بقلم د. محمد عبدالله الخولي
اتسعت الرؤى وتباينت ذوقيات التلقي والإبداع، بعد أن احتشدت الذات الإنسانية بتجارب إبداعية وتاريخية وثقافية وسياسية وعقائدية تضاهي تاريخ وجودها على الأرض، فالذات الإنسانيّة -الآن – هي امتداد لتاريخ الإنسان منذ نشأته الأولى. مرت عملية الإبداع الفني بمراحل مختلفة من مرحلة النشوء إلى مرحلة التكوين الواعي، بعد أن خاضت تجارب مختلفة/ متعددة بغية الوصول إلى ماهية الفن، واكتشاف جوهره الحقيقي.
إنّ من أسمى الفنون – على الإطلاق – الشعر؛ فهو ذروة سنام الأدب، ومنه وإليه تعود شتّى الفنون، فهو الأقدم وجودا؛ حيث صاحب الإنسان في رحلة البحث عن الذات والوجود، وكان للشعر الفضل الأكبر في عملية التوسيع اللغوي، التي كان الإنسان في حاجة ماسة إليها؛ ليستوعب الوجود من حوله، ويكتشف ذاته، فاللغة نفسها لم تتوسع إلا من خلال دينامية الحركة الشعرية التاريخية، ويظل الشعر هو العامل الأوحد الذي انفتحت به الذات الإنسانية على العالم محاولة استقراءه، فلم تكن اللغة في مستواها الطبيعي/ العادي قادرة على استيعاب الوجود وما يختلجه من أمور وقف الإنسان – في مراحله الأولى- عاجزا عن تفسيرها، فلم يكن من ملاذ سوى انفتاح اللغة بالتخييل والترميز، وهي تحاول تفسير العالم/ الوجود للإنسان، فلم تكن اللغة التي اختطت بها الأساطير سوى لغة شعرية حتى وإن كانت بسيطة في تركيبيتها نظرا لطبيعة الذات الإنسانية في مراحلها البدائية الأولى.
بعد تاريخ طويل من احتكاك الجوهر الشعري باللغة والتجربة الإنسانية – باختلاف مستوياتها – وصل الشعر – لا سيما الفصيح منه – إلى درجة عالية من الغموض والتعقيد، ولعلّ السبب في ذلك امتلاء الذات الإنسانية بخبرات معرفية مكثفة، حيث وصلت الذات إلى درجة من الوعي بكينونتها وحقيقة الوجود من حولها. ولما وصلت الذات الإنسانية إلى هذه الدرجة من الوعي تكشّف الواقع أمامها، وكلما تكشّف ازداد تعقيدا؛ فتعقّد النص هو الآخر باعتباره مرآة للواقع وللذات البشرية في آن.
ويواجه المتلقي – الآن – نصوصا أدبيّة في غاية التعقيد والغموض، حتى أصبح الأخير عند – عند السواد الأعظم من النقاد – دليلا على جودة النص وعلو كعبه في مضمار الأدبية، وأصبحت هناك حالة من النفور من النصوص التي تعبر عن مضامينها بأسلوب سهل مباشر. ولكن يظل هذا الرفض مرتهنا بالذائقة النقدية – ولا سيما – الأكاديمي منها، وتبقى تعددية الذائقة الجماهيرية هي المحك الأخطر في عملية التلقي في عموميتها.
إذا كانت الذائقة النقدية ترتكز في حكمها على قوة التخييل والترميز الشعريين، فهناك ذائقة جماهيرية عريضة تمجّ هذا النوع من الشعر الذي يستعلي بتركيبه اللغوي على المتلقي، وتميل نحو الشعر الغنائي البسيط حيث يتحقق أكبر قدر من التواصل بين المبدع والمتلقي من خلال هذه النصوص – خاصة – عندما تشتبك مع الواقع الإنساني بشكل مباشر في قالب شعري طيّع بسيط، “فأي مضمون كان، وأي موضوع مادي أو روحي كان، وأيّ حدث أو فعل أو تاريخ أو موقف أو حاجة خارجية أو داخلية كان، يصلح لأن يدرج في دائرة الشعر ولأن يصاغ من قِبَله.” غير أنّ هذه الموضوعات البالغة التنوع لا تغدو شعرية لمجرد أنّ التمثل يتعقلها، إذ أنّ الوعي العادي يستطيع أن يحول الموضوعات إلى تمثلات وحدوس دون أن يكون في هذا العمل شيء من الشعر؛ فالتمثل ليس إلا المادة، ليس إلا العنصر الذي لا يغدو شعريا إلا بعد أن يصوغه الفن، مثله في ذلك مثل اللون والصوت اللذين ليس فيهما بحد ذاتهما شيء رسمي أو موسيقي، واللذين لا يصيران رسما وموسيقى إلا بعد أن يسمهما الفن بميسمه. ومن هنا تأتي عملية التنوع في الأداء التمثيلي للنص الشعري، فشاعر يتوجه بالكلية نحو التخييل، وآخر تتولد الشعرية في نصه وفق آليات بعينها دون أن يرتكز على عوالم التخييل الشعري، فيتوزع النص الشعري على مستويين: معقّد، بسيط، ولكل ذائقته في هذا الشأن على مستوى الإبداع والتلقي.
إذا كان الغموض النصي – كما ذكرت آنفا – نتيجة طبيعية لما وصلت إليه الذات الإنسانية واحتشادها بالوعي والتجربة والمعرفة، وهذا ما جعل المبدع يجنح بنصه في عالمي: التخييل والترميز، فلماذا لا يعد النص الغنائي البسيط حركة مضادة تواجه بها الذات المبدعة الغموض الذي اكتنف الوجود والعالم النصي، وكأنها مرحلة من التفكيك يحاول المبدع بهذه الغنائيات البسيطة أن يفكك الواقع من حوله بالعودة إلى ما كانت عليه اللغة الأدبية في مراحلها الأولى، وأن تعود الذات المبدعة إلى فطرتها الأولى لتجابه هذا الغموض الذي اكتنف الحياة في شتى مستوياتها.
ولعلنا نلحظ هذا المستوى التفكيكي – الحركة المضادة للغموض – في ديوان “عزيزة” للشاعر الدكتور أيمن الغندور، حيث يعد هذا الديوان نظما ذاتيا غنائيا ترتكز فيه الذات على المباشرة التي يواجه بها الشاعر تعقد الواقع من حوله، وكأنه يحاول استرجاع زمن بعينه، وهذا الزمن لا يُتَأَتَّى الوصول إليه إلا من خلال هذه الغنائيات البسيطة التي تحمل في طياتها موضوعات بعينها يشتبك فيها المبدع والمتلقي، حيث كان الواقع المجتمعي هو القاعدة التي يلتقى فيها الإبداع مع التلقي.
فــ عزيزة” تلك المفردة التي احتلت الحيّز المكاني للعنوان، وانفردت به دون أن تستند إلى تركيب لغوي ينخلق من خلاله معنى يشير إلى دلالة بعينها، ولكنّ الشاعر أبى أن تشتبك مفردة “عزيزة” مع غيرها بغية أن تنفرد وحدها بالعنوان تقديرا لمكانتها عند الشاعر، وهذا متلاحظ لديّ عندما طالعت أول قصيدة في الديوان وجدتها موسومة هي الأخرى بتلك المفردة/ الاسم (عزيزة) والتي تبيّن أنها أخته التي فقدها والتحقت بالرفيق الأعلى، وكأنّ وجود اسمها – متصدرا العنوان – تعويض عن الفقد الذي يعانيه الشاعر بعد وفاتها، بل وينفلت هذا الاسم مرة أخرى في القصيدة الثانية: ” واحده واحده يا ست عزيزة”، وكأنها عندما فقدت مكانها في الواقع المعاش خلق لها الشاعر مكانا معادلا في الديوان لتتحقق عملية التعويض.
تتوزّع القصائد في الديوان إلى غنائيات – كما أطلقت عليها – وتنقسم هذه الغنائيات إلى غنائيات الفقد/ غنائيات الوطن/ غنائيات الحب/ غنائيات الواقع المجتمعي/ غنائيات الحكمة/ غنائيات المرأة/ غنائيات الماضي/ غنائيات دينية، وتمثل هذه الغنائيات بأسلوبيتها مضمونية الديوان الشعري بأداء تمثيلي/ لغوي يتسق مع مقبولية المتلقي، حيث يتشارك الأخير في جلّ هذه الموضوعات النصيّة والتي يتحقق من خلالها التواصل المنشود من العمل الأدبيّ، فالتواصل في مثل هذه النصوص ينشأ على قاعدة الموضوع دون غيره، نظرا لغياب عملية الترميز (الغموض) الشعري، والذي ينشأ التواصل فيه على آليات أخرى تتجافى عن الأيقونة الموضوعية للنص.
1- غنائيات الفقد:
تمثل هذه الغنائيات مجموعة من القصائد مثل: [عزيزة/ واحده واحده ياست عزيزة/ الحاج أمين/ حكم بالإعدام/ بكره يحتاجونا/ رحلة الحياة/ المرض أخطبوط] يعاني الشاعر في هذه القصائد فقده لأخته وأبيه وتتسع دائرة الفقد لتستوعب شخوصا آخرين مورس عليهم فعل الفقد، ومن خلال هذه الغنائيات يعبر الشاعر عن تلك المأساة التي يتجرعها جراء هذا الفقد، وفي خضم هذه المعاناة التي عايشها الشاعر بكيانه- انتابه الخوف أن يفقد ذاته/ حياته هو الآخر، فاستدعى الموت وأجرى معه حوارا متخيَّلا فيقول في قصيدته “حكم بالإعدام”:
إمبارح بالليل وبرد أول يناير
بعد كل البيت ما نام
ظهر لي الموت من ورا الستاير
جايب حكم الإعدام
حسيت بهبوط وعرق ع الجبين
لسان متلجلج وجسم مش متقام”
2- غنائيات الوطن:
تمثل هذه الغنائيات مجموعة من القصائد يتغنّى فيها الشاعر بحبه للوطن، وقد احتلت هذه القصائد مساحة كبيرة من الديوان، وكأنّ الغنائية الثانية: “الوطن” يعتاض بها الشاعر عن آلام الفقد في غنائيته الأولى، حيث تنوجد الذات الإنسانية وتتحقق من وجودها عندما تشعر بانتمائها للوطن، وهذه القصائد، هي: [ مصر يا جنة/ مصر يا نية صافية/ مصر جميلة/ يا ناعسة نيلك أيوب/ لو ضاعت مصر ضعنا] ترتكز القصائد في هذه الغنائيات الوطنية على أيقونة الحب ومدى تعلق الشاعر بوطنه، وأخذ الوطن يتدرج في هذه الغنائيات حتى حال امرأةً، واستحال النيل رجلا لا ينفصل عن امرأته، حيث لا يتحقق وجود أحدهما إلا بالآخر، وأضفى عليهما صفة القداسة الدينية، فأطلق على مصر (ناعسة) والنيل (أيوب) في قصيدته: “يا ناعسه نيلك أيوب”، والشاعر بذلك يستدعي القص الشعبي الديني ليضفي على الوطن القداسة الدينية، وتختزل قصة “ناعسه وأيوب” في طياتها معاني الصبر والتضحية، بل تحمل هذه القصة في تاريخيتها وأسلوبيتها الاستعارية تاريخ النضال لهذا الشعب العظيم، ويقول فيها:
يا ناعسه نيلك أيوب حبّك جوّاه أناشيد
جاي لك ماشي م الجنوب يتهادى لحد رشيد
• تقنيات الجمال في ديوان “عزيزة”:
– يعتمد الديوان في توليد الجمالية الشعرية على فعل الحكي، وهذه التيمة الأسلوبية تكاد تخترق قصائد الديوان كلها، ولسنا هنا في صدد مكرور الكلام النقدي من تداخل الأجناس الأدبية مع الشعر، ولكننا بصدد إنتاج الجمالية الشعرية من فعل الحكي المتداخل بسردياته المختلفة مع البناء الشعري. هذا التداخل الأجناسيّ بين الشعر والسرد ارتكزت عليه القصيدة العربية منذ نشأتها الأولى، ولعلّ طبيعة الشعر العربي – الذي نشأ شفاهيا – جعلته منذ القدم يعتمد الحكاية ويستدخلها في البنية النصية، ” فلم تخل القصيدة العربية من بنية سردية تتكئ على المنطق الحكائي، وإن كانت الحكاية – نفسها – لم تكن مقصودة في النص كتقنية إبداعية، بل تجلب في سياق شعري؛ لنقل الحدث نقلا غنائيا، يتفق ومنطق البنية الشعرية العربية.” فالعربي القديم وفق مقتضيات الواقع والبنية النصية كان يعتمد على الحكاية، والنماذج على هذا الشأن كثيرة لا حصر لها، ولعلنا نسترجع قول امرئ القيس:
ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ
فَقَالَتْ:لَكَ الوَيْلاَتُ!،إنَّكَ مُرْجِلِي
تَقُولُ وقَدْ مَالَ الغَبِيْطُ بِنَا مَعاً:
عَقَرْتَ بَعِيْرِي يَا امْرأَ القَيْسِ فَانْزِلِ
فَقُلْتُ لَهَا:سِيْرِي وأَرْخِي زِمَامَه
ولاَ تُبْعدِيْنِي مِنْ جَنَاكِ المُعَلَّلِ
فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعٍ
فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْوِلِ
إِذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ
بِشَقٍّ، وتَحْتِي شِقُّهَا لَمْ يُحَوَّلِ
فقد انبنى نص “امرئ القيس” في أفق الحكاية وارتكز عليها، وهذه التيمة الأسلوبية تختلج كثيرا من النصوص العظام في شعرنا العربي القديم. أما القصيدة الحديثة فقد استعارت تقنيات الرواية، وعلى رأسها السردية، فتلك حكاية لا خلاف عليها؛ حيث استعارت من الرواية القص الذي يمثل جوهر الرواية، بل إن القصيدة الحديثة لم تقف عند هذا الحد من الاستعارة بل تجاوزته لتأخذ من الرواية أدق تفصيلاتها: الحوار، المونولوج، تيار الوعي، والاسترجاع. وهذا ما وجدناه في ديوان “عزيزة” للشاعر أيمن الغندور، فيقول في قصيدته “عزيزه”: [عارفه يا عزيزة/ عارف إنك تعبتي/ ما أخبيش عليك/ تصدقي يا عزيزة/ ] على شكل حوارية سردية يستدعي الشاعر “عزيزة” من عالم العدم إلى عالم الوجود، وترتقي هذه الحوارية عن طريق التصعيد الدرامي لتتشكّل الحكاية في البنية الشعرية، ومن هنا تنولد الجمالية النصية من هذا التداخل بين الشعر والسرد.
– يتشكّل النسق الجمالي في ديوان “عزيزة” من سيولة التعبير، وسهولة اللفظ، واعتماده لغة عامية تتماس مع الفصحى ولا تنفلت من لَهَجِيَّتِها المصرية، فاللغة في الديوان في مرحلة وسطية بين العامية المصرية والفصحى، فلم يُنتهك وقار اللغة لا في المستوى العاميّ ولا الفصيح، وهذا أمر – من وجهة نظر خاصة – يحسب للشاعر الذي ينسج بنيته النصية من اللهجة العامية ولا تنتهك اللغة وتهبط إلى المستوى الشعبي، فيقول في قصيدته “مصر يا نية صافية”
مصر يا صوت العرب
يا صوت جرس وأدان
سبحانه من وهب
وزرع أرضك أمان.”
– تنشأ الجمالية الشعرية من ائتلاف المتناقضات، كأن تمتزج السخرية بالألم، وهذا ما وجدناه في مواطن كثيرة في ديوان “عزيزة” للشاعر أيمن الغندور، حيث تجتمع المتناقضات وتشكل نسقا واحدا داخل البنية النصية، ويصل هذا التمازج بين المتناقضات إلى حد التلاشي ليتشكل نسق القصيدة من تداخل المتناقضات وتماهيها، فيقول في قصيدته “راكبين عكس بعض”:
ناس فـ الملاهي بتلعب توت توت
وناس تصحى بدري تشقى لجل القوت
وكأنّ هذا المعنى يتناص فيه الشاعر أيمن الغندور مع ملك السخرية الشاعر الكبير صلاح جاهين – عليه رحمة الله – فقد كان يمزج بين المتناقضات، وبحرفية أسلوبيّة تنصهر كلها في البنية الأسلوبية، فيقول:
يا شعب نايم ع الرصيف
وبالمقشة بتتكنس
فيه ناس بتشقى ع الرغيف
وناس بتتعب م التنس.”
ينماز ديوان “عزيزة” للشاعر أيمن الغندور بخاصية -ربما نحن في أمس الحاجة إليها الآن – وهي إرساء القيم ونقد الواقع بما يتلاءم مع طبيعة الشخصية المصرية وما جبلت عليه، فقد ارتكز الديوان في عموميته على موضوعات تخص الواقع المجتمعي، وما به من سلبيات يسلّط الشاعر عليها الضوء ويحاول أن يعالجها بأسلوب شعري غنائي بسيط يتموسق مع طبيعة المتلقي الذي يمارس هذه السلبيات، وهذه نقطة أخرى تحسب للديوان وشاعره.
المصادر والمراجع:
– إيمان بن سعيد و صبا نور الدين، جماليات الإيقاع الداخلي في الخطاب الشعري المعاصر، مجلة إشكالات في اللغة والأدب، مج8، ع5، الجزائر، 2019.
– أيمن الغندور، عزيزة، دار جينيال، ط1، طنطا – مصر، 2025.
– رمضان عمر، السردية في شعر محمود درويش، نسخة إلكترونية.
– هيغل، فن الشعر، ت: جورج طرابيشي، دار الطليعة، ط1، بيروت، د.ت.