لاكان: اللغة بوصفها مرآة للاشعور

بقلم د- لونيس بن علي


يُعتبرُ (جاك لا كان) (1901 – 1981) من أشهرِ المحلّلين النفسانيينِ الذِين استعادُوا إرث مُعلِّمهم (سيغموند فرويد) وطوّرُوهُ.


كانت فَضيلته تنقِية التّحليلِ النفسِي من التفسيرات والتأويلاتِ التي أسَاءت فهم واستِعمال مفاهيم (فرويد)، ولم يكُن نشاطُه مُرحّباً بهِ دائِماً، حيث تعرّض في حياتِه العلميةِ والبحثِيةِ لحملةِ تشويهٍ، وصفته تارةً بالمُشعوِذِ، وتارةً أُخرى بالمُحلِّلِ الخطيرِ.
وبسببِ النفسِ الجديدِ الذي ضخّه لاكان في جسدِ التحليل النفسيِ، أُجبِر عام 1953 على مُغادرةِ (الجمعية الدولية للتحليلِ النفسي) لأنّ أفكارَهُ لم تعُد مُرحّباً بِها.
وُصف أسلوب (لاكان) في الكِتابةِ بالصعبِ وبالغامِضِ، حتّى أنّ (كلود ليفي ستراوس) قد قالَ في حِوارٍ عندما سأله الصحفيُ إن كان مُهتماً بمحاضرات صديقه، بأنّه يضطر إلى إعادةِ قراءتها أكثر من مرّة لأجلِ فهمِهاَ.
ما هو التحليلُ النفسيُ؟
هو طريقةٌ في مُعالجةِ الأشخاصِ المُصابين بأمراض عصبيةٍ، غير أنّ الجديدَ الذي جاء به (فرويد) أنّ العلاجَ يتمّ عبر (تبادل الكلام) بين المُحلّل والمريضِ.
اكتشفَ (فرويد) دور (الكلام/اللغة) في استدعاءِ ذكريات الماضي، والتعبيرِ عن الانطباعات، وعن المشاعِر المكبوتةِ التي تظلّ سجينة اللاشعور. وقد عبّر عن (أهمية الكلمة) في تشخيص الأمراض النفسية وتحليلها في قولِه: ((لقد كانت الكلمات في الأصلِ تدخُل في عِدادِ السِّحرِ، ولا تزالُ الكلمةُ تحتفظُ إلى يومِنا هذا بقدرٍ كبير من قوتها السّحرية (…) فلنحاذر إذن أن ننتقِص من القيمةِ التي يُمكِن أن تكون لاستخدامِ الكلامِ في التطبيب النفسي)).
انتبَه (فرويد) إلى وظيفةِ الكلام في العلاجِ من خلال قصّةٍ رواها له الدكتور (برويير) عن فتاةٍ مُصابةٍ بمرضِ (الهستيريا)، ولاحَظ بأنّ حالتها تتحسّنُ كلّما (تكلّمت) و(باحت) بمكنوناتِ نفسِها.
لقد عثَر على طريقةٍ جديدةٍ للعلاج النفسِي، عبر منح الحرية المُطلقة للمريضِ ليتكلّم، وعبر هذا السرد تمكّن فرويد من الكشف عن دور (اللاشعور) في الحياة النفسية للإنسانِ، بل تحكّمه فيهاَ.
اكتشافُه لهذه القارة المجهولة التي تُسمّى (اللاشعور) قد جلبت له العداواتِ وسوءَ الفهمِ، وكان من الصعبِ له إقناع المُحيطين به بهذه الفكرةِ. ومع ذلك، فإنّ أساسَ نظريته في التحليل النفسي هو الكشف عن هذه المنطقة الغامضة في النفس البشريةِ، وحسب قولِه: ((لم يبقَ أمامنا، في التحليلِ النفسي، إلاّ أن نُعلِنَ أنَّ العَمليات النفسية، إنّما هي لاشعورية في ذاتِها)).
لاكان اللاوعي ونظام اللغة:
لم يعتبِر (لاكان) التحليلَ النفسيَ مُجرّد نظرية أو ممارسة طبية لمعالجة الأمراض العصبية، بل هي نظرية تقود الإنسانَ إلى مواجهة أكثر الأبعاد جذرية للوجودِ الإنسانيِ. لهذا، فإنّ الهدفَ من التحليل النفسي ليس جلب الراحة للمريضِ بقدرِ ما تكون حمله إلى مُواجهة مُعطيات رغباته، ومعرفة الأسباب التي تحول دون تحقيقِها.
بالنسبة للاكان، فإنّ الإستفادة من نظرية (فرويد) تستدعِي اللجوء إلى علوم أخرى، وعلى رأسها (علم اللغة)، وعلى وجه التحديد (علم أفعال الكلام).
تقوم نظريته على وُجُود علاقة بين (اللاشعور) و (اللّغة)، لهذا تصوّر بأنّ التحليل النفسي ينبغي أن يكون تحليلاً لغويا في الدرجةِ الأولى.
إنّ (اللغة) عند لاكان هي التي تربط بين (الحاجة) و(الرغبة)، أي بين (الرمزي) و (الواقعي)، حيث لا يُمكِن فهم مطالب المريض إلاّ من خلال فهم (خطابه) الذي يُحوِّل تلك الرغبات إلى (تراكيبٍ لغويةٍ) تتضمّنُ كلمات تحمل دلالات متعددة، وتنعكسُ فيها حالاته اللاشعورية.
لجوء لاكان إلى (التحليل اللغوي) جاء لأجل إعطاء اللغة دوراً أكبرَ في تفسير اللاشعور، هذا الأخير يختفي داخل المعاني الخفية في الدوال التي يستعملها المريضِ عند إنتاجِ خِطابه.
إنّ (المدلول) هو بمثابة (المكبوت)، الذي يتوارى خلف (العلامات)، أما الشعور فمبني كلغة.
يرى (لاكان) أنه لا يُمكن فهم المريضِ إلاّ بفهمِ خِطابه الذي يُحوِّل رغباته إلى تراكيب لغوية تتضمن كلمات تكتنز دلالات متعددة يتردد فيها صدى لا شعوره.
استفاد لاكان من التحليل البنيوي في تغيير منهج التحليل النفسي ((من آليةٍ تعزِلُ اللغةَ عن اللاّشعورِ، إلى آليةٍ تتكلّم بدلَ المريضِ، فبنية خطاب المريض باعتباره مادة يشتغل عليها المُحلّل مكوّن من سلسلة من الدوال يختفي وراءها المدلول الذي على التحليلِ كشفه للمريض ذاته، فالمدلول في نظر لاكان بمثابة المكبوت)).
نفهم من هذا، أنّ الإنسان موجود عبر اللغة، ومن خلالها يمكن فهمه، بل أنّ اللغةَ هي مرآة لاوعيه.