من خجل ماركيز إلى سحر الأدب ودهشة القارئ..

بقلم الكاتب سمير لوبه/



ثمة خجل لا يُرى لكنه يُكتب، من هذا الخجل كتب غابرييل غارسيا ماركيز ” أنا كاتب لأنني إنسان خجول، إن صنعتي هي السحر، لكن طول المدة التي أستغرقها في صناعة سحري تصيبني بالاضطراب؛ فأضطر إلى أن أحتمي بالعزلة التي يوفرها لي الأدب” غابرييل غارسيا ماركيز
من هنا تبدأ الحكاية، ليست الحكاية عن ماركيز وحده، الحكاية عن كل مبدع جعل من الكلمات مأوى، ومن الورق بيتًا، ومن الصمت قاعة انتظار، لم يكن الأدب يومًا مهربًا للخجولين فحسب إنما قنطرة عبور إلى قلوب لم تعرف كيف تعبر إلا همسًا إلى عوالم لم تجد لها شكلًا إلا في الخيال، وإلى وجوه لا تُرى إلا في الظل، الأدب هو تلك المسافة الشفافة بين الرغبة في أن نُرى، والخوف من أن يمسك بنا الضوء ونحن عراة تمامًا من الأقنعة.
الخجل هنا لا يُقصد به التواري إنما يُقصد به ذلك العمق الداخلي الذي لا يُرضيه التستطيح ، هو الحذر من الابتذال، من الكلام الزائد، من الظهور الفارغ، ولذلك يكتب المبدع، ليس طمعًا في إبهار الآخرين لكن لينقذ شيئًا داخله من الغرق في العزلة، وفي صمته يُولد السحر سحر الكشف، ففي كل جملة تُكتب محاولة لفهم الذات، وفي كل قصة تُروى تفكيك لشفرة الروح.
ماركيز في مقولته لا يسعى إلى المجد، إنما يسعى للمحبة، فكم من كاتبٍ ظنّه الناس مشغولًا بالجوائز، وهو في الحقيقة لا يريد سوى أن يشعر بأن ما كتبه مرآة صافية لقلب إنسان آخر لا يعرفه لكن يشعر به، فالأدب لم يكن يومًا تجارة كلمات، إنما هو بناء جسور بين غرباء، كل كلمة يكتبها المبدع يمد بها يدًا خفية في العتمة لعل يدًا أخرى تمسك بها.
أن تكون كاتبًا يعني أن تكون خائفًا وجسورًا في آن واحد، أن تكتب عن الحب، وأنت لا تعرف كيف تعبّر عنه في الواقع، أن تحفر في الذاكرة، وتحمل مرآة للزمن، وتصوغ من التفاصيل اليومية ملحمة.
ولهذا فإن الأدب ليس زينة للحياة فقط، وإنما هو ضرورة من ضروراتها، هو النداء الخافت في الزحام، هو الكلمة حين يعجز الصوت، هو النور الخفيف الذي ينبعث من نافذة في قلب الليل الحالك، ويصير القرّاء في حضرة سحر المبدع  مُندهشين، مأخوذين، محبين للأدب، ماركيز هنا لا يصف حالته وحده، ماركيز يرسم أيضا ملامح كل مبدعٍ حقيقي يرى في الورق أكثر من وسيلة تعبير؛ يراه بيتًا، مرآةً، وممرًا بينه وبين القرّاء للعبور من عالم لا يحتمل الصمت إلى كلمات تُسمع حتى في الغياب.