الرواية والواقع وأيديولوجيا المجتمع

بقلم د- محمد عبد الله الخولي/


      
يعتقد الكثيرون أنّ الرواية – بوصفها جنسا أدبيّاً – تنتمي إلى الواقع، وتلتصق به، إذ يعدها البعض مجتمعاً صغيرا، أو كوناً مصغرا من الكون الذي نعيش فيه، ولكن هل واقع الرواية هو الواقع المجتمعي الذي نحياه؟ أم ثمة فرق بين الواقعين؟ إنّ الأدب عموما لا يخلق واقعا موازيا، بل يخلق عالمه الخاص به، وأعتقد أنّ هذا العالم الخاص بالأدب، هو الذي يجذب القارئ إلى الأدب بشتى فنونه. وهذا الخلق الجديد ليس خلقا من عدم، إذ الواقع المُعاش هو المادة الخام التي ينخلق منها الشعر والرواية والقصة والمسرح، فثمة اتصال وانفصال بين الواقعين، وكل فن من الفنون الأدبية يخلق عالمه بمرتكزاته الخاصة وآلياته التي تضمن له خصوصيته، فمعالجة الشعر للواقع تختلف كثيرا عن معالجة الرواية له، فالشعر يميل ناحية التخييل، ويخلق واقعه في عوالم بعيدة كلّ البعد عن الواقع المعاش، فيتبادر إلى ذهن القارئ أنّ العالم الشعريَّ بعيد كل البعد عن واقعنا، وهذا الأمر ليس صحيحا، فالفنون الأدبية بسائر أنواعها تنتمي بشكل أو بآخر إلى الواقع وهذا لا جدال فيه، إذ انفصام الفنون الأدبية عن واقعها يعد ضربا من الهذيان، والفنون الأدبية مهما استغرقتها عوالم التخييل فهي منغرسة بالقوة في المجتمع ومنقهرة تحت سلطة الواقع.
تتمايز الرواية عن الشعر وسائر الأجناس الأدبيّة الأخرى ببنائها السردي الذي تنطمر فيه الحكاية، ويكون القارئ بين أيديولوجيتين: أيديولوجية الروائي، وأيديولجية الواقع، إذ تنتمي الأخيرة إلى الواقع بملابساته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فهي تمثل ” الوعي الجمعي ” للمجتمع أو ” الأنا الكلي ” بينما تمثل الأولى ” الوعي الذاتي ” أو ” أنا المتعالي” ونقصد بالأخيرة وعي الذات بواقعها والذي يتماس مع الواقع إذ هو طينة الخلق التي تنخلق منها الرواية، ولكنه مع هذا التماس والتقارب يبتعد أيّما ابتعاد عندما يعيد خلق هذا الواقع في عالم الرواية وبنائها السردي. وتظل الحكاية هي نقطة التلاقي التي تجمع بين الروائي والقارئ، فكلما كانت الحكاية الواقعية هي آلية التواصل بين مبدع النص ومتلقيه؛ يظل القارئ منغرسا في واقعه دون أن ينفلت منه حال القراءة، ومن هنا تكون الرواية وعن طريق الحكاية هي الأقرب – من حيث معالجة الواقع – إلى القارئ، وكأنّ الرواية كلما انتمت إلى واقعها كلما اقتربت من قارئها ” إنّ هذا العالم الروائي أو الواقع الروائي هو إعادة إنتاج لمعطيات الواقع الخارجي، وخبراته الجمّة المعاشة بالمنطق الخاص للخطاب الروائي. والاختلاف والتناقض بين الواقعين، المتخيل المبتدع والخارجي المعاش، هو تأكيد في ذاته لرابطة العِلِّيّة بينهما. إنّ الواقع الروائي هو عامة رفض للواقع السائد… وهو رفض يتحقق بإبداع عوالم متخيلة بديلة، أو بإعادة تشكيل معطيات العالم الخارجي تشكيلا قد يكشف جوهر نواقصه، أو جوهر صراعاته، أو جوهر حركة قواه الاجتماعية المختلفة.” فتسليط الضوء على الواقع لا يعني بالضرورة التشابه والتقارب بين الواقعين، إذ تتجلى وجهة نظر الروائي ورؤيته للعالم ومعالجته المتمايزه لقضايا الواقع – من خلال الرواية التي تمتطي ظهر الحكاية الواقعية؛ بغية انغماس روايته في واقعه
” فمن العبث وضيق الأفق أن نقول بالمطابقة بين الواقع الروائي المتخيل والواقع الخارجي المعاش، أو أن نحاسب الخطاب الروائي بمدى مشابهته للواقع الخارجي في أحداثه وشخصياته وعلاقاته، وبنية عالمه – فهذا مفهوم مآلي قاصر للعلاقة بين الخطاب الروائي والواقع… وهذا لا يعني القطيعة المطلقة بين عالم الرواية وعالم الواقع، ولا يعني هذا نفي معلولية عالم الرواية لعالم الواقع الخارجي، ولا يعني أن عالم الرواية كينونة قائمة بذاتها تصدر من لا شيء.” فهي صادرة عن واقع الروائي المعاش، إذ لولا الواقع ومعاناة الكاتب لهذا الواقع؛ لما انوجدت كل هذه الفنون الأدبية.