عن الرواية المرفوضة هنا والمُحتفَى بها هناك ..
              بقلم سمير لوبه


في أحد المعارض الدولية وقف كاتبٌ مصري يراقب طوابير القرّاء تصطف أمام دار نشرٍ غير مصرية لاقتناء روايته ، الرواية ذاتها التي رفضتها دور نشرٍ في بلاده دون حتى أن تمنحه سطرَ تفسيرٍ، تتكرر هذه القصة مرارًا، ولا يمكننا الاستمرار في تبريرها بالذوق أو الفروق الثقافية، لأن الحقيقة المؤلمة التي باتت تستصرخ ضمائرنا هي أن هناك خللًا حقيقيًا في سياسات النشر المصرية يستحق أن نعيد النظر فيه.
ليست المشكلة فقط في الاختيارات بل في الرؤية الضيقة التي تحكم تلك الاختيارات، هناك دور نشر مصرية  مع الاحترام للجهود المشكورة التي تقدمها  ما تزال تحكم على العمل الأدبي من عنوانه أو موضوعه أو حتى اسم كاتبه، بعضها يتعامل مع النشر كمن يمارس وظيفة حارس بوابة لا كمن يصطاد الجواهر من بين الركام، أما حين يتعلق الأمر برواياتٍ تخاطب وعيًا مختلفًا، أو تحاول كسر السائد، أو تتناول موضوعاتٍ جريئةٍ بعمقٍ فكريٍ وجماليٍ راقٍ، فغالبًا ما تُقابل بجملة باتت مستهلكة وهي “لن تلقى رواجًا في السوق المصري  ”
من قال إن الأدب يجب أن يُصنّف حسب السوق؟
وهل كان نجيب محفوظ يكتب للرواج حين أخرج لنا “أولاد حارتنا”؟ هل كتب الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال” وفق هوى السوق؟ وهل خرج كافكا أو ماركيز من رحم الخضوع التجاري؟ الأدب الجيد لا يُكتب ليرضي جمهورًا جاهزًا بل ليصنع جمهورًا جديدًا، ومن الظلم أن نربط قيمة العمل الأدبي بشروط التسويق السريع أو الترند،
ثم تأتي تهمة أخرى حين يُقال “هذه رواية كُتبت للنخبة”، أو “كُتبت للجوائز” وكأن الطموح الأدبي صار تهمةً، أو كأن الرغبة في التعبير العميق صارت منبوذةً، نعم، هناك أعمال تُكتب بوعيٍ جماليٍ عالٍ، وقد لا تكون سهلة القراءة لكنها ضرورية لتحريك مياه السرد الراكد، وتوسيع أفق القارئ لا تدجينه، الروايات التي “تُكتب للجوائز” كما يُقال باستخفافٍ، ليست كلها متصنعة أو باردة بل كثير منها يمثل ذروة الإبداع العربي المعاصر، وكم من عملٍ رُفض هنا ثم نال جائزة عربية كبرى، واحتفت به عواصم الثقافة قبل أن تعود نفس الدور المصرية لتعيد نشره بعد أن صار “أمانًا تجاريًا”
المفارقة القاسية أن بعض دور النشر غير المصرية تقبل تلك الروايات وتنشرها، لا لأنها تفهم أكثر بل لأنها تؤمن بحرية التعبير أولًا، وبأهمية التجريب، وتترك الحكم للقارئ .
إنني لا أدعو إلى نشر كل ما يُكتب، ولا أقترح إغراق السوق بكتبٍ لا تستحق لكنني أدعو إلى نظام نشرٍ أكثر عدلًا وشفافيةً واحترامًا للموهبة، نحتاج إلى لجان قراءةٍ حقيقيةٍ، محررين أدبيين لا موظفين، نحتاج إلى أبواب مفتوحة لا مكاتب مغلقة في وجه الإبداع المختلف، لا يجب أن تظل الرواية الجيدة مرفوضة لأنها ثقيلة، أو لأنها تطرح أسئلة مزعجة، أو لأنها لا تنتهي بزفافٍ سعيد.
باختصار حين لا تجد رواية ما مكانها في بلادها فلا لوم عليها إنما اللوم يكون على المنظومة التي لم تتطور لتراها.
وحين تفوز هناك وتُرفض هنا، فربما حان الوقت لنسأل أنفسنا:
هل نحن نحكم على الأدب بمعايير فنية؟ أم بمعايير السوق؟
لقد آن الأوان أن نُعيد تقييم دور النشر، لا فقط لنفتح الأبواب للموهبة لكن لننقذ ما تبقى من جدية المشهد الثقافي المصري.