الكانطية ونقد العقل.
بقلم الدكتور الطيب بوتبقالت



يحتل الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (١٧٢٤ – ١٨٠٤) في الأوساط الأكاديمية الغربية، وعند المثقفين بصفة عامة، مكانة بارزة، إلى درجة أن هناك من يؤرخ للفكر الفلسفي بمختلف تياراته إنطلاقاً من تقسيمه إلى مرحلتين من التطور: ما قبل كانط وما بعد كانط. ربما أن هناك شيئاً من المبالغة في هذا التقسيم، ولكن رغم ذلك هذا لا يعني الإنتقاص أو الإستخفاف بالمركز الوازن الذي يحتله كانط عن جدارة وتميز في ميدان الفكر الحديث، بحيث تعد الكانطية مدرسة قائمة بالذات، وكثيرة هي الآراء والنظريات المؤطرة لحقول معرفية مختلفة التي ما كان لها أن تتطور بشكل واضح لولا إعتمادها على الكانطية نهجاً ومضموناً، مما يعني صعوبة حصر تأثيرات الكانطية في مجالها الفلسفي الضيق. ويشكل كتاب “نقد العقل الخالص” لكانط تحولاً ثورياً في مسار الفكر الفلسفي إلى حد أن الفيلسوف شوبنهاور إعتبره أعظم وأهم الإنتاجات الفكرية الألمانية، وأن الإنسان يبقى طفلاً في معرفته إلى أن يفهم كانط.

وهناك قناعة راسخة لدى المختصين بأن دراسة كانط تتطلب بذل مجهودات غير عادية، وبدونها لا يتيسر إستيعاب الفكر الكانطي، والسبب في ذلك راجع إلى تعقيدات وغموض أسلوب الكتابة الكانطية، وهي ملاحظات وجهت لكانط نفسه، فردّ بقوله موضحاً أنه يكتب للفلاسفة المحترفين الذين ليسوا بحاجة إلى الشرح والتوضيح. ويذكر ويل ديورانت في كتابه “قصة الفلسفة” أن كانط بعث بنسخة من مؤلفه “نقد العقل الخالص” إلى أحد أصدقائه من ذوي سعة الإطلاع قصد إبداء الرأي والملاحظة، لكن صديقه أعاده إليه ولم يقرأ منه إلا حوالي النصف، وكان عذره في ذلك أنه يخشى على نفسه من الجنون لو واصل قراءة الكتاب بكامله!

ينتمي إيمانويل كانط للمذهب النقدي، بل إنه هو الذي وضع أسسه وقواعده. ويبدو أن صعوبة الكانطية راجعة لكونها نقداً داخل النقد ومن منطلق جذور نظرية المعرفة، لقد فرغ كانط من كتابة “نقد العقل الخالص” سنة ١٧٨١ بعد فترة من البحث والتمحيص والتنقيح دامت /١٥/ عاماً، أضاف إليه مؤلفاً ثانياً بعنوان “نقد العقل العلمي” سنة ١٧٨٨، ومؤلفاً ثالثاً حول “الدين في حدود العقل الخالص” سنة ١٧٩٣. وفي هذه المؤلفات الثلاثة يستشف تطور تأثير كانط بكتابات ليبنتز وبالمذهب التجريبي الإنجليزي، قبل تربعه على عرش الفلسفة النقدية. والمقصود من نقد العقل الخالص هو التحليل النقدي الذي يؤدي إلى تنقية المعرفة من شوائب الإدراكات الحسية. إن الهدف عند كانط هو البحث في مدى وجود عقل خالص لا يعتمد في معرفته على ما تزوده به الحواس. إنه بحث في معرفة مستقلة عن كل أنواع التجربة وعن كافة الحواس.

كانت المدرسة الإنجليزية وعلى رأسها لوك تقول بأن المعرفة مستمدة كلها من الحواس، وذهب الفيلسوف #هيوم إلى إنكار النفس والعلم المذكورين عند ديكارت، معتبراً أن العقل ليس سوى أفكار متتابعة ومتعاقبة، وأنه لا يجوز القطع برأي يقين، فالآراء اليقينية ليست سوى إحتمالات معرّضة دائماً للنقد والنفي، ورد كانط على هذه الأقوال بأن نتائجها باطلة نظراً لبطلان مقدمتها المفترضة. فعندما زعم هيوم أن كل معرفة الإنسان تأتي عن طريق الإدراكات الحسية المختلفة والمنفصلة، لم يكن قادراً على إثبات أن سلسلة الأحاسيس تشكل تتابعاً ضرورياً أو سياقاً قادراً على يقين دائم. ويقر كانط أن اليقين المطلق للمعرفة أمر مستحيل، لكن من يدلّنا على وجود أو عدم وجود معرفة غير مستمدة من التجربة الحسية؟ بتعبير آخر: هل الحقيقة المطلقة والعلم ممكنان بدون إستقبال العقل لإحساس واحد من العالم الخارجي؟ وهل هناك معرفة مطلقة لا تعتمد على الحواس والتجربة؟

يوضح كانط قائلاً: إن سؤالي هو ماذا نرجو أن نبلغ بالعقل، إذا أبعدنا كل مساعدة للتجربة الحسية؟ وهكذا إنطلق كانط في بحثه وتحليله المفصل لأصل الأفكار، مختبراً أصل النظريات وتطورها وتشكيل العقل الموروث. وفي ذلك قوله: “إن التجربة ليست الميدان الوحيد الذي يحدد فهمنا، لذلك فهي لا تقدم لنا إطلاقاً حقائق عامة، إنها تثير عقلنا المهتم بهذا النوع من المعرفة بدل أن تقنعه وترضيه. لذلك لا بد أن تكون الحقائق العامة التي تحمل طابع الضرورة الداخلية مستقلة عن التجربة، واضحة ومؤكدة في نفسها. إذ لا بد أن تكون حقيقية بغض النظر عن تجربتنا الأخيرة، وحقيقية حتى قبل التجربة”. ويؤكد كانط كثيراً على المعرفة الرياضية التي من شأنها في نظره أن تجعل الإنسان مستقلاً عن كل أنواع التجربة، ولا يرى ما يمكن أن ينقضها في المستقبل، ويعطي مثلاً على ذلك بالإشارة إلى أننا قد نعتقد أن الشمس قد تشرق غداً من الغرب، أو أن النار سوف لا تحرق العصا الخشبية في عالم لا تحترق فيه الأشياء، ولكننا لن نعتقد أو نصدق طيلة حياتنا أن إثنين زائد اثنين يمكن أن يسفر عن عدد غير الأربعة. إن مثل هذه الحقائق حقيقية قبل التجربة.

ويبقى السؤال هو: من أين نحصل على هذه الحقائق المطلقة؟ يجيب كانط على أن هذه الحقائق تستمد نوعها الضروري من التركيب الفطري للعقل، أي من الطريقة الطبيعية الحتمية التي بموجبها يعمل العقل. ومما يثير الإنتباه الثقة التي أبان عنها كانط في الطرح والتحليل إلى مستوى قد يصل إلى الغرور، فهو يقول: “لقد إستهدفت الكمال في هذا الكتاب وأنا أجرؤ على القول بأنك لن تجد قضية واحدة من قضايا الميتافيزيقيا إلا ألفيت حلاً لها أو على الأقل وجدت مفتاحاً تستعين به على حلها”. لا شك في أن فلسفة كانط أثارت مسائل كثيرة بناء على تحليل ممنهج لمعايير فكرية من الصعب تكسير حلقاتها. إن تمييزه لمظهر الأشياء عن جوهر الأشياء نفسها يكفي لوحده لبناء صرح لتيار فلسفي عميق ومستقل، ناهيك عما جاء في الكانطية من عناصر النقد والتركيز التي تختبر قدرات العقل الإنساني في ذاته ومحيطه، فيما هو كائن وفيما يجب أن يكون.