مبدعون في الفشل!
بقلم خليفة عبدالسلام /

في ساحة، كان ولابدّ، أن يستقر حالها على الأفضل، وأن نبصر وضعها يسمو للرقيّ، وبدل أن يتجسد -ملء رؤانا- مشهد الثقافة العام، في أقسى صور الانهيار، والنخب ماضيةٌ به نحو الهشاشة، لنشهد مقتل القيمة والجودة معًا.
أمّا الجاني؛ نخبةٌ تدّعي الاستثناء، ومعه المثالية! لا تعترف بأيّ شيءٍ، عدا اسمها.. وتنكر الآخر، مهما قال وفعل! تنازلت بمحض الإرادة عن دورها في بناء الوعي الجمعي، وتصحيح الأعطاب، وإنقاذ الساحة بالتوجيه السليم والإرشاد للمسار الأمثل، وغفلت أن تجعل من نفسها القدوة الأفضل!
وبعد أن سقطت سلفًا أمام الحداثة، وانكسرت أمام إفرازاتها صاغرةً، وباركتها مهلّلةً بحمدها، كان سهلًا أن تتنازل عن المبادئ والقيم، وبعدها حدث كلّ شيء بسلاسة؛ إذ انهارت انهيارًا سريعًا، وفقدت الوعي وقناعاتها بالصالح العام، ومضت لحال مآربها، تركض خلف مصالحها الشخصية تحت مقاس: ماذا سأجني؟ وكم المكسب؟ فخلقت الفراغ الذي -مع الوقت- تضخم، فوجدت مكانها الرداءة والتفاهة معها، وعثرت الفوضى على المساحة اللازمة لتنظيم نفسها!
وفي ظل هذه النكبة، تأسّست الأزمة!
النخبة المرتزقة التي ركبت صهوة أيديولوجيات سامةٍ، أدمنت عبوديتها لها، ومن أجلها لعبت دورًا رئيسًا في تغريب الساحة، وبصنيعها تم إنجاب أجيال تمارس ثقافةً مصابة بالانفصام، وأنتجت أدبا هجينا: شكلا ومضمونا، لغةً ومعنى، لا هو عربي، ولا هو غربي؛ وفنا مشوه الملامح ركيك الشكل أعرج!
فلا الثقافة، ولا الفن -بتنوعه- أصبح يبني فكرًا.. أمّا النقد، ففقد السّلطة، وتحوّل لمجرد خدمة تصلح للتلميع، تُقدّم على سبيل المجاملة، بناءً على ما تفرضه المصلحة!
وإذ نظرنا بتمعنٍ تجاه كمية الملتقيات، والندوات، والمؤتمرات، والنقاشات، والمحاضرات، والاجتماعات، وكل الفعاليات الثقافية، فسنجد أنّها عقيمة على أرض الواقع، فاقدة النتائج، ولم تنعكس بشيء !! وعلى هامش المال العام الذي تستنزفه، لم تعد تصلح سوى للبريستيج والتمظهر؛ إذ يتم استغلال بعض اللّقطات في تأليف مشاهد لترويج بطولات -لا يؤمن بها الواقع- على المواقع، والتباهي بانتصاراتٍ من وهمٍ، في حقيقتها فشلٌ ذريع!
ما يحصل في المواقع، يثبت -من جهةٍ أخرى- هشاشة النخبة، فبدل أن تكون هي الرائدة لتُأثّر وتقود، فشلت وتشقلب حالها، فتأثرت، وباتت جزءًا من القطيع، لا وجه اختلاف!! وهي من أصبحت نسخة طبق الأصل منه، ممارسة وسلوكًا؛ حيث صار أكبر همّها الشاغل أن تنشر أيّ شيءٍ، مهما كان، وتسعى معه خلف “الجامات”، ولملمت الإعجابات، وتركض وراء نسب المشاهدة! وتحوّل الإشكال عندها؛ إذ باتت -الآن- تدرس وتبحث في حلول تفكّ بها عقدة التفاعل.
ومنه؛ إذ أردنا قياس مستوى الممارس، ننظر للأبعاد التي يعمل في ظلّها. وها هي نخبتنا حدّدت أبعادها التي تمارس في ظلها، هوس الظهور والشهرة! لنفيق على نكستها، ونكتشف أنّها قد هزمتها المغريات، وسقطت ضحية اسمها، وأصبحت تتخبّط في الشكليّات والسطحية! ولتحافظ على موقعها وتموقعها، في ظل عجزها عن لعب دورها بامتياز، وإصابتها بالعقم، راحت تصنع التحالفات، وتفتل التكتلات، واستقلت المواقع؛ أين تقرع طبول حروبها، لتعيش معاركها الافتراضية، مع أعداء صنعتهم من وحي خيالها، من اللّاشيء.. ومن أجل اللّاشيء، فربّما تظفر بالبطولة!
ورغم أنّها سبب رئيس فيما آلت إليه حالة الساحة الثقافية، لكن يبقى أكبر جرم ارتكبته، هو قتل الطموح، ومحارتها للمبادرة، وانتقامها من كلّ مثقف يملك الوعي؛ فغلقت الأبواب، وهمّشت فريقًا، وركنت آخر في حلكة الأقبية، حتّى زرعت اليأس، وداست الأمل بأسفل القدم، ورسّخت صورة الثقافة سوداء قاتمة في ذهن الممارسين!
أمّا هي، فبقيت بالتلميع تارة.. وبالتبطين أخرى، تصرخ مبرزةً ألقابها، وتمجّد في إنجازات من عدم، وغفلت أن الثقافة لا تُبنى بالخطابات، وليست شعارات. حتّى بات السؤال يفرض نفسه:
هل حقًّا نملك نخبة؟!
وهل يستطيع هؤلاء تأثيث المشهد الثقافي الذي يرمي لصناعة حضارة؟!
ولماذا عجزت عن كلّ شيءٍ منذ سنين، وسنين!
فهل أنجبت -مثلًا- نظرية ما، أو جنسًا أدبيًّا خالصًا من رحم الثقافة العربية؟! هل طرحت فلسفةً، أو وُلد من بطن فكرها مدرسة فنية ما؟!
فشلت في كلّ شيء، وقبعت تتبنّى؛ لأنّها فقدت في الأصل القضية.. ولأنّها لا قضية لها، فقد غدها
فمن سينقذ الساحة من هذه الأزمة؟!
