية الكلام عن معارضة قرارات سياسية أو اقتصادية وحدها، فهذا جزء من الصورة فقط. الأمر يتعدى ذلك إلى دراسة قابلية تخصيص فضاءات خاصة للشباب يتعلمون فيها التعبير عما يعتريهم بلمسة فنية وجمالية قد تفجر طاقاتهم للخروج بلوحات تتوج إبداعاتهم.
وتوسيعا لعدسة الرؤية أكثر، على المؤسسات التربوية أن تضمن للتلميذ حريته في التعبير، شريطة أن تكون خاضعة لقواعد تمنع الوقوع في فخ التسيب أو التطاول، من قبيل منح التلميذ الحق –فعليا- في رفع شكوى ضد الأستاذ وعدم قمعه وإبداء الاهتمام لأقواله؛ حينها لن يضطر للجوء لقلمه وأقرب جدار إليه. شعور التلميذ بتوفر هكذا حل وبأن صوته مسموع؛ سيجعله يستلذ حرية الرأي ويدرك قيمتها منذ احتكاكاته الأولى بمحيطه، كما سيعزز ثقته بالهيئة التي تكفل له حقوقه، ومنه يحرص الراعي على إتقان واجبه ما دام يعلم أن أفواه رعيته ليست ملجمة.
في الختام، من الحتمي أن تُلحم كل الحلول المقترحة ببعضها إذا ما رغبنا حقا في إحداث التغيير والاستفادة من الجرافيتي الفن لا الخربشة والتشويه.






المراجع:
– خالد صلاح حنفي محمود، الجرافيتي … عندما تتكلم الجدران، موقع الرافد، نشر بتاريخ 09 أكتوبر 2023.
– سعيد كاظم راشد وعدي علي كاظم، دور التربية الفنية في منهجة الكتابات غير المنظمة على الجدران لدى طلاب المرحلة المتوسطة في محافظة بابل، مجلة جامعة بابل للعلوم الإنسانية، مج 28، ع 09، 2020.
– لبني فتيحة، محاكاة الواقع عبر فن الغرافيتي –قراءة سوسيوثقافية-، مجلة العلوم الإنسانية لجامعة أم البواقي، مج 08، ع 02، جوان 2021.
– ظاهرة الكتابة على الجدران لدى طلاب جامعة الأزهر، مجلة كلية التربية، جامعة الأزهر، ع 165، ج 01، أكتوبر 2015.
