في الغرفة رقم 6
بقلم سمير لوبه/


( ١) صباح الخميس، والشمس لم تزل تمسح وجه المدينة بعينٍ ناعسةٍ حين سرت في طريقي المعتاد إلى العمل، أدخل يوماً جديدًا يشبه الذي سبقه، غير أن الجسد ذاك الصندوق الغامض، قرر أن يصدر إشارة طارئة، فجأةً ثقُل ذراعي الأيسر، تبعه ألمٌ مريبٌ في الكتف، صحبه تنميل في الرأس الذي خلّف صداعًا كالطَرق، متواتر وموجِع، بينما راحت أصابع كفي اليسرى ترتعش رعشة لا تعرف الهدوء، حتى أنني عجزت تمامًا عن الإمساك بكوب القهوة، من حولي كانت العيون تترقب، والزملاء يتبادلون النظرات، مما يشي بأن هناك شيئًا كبيرًا يحدث لا أراه، حاولتُ أن أجد جملة واحدة موزونة أطمئن بها الزملاء الذين التفوا حولي ، قلت إنني بخير، فارتبك لساني، وتبعثرت كلماتي؛ فلم يُقنعهم عنادي بالبقاء وعدم الذهاب للمستشفى، فالمشهد أقوى من تبريراتي المرتبكة، وفي لحظة حاسمة، حملني زميلي إلى طوارئ مستشفى التأمين الصحي.
( ٢) الساعة حوالي 9:20 صباحًا حين دخلت من بوابة الطوارئ، وما بين تسجيل الدخول والكشف الأولي والقرار بعمل الأشعة المقطعية على المخ، ورسم القلب، وتحاليل الدم، كانت الساعات تتناقص من عمري وأنا لا أدري أي شبح هذا الذي يمر بي، لم يكن الألم هو ما يُخيف، بل هذا الترقب الصامت، حين يجلس المرء في ممرٍ بارد لا يعرف إن كانت الحياة تُعطيه فرصة أخرى أم تلوّح له من بعيد، الأطباء لطفاء، الممرضات كرماء، والخدمة تليق بكرامة الإنسان، لكن الروتين ذاك العجوز الثقيل الذي يمشي ببطء قاتلٍ كان حاضرًا كعادة لا تعرف الاعتذار، تسع ساعاتٍ أمضيتها متنقلًا بين قسمٍ وقسم، جواباً وسؤالاً، انتظارًا وتسجيلًا، إلى أن استقرّ بي المقام في حجرة رقم 6 قسم العصبية، عند الساعة السادسة والنصف مساءً، تم حجزي تحت الملاحظة؛ لأتلقى العلاج المناسب لحالتي المرضية، وتم ذلك على خير وجه.
تسع ساعاتٍ عبارة عن شريطٍ طويلٍ من الإجراءات المتشابكة، بينما رعشة الكف ما تزال تهمس بشيء مقلق، ووخز الصدر لا يفهم لغة التأجيل، وأتساءل بصوتٍ لا يسمعه أحد:
– ماذا لو كانت حياتي مرهونة بثلاث ساعاتٍ فقط؟ كم من الأرواح تنتظر أمام مكاتب التسجيل وخزائن الملفات؟ كم من نبضٍ توقف لأن الروتين له الأولوية قبل الطبيب؟
لا أنكر نظافة المكان، ولا أناقة الخدمة، ولا الجهد الذي يبذله طاقم المستشفى، ولكن متى نتعلم أن نضع الألم في المقام الأول، أن نُسعف الحياة ثم نُتمم الأوراق؟ متى نُبدّل النظام ليكون في خدمة الإنسان لا العكس؟
في تلك الليلة، وأنا على سرير المستشفى أدركت شيئًا مهمًا للغاية، لسنا فقط بحاجة إلى علاجٍ طبي، إنما إلى قلبٍ إداري ينبض بسرعة الحياة، وليس بإيقاع الملفات.
( ٣) ربما كنتُ محظوظًا لأنني مررت من الجلطة بخير، لكنني ما زلت أذكر الكوب الذي لم أستطع حمله، واللحظة التي شعرت فيها أن لغتي خانتني، ذلك الكوب، وتلك اللحظة، سيبقيان شاهدين على ضرورة أن نُعيد ترتيب أولوياتنا، فالحياة لا تنتظر تسجيل الملفات ولا بطء الإجراءات الروتينية.
مرّت الأيام في المستشفى ثقيلة كأنّها حجارة تُصفّ فوق صدري، لا الليل ينجلي، ولا النهار يحمل في طيّاته بُشرى، وأخيرًا أطلّ الفجر، حين دخلت الطبيبة المعالجة بابتسامةٍ مثل قبس نور من حياة جديدة، لتخبرني أنني سأغادر، شريطة إعادة تصوير أشعة مقطعية للمخ، لم أجادل، كانت النجاة وحدها تكفيني، والشرط وإن بدا عسيرًا لا يُقارن بجحيم الجلطة التي نجوت منها بفضل الله.
بدأت روحي تسترد بهجتها شيئًا فشيئًا، حتى توقّف كل شيء فجأة، حين ظهر موظف شئون المرضى، بوجهٍ جامدٍ لا يعرف للرقة سبيلًا، وألقى على مسامعي جملةً وحيدة حوّلت الضوء إلى عتمة:
– دفتر التأمين انتهت صلاحيته، إن لم تُجدّده غدًا، فعليك دفع خمسة آلاف جنيه، وإن غادرت المستشفى دون تصريح خروجٍ، سيُحرر لك محضرٌ، وتُغرّم فوق المبلغ، ويُوقف دفترك نهائيًا، وتعتبر منقطع عن عملك عن الأيام الفائتة.
( ٤) لم يكن موظف شئون المرضى مجرمًا، كان يؤدي عمله، وأنا، مجرد مريض يتشبث بخيط حياة، ومطلوب منه أن يخوض ماراثون بيروقراطي لا يقوى عليه جسدٌ مُنهك، بين محل عملي في محرم بك والتأمينات في المنشية وتجديد الدفتر في ستانلي، ثم تسليمه للمستشفى في الحضرة، على أن يتم ذلك قبل الثانية عشرة ظهرًا، لم يعد بوسعي إلا أن أستعين بصديق، أو تخوض زوجتي غمار تلك المعركة البيروقراطية بشجاعة الفرسان، تركض مكاني بين المكاتب، توقّع الأوراق، تختم الدفتر، وتسابق الساعات قبل أن تشير إلى الثانية عشرة ظهرًا، حينها تغلق عيادة التأمين أبوابها، وتُغلق معها نافذتي الوحيدة نحو الخروج، وتحملت الزوجة العبء بكل فروسية، ومع الصباح الجديد وكلي أمل في الخروج، يأتي الطبيب لتوقيع الكشف الطبي، فيقرر علاجًا وأشعة دوبلر على شرايين الرقبة، وبالتالي بقاء يوم آخر في المستشفى، كما انتصرت البيروقراطية في معركتها الأولى على مساعي زوجتي الحثيثة لإتمام الأوراق الطلوبة لتجديد الدفتر، لأن موظف التأمينات يريد ورقة مختومة تثبت أنني محجوز في المستشفى، والمستشفى ترفض طبعًا.
( ٥) تعود الفارسة الشجاعة مرة ثانية لخوض معركة جديدة مع البيروقراطية اللعينة وكلها إصرار على تحقيق الانتصار كي يتم الإفراج عن الزوج من محبسه الطبي، وكلما عدت إلى سريري في الغرفة رقم 6 أتخيل نفسي عندئذٍ وقد صدر قرار الإفراج عني من عنبر العصبية؛ لأُغادر المستشفى بروحي قبل جسدي، وأفتح باب بيتي، وأغني بفرح طفولي أغنية اللمبي ” طالع خلاص بكرة براءة “، أود أن أغنيها امتنانًا لانتصارنا في معركة البيروقراطية، والخروج من سجن ملفات التأمين الصحي، وجاء اليوم الموعود والحمد لله، وخرجت من المستشفى سعيدًا مبتهجًا، أحمل كيسًا يضج بالعلاج، وحال لساني يغني ذات الأغنية ” راجع لبيتي وسريري، راجع لفوطتي وبشكيري “
