متعاليات السرد الحداثي
طغيان العوالم الرمزية وتشظي مسارات التأويل
قراءة نقدية في رواية “بوابة سليمان” لــ محمد نجيب عبدالله
بقلم د. محمد عبدالله الخولي

كل عمل أدبيٍّ يختار منهجه، بل يطور الأخير نفسه بغية الكشف الواعي (النقدي) عن ماهية العمل الأدبيّ وتمثلاته اللغوية والأدائية، ومن هنا يتخذ النقد مسارا جادا بغية أن يؤدي مهمته المقدسة في استنطاق الفنون جميعها. ويحدث العكس عندما يلوي الناقد عنق النص ليطوعه للمنهج، وهذا يعني أن النتائج التي يتحصل عليها النقد – وقتئذ – لا علاقة لها بماهية النص ولا بمقصوديات الذات المبدعة.
إنّ للرواية – دون سائر الفنون الأدبيّة- طابعها الخاص، فهي مع كلّ عمل روائي جاد توسع من أفقها ليتحول النص الروائي بتعالياته السردية إلى كون استعاري خاص لا يشبه إلا نفسه، ومن هنا، يصطدم النقد مع كل عمل روائي جديد إن لم يطور من نفسه وآلياته في التلقي. تخطو الرواية منذ ردح طويل من الزمن خطوات واسعة متباعدة ومتناقضة في آن، وكأنها كائن حيٌّ يطمح إلى الخلود؛ ولذا يطور العالم الروائي من نفسه متجاوزا كل أشكاله القديمة التي لا تتموسق مع طبيعة الذات الإنسانية وواقعها الجديد،، فمن الكلاسيكية ومرورا بالحداثية وما بعدها وصل البناء الروائي إلى أقصى درجة ممكنة من التعقيد.
ومن هنا جاء عنوان الدراسة: “التعاليات السردية – طغيان العوالم الرمزية وتشظي مسارات التأويل: قراءة نقدية لـ “بواية سليمان” للروائي المصري محمد نجيب عبدالله. فلم تعد الرواية تتوسل بالتخييل – كسابق عهدها – فما كان خيالا أصبح اليوم حقيقة واقعة، ولذا تجنح الرواية الآن إلى ما يسمى بــ (الوعي)، ونعني به وعيّ الذات بحقيقتها بعد أن احتشدت الذات بكم هائل من المعارف والعلوم في رحلتها من الأسطورة إلى النظريات العلمية والفلسفية، فالرواية التي تستقي مادتها من الحكاية دون العبث بمركزيتها هي خارج الإطار الروائي الآن، وهكذا الرواية التي تتوسل بالخيال وحده بغية استظهار بنائها في كون تخييلي خالص، هي بالضرورة خارج الإطار، يطمح النقد – الآن – إلى الرواية التي ترتكز على انفجارات الوعي الإنساني، وتخلق كتلا رمزية/ تخييلية مبتكرة تتسق مع طبيعة الذات الإنسانية في واقعها الآني، وهنا يقع الروائي في إشكالية كبرى، ومسائلة جادة أمام النقد الأدبي بطيوفه المتعددة ومذاهبه المختلفة، فلم تعد ذائقة النقد ترتضي النمط الكلاسيكي.. ولا الجنوح في عوالم التخييل المستهلكة، وإنما يتطلع النقد – وفق متطلبات الذات الإنسانية – إلى الرواية التي ترتكز على الوعي الذاتي المنشغل بجوهر الحقيقة الإنسانية التي لم تعد ترتضي بالصوت الواحد، ولا الحقيقة الواحدة، ولا النص المنغلق على ذاته، وإنما تنشد نصا منفتحا قابلا للتأويل وتعددية القراءات، لتبحث الذات القارئة عن ماهية وجودها من خلال حركية التأويل.
احتدم الخلاف قديما بين الفلاسفة الغربيين حول ماهية التأويل وطموحاته في استقراء النص، ولم يسلم الفلاسفة العرب من غبار هذا الاختلاف، والتاريخ يشهد بتلك المعركة العنيفة بين ابن رشد والغزالي وما دار بينهما من اختلافات حول ماهية التأويل.. بيد أنني من وجهة نظر خاصة، أرى أنّ التأويل شرط وجود للذات الإنسانية العارفة بكينونتها والمقدرة لطاقاتها العرفانية/ النورانية.
لم يستطع أحد أن يغلق باب التأويل أمام نص من النصوص، فقد اخترق التأويل بسلطويته كل المعارف والعلوم، وقد استعين به في فك إلغازات النصوص وتفكيك شفراتها، فهو عند أهل الكلام “صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به”. وعند الأصوليين ” صرف اللفظ عن معنى راجح إلى آخر بقرينة تقتضي ذلك.” وعند النحاة “صرف الظواهر اللغوية إلى غير الظاهر للتوفيق بين أساليب اللغة وقواعد النحو.” أما تأويل النصوص الأدبية: هو العدول عن ظاهر النص للكشف عن المعاني الإضافية والدلالات البلاغية للنصوص الأدبية، فهو نوع من التأويل يتعلق بالأسلوب والسياق والسباق واللحاق، لا المفردات والألفاظ فالتأويل هنا دوما يقوم على فكرة الخروج من مستوى دلالي أوليّ إلى مستوى دلالي ثان.
هل ينبغي أن يكبح جماح التأويل حتى لا نصل إلى نوع من العبث والفوضى حال استقراء النصوص؟ لقد اعتبر الكثير من المفكرين وأعلام الفلسفة المعاصرين أن إطلاق العنان للتأويل – دون قيد أو شرط – أكبر انتصار حققته فلسفة اللغة في الفترة المعاصرة.” وكأنّ هذا الانفتاح التأويلي، ذلك أنها جعلت انفتاح النص على دلالات متعددة وربما متناقضة في بعض الأحيان، علامة من علامات التحرر وكسر القيد الذي فرض من قبل الفهم الأحادي أو الموجّه للعمل الأدبي والفن على حد السواء. وهذا ماجعل سوزان سونتاغ ترفض تقبل التأويل، وفق هذا المنظور الفلسفي المنفتح، فتنفي سوزان سونتاغ أن يكون المقصود بالتأويل – من وجهة نظرها – سلسلة المتتاليات الدلالية اللانهائية، ذلك أن هذا المقصود يذهب بأصالة جوهر الحقيقة ويقضي على وجودها.
ومن هذا القبيل عابت على “نيتشه” اعتباره التأويل هو الدال الوحيد على جواهر الأشياء، وذلك في قوله: “لا جود لحقائق بل لتأويلات فقط.” أما البديل المفاهيمي الذي وسمت به سوزان التأويل فهو قولها: “التأويل هو ذلك الفعل الذهني الوعي الذي يجسد نظاما معينا، وقوانين تأويلية معينة.” كما يرفض بورديو من أسماهم بحراس التفسير الحرفي.. ولكنه كان يبحث عن منطقة وسطى لا ينفلت فيها التأويل ليصل إلى درجة متعالية من الفوضى والعبث تهشم بنية المعنى وتعبث بقصديات الذات.
أما جاك دريدا- وفق منظوره التفكيكي- أعطى المؤول أو الناقد أو القارئ سلطة التأويل دون قيود عليها، فمنطلقه الأساسي هو أن كل نص لا يقبل أو يحتوي تأويلات مختلفة فقط، ولكنه يقبل بتأويلات متناقضة يلغي بعضها بعضا، وعليه فإن النص في نظرهم لا يتحدث عن خارجه، بل لا يتحدث عن نفسه، وإنما تجربتنا في القراءة هي التي تحدثنا عنه، فتأويلات النص وتعدداتها متعلقة أساسا بمؤهلات القارئ أولا، والمقصود من التأويل هو تحقيق المتعة وليس الوصول إلى حقيقة ما يتحدث عنه النص.
ومن وجهة نظري الخاصة، أن التأويل شرط لازم للقراءة والنقد على حد السواء، ولكن وفق شرط سيميائي يسمح بتعدد القراءات تحت سقف واحد، دون جنوح أو عبث أو فوضى تضرب مركزية المعنى، فعندما يتشكل كون سيميائي/ علاماتي ينفجر عنه نظام مخاتل يتصل بمنظومة المؤولات النصية من جهة، وبالمؤول الخارجي/ القارئ من جهة أخرى، هنا يحدث نوع من التماس مع القصدية النصية وتشظياتها في بنية النص، وتنفتح حركية التأويل في مسارات ذات صلة وطيدة بالقارئ والمبدع في آن، وتتحول هذه الحركية (السيميوزيس) في النص مع كل قارئ – بشكل دينامي – ولا تتوقف إلا بمؤول يصطفي دلالة بعينها يرتضيها القارئ.. وتتوقف معها دينامية الحركة التأويلية للنص.
أظن أنّ هذه التقدمة تستحقها رواية “بوابة سليمان” للروائي محمد نجيب عبدالله، حيث طغت العوالم الرمزية على كيان البناء السردي، ومثل هذه الروايات تستدعي التأويل، إذ لا تنهض عملية القراءة إلا به، ودون استدخاله – وفق آليات بعينها – تفقد الرواية رونقها وقصديتها.
بداية من عنوانها المخاتل/ المخادع “بوابة سليمان” حيث يتشكل العنوان من مفردتين: بوابة، سليمان، والأخير يحمل دلالة دينية تحيل إلى نبي الله سليمان – عليه السلام – هذا النبي الذي خصّه الله بخصائص لم يهبها لأحد غيره، فقد أخضع الله له العوالم الماورائية، وعلمه لغات الكائنات قاطبة، فاحتملت المفردة دلالات غرائبية تميل إلى عالم الميثولوجيا عندما تنخرط في نص أدبي/ روائي، بناء على تاريخيتها التداولية والمعجمية، وهي وفق تركيبها اللغوي (الناقص) مضاف إليه و “بوابة” مضاف، فالبوابة عن طريق التأويل التركيبي (النحوي) ملك لسيلمان وحده، لا يستطيع أحد العبور منها إلا إذا امتلك السر “السليماني”، ولن يستطيع أحد الولوج منها إلى إذا كان سليمانيّ الروح والمشرب.
تتضح مخاتلة العنوان عندما نصطدم بالمتعاليات النصية للرواية ومنها (الإهداء) والذي يقول فيه: “إلى أرواح عالقة في هذا العبث، ظامئة لما هو أرقى، رافضة لكل سخيف غث، مفتشة عن أي جمال، تواقة إلى تحقيق حلم أو أمل، باحثة عن حيواتها المتسربة من أيدي الأيام.. إليهم.. هذا اللحن.” من خلال تحليل الإهداء وربطه دلاليا بالعنوان يتجلى لنا، أننا لسنا بصدد عالم غرائبي كما أوهمنا العنوان بذلك.. فنحن أمام منظومة من التناقضات ترتكز على حقلين دلاليين: الأول، يتشكل من (أرواح، أرقى، رافضة، مفتشة، جمال، تواقة، حلم، أمل، باحثة). الثاني، ويتشكل من مجموعة مفرداتية مضادة وهي: (عالقة، عبث، ظامئة، سخيف، غث، متسرسبة)، ومن هذين الحقلين الدلاليين المتناقضين تتشكل المنظومة النصية للإهداء والتي ستتجلى في المتن الروائي، وهذا يدل على أنّ الكاتب يكتب بوعي وحرفية منذ الإهداء.
تتوزع الرواية على أربعة فصول كل فصل يشكل وترا في اللحن المهدى إلى هذه الأرواح الباحثة عن حقيقتها، وهذا التوزيع الوتري يحول الرواية في كليتها إلى لحن موسيقي تتشكل نوتته الموسيقية من أربعة أوتار، وهي: [صول، ري، لا، مي] وكل وتر من هذه الأوتار الأربعة – والتي تمثل فصول الرواية – يتشكل من مجموعة من المشاهد تتحول إلى نغمات مشهدية تنبعث من وترها.
إذن، نحن أمام مقطوعة موسيقية تحاول أن تكتمل بأوتارها ونغماتهاالمشتتة في عالم الرواية، فالحكاية الروائية تنبني في كليتها على هذا اللحن الذي يحاول أن يكتمل، فتصبح المقطوعة الموسيقية كتلة رمزية مغلقة تستعصي على التأويل، إلا بعد طول ممارسة مع الرواية بفعل القراءة الواعية.
يبتدر الروائي محمد نجيب عبدالله روايته بالوتر الأول/ وتر “صول”، وقبل الولوج إلى المشهد يعرف آلة “الكمان” فيقول: “الكمان آلة وترية ذات أربعة أوتار، ومن أشهر الآلات التي استخدمت في الموسيقى الكلاسيكية، ويوصف صوتها بأحن أصوات الآلات الموسيقية.”
في المشهد الأول الموسوم بــ “أيها الملك السلطان.. أقبل” يدخلك الروائي في عالم الحلم حيث تتلاشى الحواجز وترتفع البراقع وتندثر الحجب، ويصبح هذا الحلم واقعا مرئيا.. وينتقل “سليمان” من هنا (الواقع) إلى هناك (الممكن/ الحلم).. وينسرب اللحن من عالم الوحي/ الإلهام.. ثم يتحول إلى معجزة مكتملة يندهش من فيضها النوراني “سليمان”. وهنا ينطرح سؤال في غاية الأهمية، ذو علاقة وطيدة بالمضامين الشعورية التي تطمح إليها الرواية، هل يوحى إلى غير الأنبياء؟
عندما نتأمل مفردة “الوحي” ودلالاتها المعجمية والتداولية، ثم نضعهما على ميزان النص القرآني، نجد أنّ الوحي له ثلاث تفريعات في النص القرآني:الأول، وحي بمعنى الإعلام وهو خاص بالأنبياء والرسل، وهذا ما نجده في قول الله تعالى:” وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا.” ووحي بمعنى القذف/ الإلهام وهذا لعموم الناس، وكل على قدر اتصاله بعالم السماء، وهذا نجده في قوله تعالي: “أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليم محبة مني ولتصنع على عيني.” وهناك ما يسمى بوحي “الفطرة” وهذا تشترك فيه كل الكائنات التي صنعت بيد الخالق، وهذا في قوله تعالى: ” وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا وم الشجر ومما يعرشون.” وهذا يدل على أن الله – سبحانه وتعالى – متكلم في جميع خلقه يخاطبهم بدلائل رحمته، وهذا ما يعضده قوله تعالى: “ورحمتي وسعت كلّ شيء”.
ولعل هذه التطوافة على دلالة “الوحي” تفكك لنا إلغاز اللحن الذي يصبو إليه سليمان ومن خلاله يلج إلى العوالم الأخرى، فإذا اعتمدنا مفردة “الوحي” مؤولا سيميائيا، بتعالقاته وأنساقه، فمن المحتمل أن يكون اللحن المنشود هو النفس الإنسانية، وتكون الكمان بأوتارها الأربعة هي طريق الوصول، وإذا كان اللحن غير مرئيٍّ متخاف في عالم الباطن، فالكمان هي الجسد العياني الذي تموج داخله عوالم الباطنية، ومن هنا نستطيع القول: أن الأوتار الأربعة تمثل الطبائع البشرية الأربع: [المائي/ الترابي/ الهوائي/ الناري]، ويحتمل أن تكون الأوتار الأربعة هي الجوهر الإنساني المتشكل– أيضا – من أربع: [الجسد/ الروح/ النفس/ العقل]، وربما تحتمل الموسيقى/اللحن/ الكمان/ الأوتار تأويلات أخرى، فالرواية منفتحة على مسارات متعددة ومتباينة من التأويل، وهذا الانفتاح يضمن للرواية بقاءها بفعل القراءة، فمع كل قراءة تنولد دلالات جديدة ومغايرة.
ومن التأويلات الأخرى التي يتحملها اللحن/الموسيقى – داخل عالم الرواية – أن يكون الفن هو الخلاص الوحيد للذات البشرية، وهو البوابة السليمانية التي من خلالها يلج الإنسان إلى حقيقته، ولكن أي فن هذا الذي يتحول إلى صليب خلاص للذات الإنسانية، إنه الفن بمفهوم “فرويد” فالفن من وجهة نظره يمثل حالة من الخلاص والتطهير، بأن ينتزع المبدع ذاته من عالم المحسوسات إلى عالم الجمال المطلق، ولن يتأتى ذلك إلا عن طريق ما أسماه (فرويد) بــالإعلاء sublimation وهو عملية تحويل الدافع الجنسي (الايروسي) عن هدفه المباشر نحو أهداف أكثر سموا وملاءمة للقيم والمُثل العليا للمجتمع. ومن ثَمَّة فإنها بعد الإعلاء تصبح مجردة من سمتها الجنسي. إذن، تظل الرغبة موجودة ولكنها منشطرة بين يرغب عن، ويرغب في. فالفنانون أو المبدعون على الصعيد الحضاري بشكل عام إنما هم أناس استطاعوا أن يكرسوا أنفسهم للعملية الإبداعية متجاوزين – ولو بصورة مؤقتة – إشباع دوافعهم الغريزية إشباعا تاما. وهذه حقيقة لم يكتشفها (فرويد) بل أدركها (هوارس) قبله بمئات السنين ووجدت أصداؤها القوية في بعض المذاهب الدينية، فيقول: “عندما يريد الإنسان أن يعتلي قمة الشعر/الفن الشماء فلا مناص أمامه من المعاناة والارتعاد وتصبب العرق وحرمان نفسه من الحب والخمر. وعندما يصل الشاعر/الفنان إلى تلك المرحلة؛ يكون على مشارف المعراج الذي يرتكز عليه الفنان في خطابه الأدبي، ومن ثم تشاهد الحقيقة المطلقة في عالم الكليّات المجرَّد عبر البنية الفنية بعد أن يعيش في مقام الفناء حالة الممارسة الإبداعية، وفناؤه ليس فناء تاما، فبقاء الروح في الجسد يؤجج نيران الصراع ويزيد من حدة التوتر، فليس من السهل أن نصف مبدعا بالفناء الكامل، إلا إذا كان فنه ينم عن حاله، كالحلاج، والسهروردي، والنفري، وابن سبعين، وابن أبي الخير، فهؤلاء شعرهم كان مرايا أحوالهم مع الله، وتقلبهم على جمر المحبة الإلهية.
يتطهر الفنان ويغتسل بماء الروح حتى يصل بفنه إلى درجة “النيرفانا” التي يتعالى فيها الفن على الجسد. يتخلى الحرف عن شبق الرغبة الجسدية بعد أن يمر عبر تجربتيه: الإنسانية والفنية بمراحل يترقى فيها حتى يصل إلى ملكوتات الجمال متخليا عن اللذة الأرضية، متساميا إلى جوهر المعنى. ويكون الألم والحرمان– وأعني بهما التخلي الحر عن التعالقات المادية والشهوانية – دافعين لهذا الترقي.
وهذا ما وجدناه بالفعل في شخصية “سليمان” العائش باللحن في محراب الموسيقى.. حيث أصبحت موسيقاه تحمل طاقة كهربائية تطهر كل من يستمع ويصغي إليها، هذا هو الفن الحقيقي الذي يدعو إليه “فرويد”، هذا الفن حالة من التجريد الناسوتي جعلت “سليمان” يتطهر بالفن ويصبح روحا هائمة مجردة عن أي نزوع شهواني، فهو الذي قهر بملكوت روحه إغراءات السيدة الأرستقراطية “ملك”، التي حاولت إيقاعه في شرك “الجسد” ولكنه قهر عالم الجسد بملكوت الروح.
وتتجلى حالة التجريد – في أبهى صورها – وهو يحتضن “حسنية” تلك السيدة التي تمرّغ خدها في تراب مأساة الواقع، وعصفت بها الحياة، ويصف الروائي محمد نجيب عبدالله هذا المشهد فيقول: ” الحضن تماما كالسائل الأحمر في السرنجة، وربما أبلغ أثرا وأبقى. وعندما سرى أثر الحضن في جسدها، بدأت تشنجات حسنية الداخلية تهدأ وتخفت رويدا رويدا، لم تتوقف عن البكاء، لكن الغليان داخلها ينحسر في هدوء(…) لا يكون الحضن حضنا إلا إذا كان طويلا ممتدا تلقائيا إنسانيا بلا رغبات أو اعتبارات أو مقدمات. فقد يشوّه الحضَ شهوةٌ، ويلوثه قطعا شبهة الاعتياد. لذا فقد بدا حضنهما مثاليا للغاية.”
جدلية الــ (أنا) والـ (نحن) وتهشيم الفكر الماركسي:
يحتدم الصراع في “بوابة سليمان” بين الـ (أنا) والتي تمثلها مجموعة من الأنوات، وبين الـ (نحن) التي تمثل البنية التحتية (العميقة) للواقع، هذا الأخير الذي يشكل أفكار الــ (أنا)، وفق ما قاله “ماركس” أن المجتمع هو الذي يشكل أفكارنا، وليس العكس، فالذات واقعة في حيز المفعولية وليس الفاعلية، فالعالم الذي يزوره “سليمان” عن طريق اللحن/ الحلم ماهو غير انعاكسات للواقع الذي تعيشه شخوص الرواية، خاصة “سليمان”، وربما “هند” التي استطاعت – أيضا – أن تعبر إلى هذه العوالم غير مرة، ولكنها لم تجد “سليمان” هناك إذ لكل إنسان عالمه ونغمته الخاصة.
يتجلى صراع الـ (أنا) والـ (نحن) على مستوى الشخوص، فما من إنسان إلا وهو واقع في هذا الديالكتيك (الجدل). فــ (نادر) الذي نشأ في كنف أب يعتنق التدين الظاهري، وكان متشددا عنيفا في تربية ابنه، الذي – وفق هذا التربية – ابتعد عن جوهري: الإنسانية، والدين على حد السواء، انعكست هذه التربية عليه، وتحول كل شيء عنده في الوجود إلى جسد (مادة)، فهذه حبيبة عمره (حسنية) التي منعه أبوه من زواجها، حاول اغتصابها حتى أهرق ماء ذكوريته على ثيابها، لأنها لم تعد أمامه – وفق تربيته- سوى جسد يشتهي انتهاكه. كما تحول التدين إلى وسيلة يحقق من خلالها غاياته وأهدافه، فانخرط – وفق طبيعة أسرته – في سلك الإسلام السياسي الذي لا يقدس دينا ولا امرأة ولا وطنا، لأن التربية العنيفة المتشددة التي تُمَارَسُ على هؤلاء الأشخاص تحول كلّ شيء أمامهم إلى جسد مشتهى حتى الدين مع سمو جوهره النوراني.
في المقابل نجد “سليمان” الذي نشأ يتيما، عاش مشردا، يبتعد عن كل محرم ينتهك حدود الدين والإنسانية على حد السواء، وعاش في حالة من التطهير الدائم باحثا عن حقيقة ذاته.
أما “علا” التي عشقت لحن “سليمان” ولكنهما لم يتفقا من حيث ميولهما الشخصية والنفسية، فافترقا، وحاول “ياسر” الطبيب أن يسترضيها لينعم بالقرب منها وزواجها، وبالفعل استطاع ولكنهما سرعان ما افترقا، لأن طبيعتيهما – المتشكّلة وفق شروط الـ (نحن) – تختلف اختلافا كبيرا، وانتصف كل واحد منهما لشروط مجتمعه وبيئته. التجأت “علا” بعد ذلك لشاب آخر (رامز) متحرر من كل القيود المجتمعية والدينية؛ فانتهك جسدها انتهاكا حيوانيا، وأوقعها في براثن الإدمان.
نجد هنا أن شخوص الرواية معظمها منقهر تحت سلطة الإملاء المجتمعي، فظلت في حيز المفعولية، بينما شخوص آخرون هشّموا نظرية “ماركس” وتحرروا من هذه السلطة، وتتطهروا من الرغبات الجسدية، فانتقلوا من حيز المفعولية إلى حيز الفاعلية كـ [سليمان/ هند]، فمن يحيا رهين سلطة الـ (نحن) يظل مفعولا به، ومن يتحرر من هذه السلطة ينتقل إلى حيز الفاعلية، التي من أجلها خلق الإنسان، بوصفه خليفة لله في أرضه، وهذا ما نجده في قوله تعالى: “إني جاعل في الأرض خليفة.”
تشكلات الأنساق الذكورية والأنثوية:
إنّ الروائي الكبير/ محمد نجيب عبدالله، يكتب بوعي وعن وعي، ولذا تجد البناء السردي عنده – مع طغيان العالم الرمزي عليه – منضبطا (واعيا)، فكل شيء في الرواية يشكل نسقا بعينه، ثم تتموسق هذه الأنساق؛ لينوجد (نسق الأنساق) بمفهومه الثقافي (المجتمعي/ الفكري/ الأيديولوجي)، وقد تعددت هذه الأنساق داخل “بوابة سليمان”. لن يسعنا المقام لعرض هذه الأنساق بصورة تفصيلية، ولذا، نكتفي بذكر نسقين من أهم الأنساق التي ترتكز عليها الرواية.
يتشكل نسق الذكورة في الرواية من مجموعة من الشخوص التي تنتمي لهذا الجنس، ولكن ارتكزت الدراسة على أربعة أشخاص، بوصف كلّ واحد منهم نواة يتشكل منها النسق الذكوري، وهم: [سليمان/ نادر/ جلال/ ياسر] يمثل سليمان حالة من التطهر والرقي الإنساني، بينما يمثل “نادر” ظاهرة “الإسلام السياسي”، ويمثل “جلال” تيمة الضعف والتشتت والضياع، حينما وقع في براثن “نيرمين” التي بعد أن امتصت عسل ذكوريته مارست عليه “السادية” النفسية، وامتهنت رجولته في أبشع صورة ممكنة، أما “ياسر” يمثل القطاع الأعظم من النسق الذكوري المنقهر تحت سلطة المجتمع، وبعد أن حقق مآربه الحياتية، توهجت روحه في ظلال “علا” ولكنه أخفق عندما خرج من شرنقته دون وعي، وتخبّط في مسارات لم يعهدها من قبل، فتهشّمت العلاقة على مقصلة الواقع.
أما النسق الأنثوي، يتشكّل هو الآخر من أربع أنوات أنثوية، وإن كانت الرواية احتشدت بأنوات أنثوية كثيرة، ولكن الدراسة اصطفت هذه الأنوات الأنثوية الأربع بوصفها عاملا من عوامل “التصعيد الحدثي” على مستوى الرواية، فبهنّ – دون غيرهن – يتشكّل النسق الأنثوي، وبهنّ تتصعّد الأحداث، وهذه الأنوات: [ملك/ هند/ حسنية/ علا].
كلّ (أنا) أنثوية من هذه الأنوات تمثل ذرة تكوين لنسقها الأنثوي، فــ “ملك” انتهكت عوالم الشهوة جسدها، ولما حاولت التطهر – مع رفض سليمان الدائم – انتكست مرة أخرى، أما “حسنية” انتصفت لإنسانيتها ولم يستطع نادر إغراءها، مع ما كانت تعانيه من شظف العيش، ولكنها تعلقت بالأيقونة “السليمانية” دون وعي منها، ولكنها موقنة أن سليمان هو الغاية التي تنشدها كل أنثى، مهما اختلف مستواها المعيشي والتعليمي والطبقي. وهكذا كانت “هند” تحاول هي الأخرى النجاة والخلاص عن طريق اللحن السليماني المنشود الأيقوني، وظلت “علا” مشتتة بين عشقها لـ “سليمان” بوصفه أيقونية روحانية- وبين رغباتها الشهوانية وتحررها من كل القيود، التي كانت تحاول تهشيمها دائما وأبدا.. ولكنها ظلت مع هذا التشتت عائشة في الحلم السليماني، وفي هذا يقول الكاتب/ محمد نجيب عبدالله، بعد أن انتهك “رامز” جسدها: “بدأت تدخل فيما يشبه الحلم، أو الكابوس، تتولد لديها الرغبة الملحة في عمل أي شيء جديد. شيء لا تستطيع تحديده، لكنه سؤال في داخلها يطاردها بعنف، والسؤال يزيد كلما مر الوقت، حتة خطر على بالها سليمان فتتساءل فيما يشبه الهذيان متى سيأتي، ربما استحضرته الآن بحثا عن أي شيء تطمئن إليه، فصارت في حالة انتظار له ولمحادثته لتشعر بالأمان.”
تشكلات الهوية في البناء السردي:
إذا كان المرتكز الموضوعاتي لهذه الرواية البحث عن الذات (الأنا)، فالأخيرة لا يتحقق وجودها إلا في ظلِّ “الهوية”، وتتوزع الأخيرة على نمطين: البحث عن “الجوهر” والذي يعني حقيقة الذات، وهذا يستدعي بالضرورة النمط الثاني: هوية الوطن، فلا وجود لـ (أنا) إلا في ظل وطن تتحقق من خلاله هذه الهوية. فلم ينس الروائي محمد نجيب عبدالله أن يعرج على الهوية وهو يبحث في عالم الرواية عن حقيقة النفس مفتشا عن سؤال الوجود.
أول تمظهر للهوية في “بوابة سليمان”، والذي يمثل مرحلة النمو الـ (الجيني)، عندما تعرض الروائي محمد نجيب عبدالله للطبقة المتوسطة، والتي من خلالها ربط الماضي بالآني والحاضر بالمستقبل، كاشفا عن عمق الهوية المصرية من خلال التوصيف المشهدي لهذه الطبقة، فيقول: “الفتاة المتوسطة الجمال، المعتدلة القوام، التي لم تكن لها مميزات خاصة سوى طيبتها البالغة وسخائها اللامحدود في العطاء، نشأت في عائلة متوسطة الحال من الذين يضيقون بظروف الحياة اليومية، ويتمنون دوما لو أنهم كانوا أشخاصا آخرين. والدها موظف نشأ هو الآخر في كنف أسرة متوسطة هي النسخة الحالية لسلسال عريق من العائلات المتوسطة، ولن تتعجب حقا لو وجدت أن أسلافهم الأوائل كانوا من العمال الذين شاركوا في بناء الأهرام، وأسلافهم الأقرب تاريخيا كانوا من الذين قضوا نحبهم وهم يحفرون قناة السويس بأيديهم، حتى ذابت ليظهر العظم منها بسبب المواد الكيمياوية الحارقة التي كان يحتويها الطمي بلا أدوات ولا إمكانيات.”
تبحث الهوية عن مكان تنوجد فيه، فالذات – كما ذكرت آنفا – شرط وجودها مرتهن بالهوية، والهوية لا يتحقق وجودها إلا بالمكان، وبعبقرية ووعي يختار الروائي (القرية) بوصفها امتدادا (أيقونيا) للهوية المصرية، فيقول: “تساءل في قرارة نفسه عن جدوى ظهور الوتر الرابع في غرفته في البلدة عوظا عن مكانها المعتاد. ثلاث علي مخملية من ثلاث زيارات بألوان ثلاثة تحمل أوتارا ملونة لم ير مثلها من قبل.. يجدهن على الكومودينو المجاور لسريره في غرفته على السطح حيث بدأ الجنون كله. والآن تظهر العلبة الرابعة في مكان آخر.”
تحدث عملية تراسل – عبر رمز الأبوة – بين “سليمان” والذي يمثل الحاضر، و (الأب) الذي يمثل التاريخ، وتدور بينهما حوارية متخيلة، يرشد من خلالها الأب – الذي يمثل التاريخ – “سليمان” المنوطة به الأمانة. وإن كان هذا الأمر في جملته متخيلا، ولكنه يبرز فكرة الامتداد الحضاري للهوية المصرية، فيقول محمد نجيب عبدالله: “هو أنا مش قلت لك لما قابلتك وانت صغير إنك لازم تكمل الحكاية من بعدي؟ وقلت لك ده أكتر من مرة بعد كدا؟(…) يبقى انت نسيت يا سليمان.. إخص عليك مع إني أخدتك ووريتك هيحصل إيه… كل واحد مخلوق لسبب يا ابني.. وانت عارف ده كويس.. نفذ سببك يا سليمان… ما تقلقش؛ أنا معاك على طول حتى لو مش بتشوفني.. هو أنا ممكن أسيبك أبدا؟”
تشكلت الهوية في الفقرات السابقة من زمن/ تاريخ، ومكان تتحقق من خلاله، وذات تعتصم بها. لم يقف التشكل الهووي عند محمد نجيب عبدالله إلى هذا الحد، ولكنه يفكك رمز الأبوة ويكاشف المتلقي بفكرة (التجسيد) حيث تجسدت الهوية كائنا حيا، وتشكل التاريخ رمزا سلطويا (أبويا) يطارد “سليمان” في صحوه ومنامه، خوفا على الهوية وضياعها، فيقول: “لدرجة إن أبويَ شخصيا – الله يرحمه – زارني فيما يبدو إنه حلم، أو جايز اتجسد ليَّ وأنا مش عارف، وطلب مني أني أعمل المهمة بتاعتي.”
إن المدهش والملفت في “بوابة سليمان” دقة لغتها، فالأخيرة لا تميل إلى الشعرية والتلاعب بالمفردة بغية الإثارة، ولكنها كتابة الوعي، فكل مفردة أو تركيب عند فحصه نقديا، تتجلى الدقة المتناهية للروائي في اختيار التراكيب اللغوية التي تتماس مع الفكرة والمضامين الشعورية. فعندما يقول:” زارني فيما يبدو أنه حلم” هنا يشكك الروائي في كون هذه المرائي، وينتزعها من عالم الحلم بمفردة (يبدو) ليجعلها أقرب إلى الحقيقة، ومن ثم تأتي مفردة (التجسيد) ليدخل الهوية في حيز الواقع بعد أن كانت بعدا متخيلا في الرواية.
البنية السردية وطغيان العالم الرمزي:
بعد أن طوّفنا في عالم الرواية، نستطيع – الآن – أن نفكك كتلتها الرمزية، فـ (اللحن) الغائب هو حقيقة الذات الإنسانية، والكمان الآلة/ الوسيلة التي من خلالها نلج هذا العالم، والأوتار الأربعة طبائع النفس البشرية المنشطرة بين: [الهوائي/ المائي/ الترابي/ الناري]، وربما تتوزع على مكونات الجوهر الإنساني: [الجسد/ الروح/ النفس/ العقل]، وكل إنسان يختار نغمته الخاصة، التي من خلالها يستطيع الولوج إلى عالمه وجوهره؛ ولذا لم يلتزم الروائي محمد نجيب عبدالله بتراتبية السلم الموسيقي، وتشكلت فصول روايته من أربعة أوتار يبتدرها بــ (صول) ويختتمها بـ (مي)، ليكون هذا الترتيب مختلفا عن السلم الموسيقي المعتاد، ليحمل هذا الترتيب الجديد إشارة رمزية توحي بأن لكل إنسان نغمة خاصة تتسق مع ذاته وحده كبصمة الأصابع، وعلى كل إنسان أن يبحث عن نغمته الخاصة، مستعينا بــ الوتر (صول) والذي يعني في عالم الموسيقى المفتاح.
يحمل كل وتر لونا مغايرا، ولذا ارتكزت الرواية على أربعة ألوان: [الأزرق/ الأحمر/ الأخضر/ الأصفر] حيث يحيل اللون الأزرق إلى الحلم/ التحرر/ الفضاء الجديد، ويشير (الأحمر) إلى الرفض وكسر القيود، ويرمز (الأخضر) إلى الحياة، (والأصفر) يعني الموت، وهذه الألوان الأربعة تمثل دائرة حياتية لا متناهية، حيث يتحول (الأصفر) بحركية دائرة الحياة إلى أزرق مرة أخرى، ليبقى الإنسان وتترسخ هويته، وكأن الروائي بهذه الدائرة اللونية التي رسما بحرفية واقتدار يشبه الإنسان بالعنقاء التي كلما احترقت أجنحتها، وصارت رمادا، عادت للحياة من جديد.
الكمان في كل فصل من الفصول، كان الروائي يبتدر بها المشاهد، ويعرفها أربعة تعريفات يكمل بعضها بعضا، وإن دققت النظر، تيقنت أن محمد نجيب عبدالله كان يعرف الذات الإنسانية ولكنه اتخذ الكمان رمزا روائيا.
الأنثى الوحيدة التي لم أتعرض لها أثناء التحليل الآنف (ريحانة) تلك النورانية المركوزة في عالم اللاوعي السليماني، تلك الأنثي التي لم يكتمل إلا بها، عندما عزفت على البيانو.. وهنا تتسع عملية التأويل، فالكمان مفردة أنثوية تنبعث الرقة منها، نشبّه بها جسد المرأة دائما، ولذا، لم تنبض بلحنها إلا في حضن الرجل (السليماني)، والبيانو مفردة ذكورية لم يستطع استنطاقها في المشهد الأخير إلا (ريحانة)، ومن خلال هذه الرمزية المتعالية يتحدث الروائي محمد نجيب عبدالله عن فكرة الاكتمال بين الذكر والأنثى، فلا نجاة ولا وصول لأحدهما إلا بوجود الآخر، فسليمان يبحث عن لحنه الضائع في أنثى الكمان، وريحانة تفتش عن لحنها في البيانو السليماني. كتلة رمزية متعالية تستحق الإشادة والتقدير.
