اللغة العربية… هوية تتجدد وحضارة لا تموت
بقلم الكاتبة حياة قاصدي

في زمن تتسارع فيه التحولات وتتزاحم فيه اللغات والثقافات، تقف اللغة العربية شامخة، لا تطلب دفاعًا ولا استعطافًا، لأن تاريخها يشهد لها بأنها لغة التحدي والانتصار. لم تكن العربية مجرد وسيلة للتخاطب، بل كانت عبر القرون وعاءً لحضارات عريقة، ومنبرًا للعلم والمعرفة، ولسانًا لحكمة الإنسان في أزهى عصوره.
لقد استطاعت العربية أن تستوعب أمهات الكتب الفكرية للحضارات الكبرى، وعلى رأسها اليونانية والرومانية. ففي العصر العباسي، وتحديدًا في “بيت الحكمة” ببغداد، ازدهرت حركة الترجمة، حيث نقل العلماء العرب والمسلمون كنوز الفكر الإغريقي إلى العربية. ومن بينهم حنين بن إسحاق، الذي ترجم كتب أفلاطون وأرسطو وجالينوس، وثابت بن قرة، الذي ساهم في تطوير علوم الفلك والرياضيات.
لكن العربية لم تقف عند حدود الترجمة، بل أنجبت فكرًا جديدًا. كتب ابن سينا كتابه الخالد القانون في الطب بالعربية، فصار مرجعًا عالميًا لقرون. وابتكر الخوارزمي علم الجبر وأسّس مفاهيم رياضية ما زال العالم يعتمد عليها إلى اليوم. ولا ننسى ابن رشد، الذي أثّر في الفلسفة الغربية، والرازي، الذي ترك أثرًا عميقًا في علم الكيمياء.
العربية كانت لقرون لغة العلم في العالم، قبل أن تُحاصر اليوم في زوايا التعليم التقليدي، وتُختزل في بعض المناهج الجافة أو الاستخدامات السطحية. ومع ذلك، فإنها لا تزال تحتفظ بقدرتها العجيبة على التجدد، لأنها لغة الحياة، ولغة الإبداع، ولغة الروح.
علينا أن نعيد لها موقعها في قلوبنا قبل مدارسنا، في وجداننا قبل كتبنا. فاللغة ليست فقط أداة تواصل، بل هي هوية وانتماء، وهي مرآة الحضارة، وجسر المستقبل.
من لا يعرف قدر لغته، لا يعرف قدر نفسه…
ولغتنا العربية، باقية… لأنها تحمل روح أمة لا تموت.
