شعر العامية المصرية
سرديات البحر والغربة وتَشَكُّل الأكوان الاستعارية
ديوان: “قبل ما يختفي الإرسال” لـــ سـارة وهبة (أنموذجًا)
رؤية نقدية: د. محمد عبدالله الخولي

إنّ ديوان” قبل ما يختفي الإرسال” للشاعرة (سارة وهبة)، يشتبك وبشكل ملفت مع السرد، بل تتداخل البنية النصية (الشعريّة) مع سرديات مختلفة: سردية الغربة، سردية الذات، سردية البحر، سردية الصمت، سردية الزمن، وسردية الأشياء. تتداخل هذه السرديات مع البنية النصية/ الشعرية مكونةً سردية كبرى؛ ليؤدي السرد مهمته داخل البنية الشعريّة.
تنبني السرديّة في الديوان على حركَّية الزمن باتجاه معين عكس إرادة الذات الشاعرة/ الساردة، وهذه الحركيّة ينشطر – من فعلها – المكان في البنية السردية، وتحدث حالة من الانفصال بين (البر/ البحر) فتنفصل الذات عن آخرها جسديًّا.
يعبث الزمن ويفرض سلطته على بنية النص؛ ليصبح الزمن هو الفاعل/ المحرك الوحيد للموضوع النصي المتنامي داخل البنية المتحركة بحركيّة الزمن. بداية من العنوان: “قبل ما يختفي الإرسال” تتصدر (قبل) العنوان بدلالاتها الزمنية المختلفة، ثم تدخل (ما) المصدريّة الظرفية على الفعل (يختفي) ليتحولا إلى مصدر مؤول، ويختلف الأخير عن المصدر الصريح، حيث الأخير يحمل حدثا دون زمن، بينما المصدر المؤول يستدعي زمنا مع تجليات الحدث في المصدر. يحيل المصدر (الإرسال) ضمنيا إلى مسافة زمنية يقطعها الصوت حتى يبلغ المرسل إليه، إذن، العنوان – بوصفه نصا موازيا – ينبني وفق مقولة الزمن.
وقبل الولوج إلى العالم النصي، نتستدعي مقولة (نيتشه) عن الزمن، حيث يرى “أنه لا وجود للزمن” بل يوجد حركة كونية من خلالها يستقرئ الإنسان الزمن، فالشمس عند بزوغها لا تعلن زمنا ولا تاريخا ولا يوما ولا رقما، ولكن الإنسان هو الذي – وفق إدراكه العقلي – هو الذي استطاع أن يحوّل حركية الكون من حولة إلى مقولة منطقية تدعى (الزمن).
وللسرديات أزمنة متعددة مختلفة ومتمايزة، وكل زمن من الأزمنة المشتبكة مع السرد وفعل الحكي يعده النقد بابا من خلاله نلج إلى العمل الأدبيّ. والزمن المرصود – من قبلنا – في الديوان الزمن النفسيّ، الذي تشكّلت بلونه التجربة الشعرية في هذا الديوان. إن الزمن النفسي لا يخضع لقوانين الزمن الخارجي (القياسي) المنضبط على إيقاع الساعة وحركيّة العالم، بل هو زمن خاص تحكمه التجربة، وتحدد سيولته الذات الإنسانيّة، فربما يمر الوقت (القياسي/الخارجي) على الذات بمدة تستشعر الذات طولها أو قصرها، فتمر ساعات الفرح على الإنسان سريعة، بينما تمر ساعات الحزن/ الانكسارات/ الغربة بمدة تحسها الذات أطول من قياسات الزمن الخارجي.
تنشطر الذات الساردة/ الشاعرة بين زمنين: قياسي (خارجي) كان سببا مباشرا في عملية (التغريب) القهري للذات الثانية التي انفصلت جسديّا عن الذات الأولى؛ وبناء على ما سبق، بدأ الزمن الثاني (النفسي) في عملية النشؤ داخل الذات الشاعرة، وكان الزمن (النفسي) هو المتحكم الأوحد في تكوين البنية الشعرية، بل جعلها تتوسّل بالسرد لتتمكّن الذات من ممارسة فعل الحكي؛ للتعبير عن أزمتها مع العالم/ الواقع الذي كان سببا مباشرا في عملية التغريب. فالبنية الشعريّة توسلت بالسرد لممارسة فعل الحكي تخفيفا من وطأة المعاناة؛ لأنّ توسُّلات الرجوع/ العودة – قبل التغريب القهري – لم تصل إلى الذات المسافرة حيث اختفى الإرسال، ومن هنا بدأ الزمن النفسي يمارس عنفه على الذات.
بداية من الإهداء يتجلّى أول مكون سردي، حيث تتمظهر في بنية الإهداء، ثلاث شخصيات: الشاعرة (الساردة)، والذات الصامتة – التي تحتاج إلى من يتكلم بالنيابة عنها – وهو الطفل (حمزة) الذي لم يسمح له الواقع وفق قانون الزمن بالكلام؛ لصغر سنه، ولكنه مع صمته وسكونه كانت له حركيّة فاعلة في بنية الحكاية، حيث استعصمت به الذات الشاعرة (الساردة) لتقوي علاقتها/ تمسكها بالحياة، أما الشخصية الثالثة، والتي تمارس فعلا تشاركيا في إنتاجية النص حكائيا هي الذات الأخرى التي انجبرت عل فعل التغريب، وهذا يتلاحظ لدينا من خلال بنية الإهداء والتي تقول فيها الشاعرة:


(الشخصية الأولى/ الشاعرة- الساردة)
لصوت الشروق اللي في حناجر العصافير
وللشمس اللي بتخبط على الشبابيك في كل نهار
وللبحر اللي شايل فوق كفوفه حبيب
ولابتهالات الشيخ نصر الدين طوبار
(الشخصية الثانية/ الصامتة- حمزة)
لحمزة..
لأني من غيره
مكونتش هسأل الأشياء عن اسمها من تاني..
ولا ههتم اني اختبر الأكل بلساني
وما كونتش هنام بالليل..
بدون ما اخاف من الأشباح..
ما كونتش هكتم الدمعات
واقول اهو هم كان وانزاح.”
(الشخصية الثالثة/ الذات المغتربة)
خدت أيه مـ الدنيا؟ قلت: انتي
إنتي موج البحر وسفينتي
قلبي رق عليك.. واشتاقتي
ليه بتبكي ياروحي.. دلوقتي
وانتي عارفه البحر بظروفه.
منذ العتبة الثانية: (الإهداء) ترصد لنا الذات الشاعرة (الساردة) شخصيات حكايتها، الذات التي تمارس فعل الحكي وتتجرع مرارة الهجر في آن، والذات التي يمارس عليها الزمن عنف التغريب، وذات (صامتة) تتغذى الذات الأولى وتقتات من وجودها وتتولى الحكي نيابة عنها.
لما تكرر فعل التغريب القهري على الذوات في الواقع مرات ومرات، رصدت لنا الشاعرة ثلاثة أزمنة تمارس من خلالها الوصف السردي المنغمس في ماء الشعر عبر ثلاث رحلات، فكانت كل رحلة مرآة تتجلى عليها صور مختلفة من انكسارات الذات المنشطرة بين هنا(البر) وهناك (البحر) بفعل التغريب.
إعادة تعريف الزمن واتساع اللحظة الزمنية:
بعد أن اختفى/انقطع الإرسال بين الذوات في الحكاية بشروط الواقع (المحايث) تغيّر مفهوم الزمن والإحساس به وفق منطق الذات لا العالم، فأعادت الشاعرة/ الساردة تعريف الأزمنة والفصول مرة أخرى وفق رؤيتها للوجود فتقول:
واعرف فصول الدنيا من قربي للتفاصيل:
اعرف خريف الريف أول ما أشوف أمي
بتفرّط الرّمان
واعرف ربيع الدنيا…
لما العيال في الحارة صوتهم يرج البيت..
تسقط خلايا النحل
بعد اما فك حصارهم سجن الشتا والوحل
واعرف دخول الصيف..
لما يسيح الكحل
لكن..
مااعرفش ليه..
مااعرفش حاجة عن الشتا اذكرها جوا النص.
جايز عشان..
كل اللي كنت اعرفه خلاني ما اعرفهوش
أو مــ القسى في الوصف قررت مااوصفهوش
معدش قلبي بيفتكر شيء للشتا غير
فك أحبال المراكب
مشهد فراقها للرصيف.”
تَشَكُّل الجمل الشعرية وفق إيقاع الزمن:
عندما تتعمّق الذات (الشاعرة/ الساردة) في وصف العالم (المكان) من الخارج، كانت تخلق لنفسها مساحة كبيرة تتمظهر في طول الجملة الشعرية؛ لتتمكن من وصف العالم/ الواقع حال غياب الذات الأخرى التي ترتكن إليها ولا يكتمل العالم إلا بها، فتقول:
“النهاردة الشمس رافضه تبص في عيون البيوت
والبيوت كانت عيونها مغمضة
خايفة من غدر السحاب
نامت العصافير في أحضان العشش
واستخبى القمح خايف جوا غاب
والنوارس
عملوا حلقة ذكر في النيل على المراكب
والمراكب ماسكة في إيدين الرصيف.”
تتناقص هذه الجمل وتتآكل مساحتها عندما تستغور الذات أعماقها وتستدعي لحظة الفراق، وتمارس حركيّة الزمن عنفها على الذات؛ لتختطف منها ذاتها الأخرى، والشاعرة تحاول أن تثني آخرها عن السفر، والأخير فعل ضروري للحياة والعيش، فكانت سطوة الزمن على الذات المغتربة أكثر عنفا من استعطاف الذات للمسافر وهي تتوسّل إليه أن يعود، قبل أن يختفي الإرسال. إنّ الصراع النفسي بين الذوات والزمن لم يترك مساحة كبيرة للتعبير؛ فالزمن يزاحم الذات على مستوى الوجود الــ (خارج- نصي) ويمارس سلطته على الجملة الشعريّة فتتآكل مساحة الجميلة لتتناسب حركيّة الإيقاع مع حركة الزمن فتقول:
“قفلة الشنطة الأخيرة
ضمة الحض الأخير
فتحة الباب الأخيرة
قفلة الباب الأخيرة
بصة الشيش الأخيرة
دمعة البصة الأخيرة
والمكالمات الأخيرة
اللي كان نفسي أولك فيها ترجع
قبل ما يختفي الإرسال.”
انكشاف حقيقة الذات على مرايا الغياب:
في قصيدتها “مسالمة” تُعرِّف الذات نفسها وتتبدّى انكساراتها على مرايا الغياب، وكأنّ التجربة العنيفة للغربة جعلت الذات تكاشف نفسها بحقيقتها، ولكنها حال المكاشفة تجلى جمالها الإنسانيّ، وكأنّ عنفَ التجربة وسطوة التغريب أصابا الذات برقة شعورية ورهافة حسٍّ ففاضت الذات على العالم بجمالها الداخلي المقدس، وكأنها بهذا الجمال تواجه عنف الواقع، واستطاعت أن تحدث حركة جمالية في الكون بشعورها الإنساني الرهيف، ولكن سرعان ما تلاشت هذه الحركة وانكسرت صورتها – مرة أخرى- على مرايا الغياب، فتقول:
دايما عيني تشوف الدنيا من كادرات الزاوية الأبعد
علشان كدا مــ النادر جدا هسأل “ليه”
وممكن أعيش من غير الشوف
وباالف واطوف حوالين الصدق كأنه الكعبة
وممكن اخلع قلبي لطفل واقوله دي لعبة
وممكن أهادي الناس بخلايا في روحي
وافضي جروحي في حضن مخدة
وبكل محبة.. ممكن أسيب للعالم دمي
بس يسيبلي قصاده سلام
عمري ما خضت حروب بإرادتي
ولو بإرادتي هسلم قبل ما اخطي الحرب
ولو سألوني في طرق الموت اللي بفضلها
هاقول في سريري..
وبحض كل حبايبي وانام
وابقى في ظني ان انا تقلت في أكل امبارح
علشان كدا معرفتش اقوم
وممكن أعوم من غير ما اتعلم
شكل العوم
(…)
لسه بخاف مــ الشنطة الفاضية..
ومــ الأحضان الناشفة عياط
ومن ضم الإيد في السلامات
اللي وراها كلام مكتوم
من تنهيد مخفي في أنفاس
ومن نسيان الناس للناس
ومن اللوم بين الأحباب
رغم هدوء روحي وخفتها
لسه ما بتحمّلش غياب.”
استدعاء الذات وتوقف لحظة التغريب في الحلم:
كما مارس الزمن (الداخلي/ النفسي) عنفه على الذات وغرّب عنها آخرها، تحاول الذات هي الأخري أنْ تستدعي آخرها بفعل زمني خارج نطاق العالم/ الواقع، عن طريق تقنية (الحلم- الزمن الغيبي) حيث تواجه الشاعرة حركة التغريب القهرية (المشهودة- العيانية) بسلطة الحلم المستدعى من عوالم الغيب، فتتجسد الذات الغائبة في الحلم، فتتوقف حركية التغريب في مشهدية الحلم، وتعقد حوارية متحققة (مجسدة لغويا) بين الذاتين ليكتملا في عالم الروح بعد أن مارس الواقع عنفه على الجسدين فاقترقا. تحققت الرؤية بين الذاتين- في العالم الغيبي- في نص “مدد” وتقول فيه:
أنا كل سبح الصبر فرطت من إيديا
دوبت دكك الانتظار..
وقعدت اقولك دا العشم..
جيتلي في منامي مرة وللا اتنين
بتقولي: “أناكويس”
“حاوطي اللي باقي مننا بالنور أنا مش هغيب”
“الدنيا برد.. بتغطى لكن قلبي مابيدفاش”
“الضلمة في بلاد غير الوطن ضلمه بصيح”
“العالم واسع قد عينيكي.. لكن في عينيكي العالم أجمل”
بعد هذا التوقف الزمني الذي لم يدم لحظات – بقياسات الزمن الخارجي- يتدخل الواقع – بحركية الزمن- ليوقّف لحظة الحلم، ويسحب الذات بعنف تجاه العالم، فتتمسك الذات بذيل الحلم محاولة بث رسائلها للمحبوب المغيب، ولم تستطع – أيضا- إيصال رسائلها فقد اختفى الإرسال، وتنسحب الذات بقسوة تجاه الواقع المأزوم، وهذا يتجلّى في عنف اللغة التي استخدمتها (سارة وهبة) وهي تعبر عن لحظة إخراجها من عالم اللقيا الغيبي، فتقول:
وصحيت شاددني الخوف بيجرني بقسوة
قول لي..
واصلك سلامي كل أول ليل؟
مفيش أمل في الرحلة دي يمدوا في أجازتك لما ترجعي لي؟
الناس دي بخلا في عطفها على روحنا ليه بالشكل دا
مابيشتاقوش طيب؟
مالهمش أحباب في البيوت
هترد ايمته؟ ببعتلك مدد
كتبتلك سبعين قصيدة
مسحتهم
مش عايزة اكون سكينة زايدة على العدد.”
تجليات المأساة على المكان وتوسيع بؤرة الحدث:
لن تكتمل سردية الحكاية إلا باستدعاء المكان، فالذات في طبيعتها الوجودية لا تتحقق من هويتها الإنسانية إلا بحركية الزمن ومكان محيّز تنوجد فيه الذات. يتوسّع فعل التغريب ويمارس وحشيته على المكان بالكليّة، فبعد أن مارست الغربة سلطتها على الذات (الساردة/ الشاعرة) تشظّى عنفها على مكان الحكاية بأشراط واقعها المحايث، فلم تعد الذات وحدها تعاني عنف التغريب، ولكن الذوات الأخرى التي تشاركها المأساة نفسها. تخرج الذات من عالمها الداخلي لترى العالم مرة أخرى من الخارج، فرأت القرية كاملة متّشحة بالسواد، بعد أن توغلت عملية التغريب وتجاوزت فعل الإقصاء إلى ممارسة القتل، ليتحول البحر إلى هوة تبتلع الغرباء داخلها، فبعد أن كان التغريب للجسد وحده أصبح للجسد والروح معا، ولا يبقي السفر/ الغربة من الغريب إلا ملابسه التي تحمل رائحة الموت وانكسار الروح وهي تبحث عن لقمة العيش، فتقول:
في الرحلة التانية
لبست كل القرية الأسود
والغربان قعدت أسبوع
تهمس فوق كم بيت بشويش
عيني شافتهم بس سكت عشان ماابكيش
قالوا البحر استهوى اتنين
ولهذا الوقت مارجعهمش.”
سردية البر والبحر في الحواريّة المتخيّلة:
يمثّل الديوان – في كليته – صراعا دراميا متصاعدا بين ما تصبو إليه الذات وتحرّك الزمن باتجاه الجهة المضادة (البحر)، حيث ينشأ الفعل الدرامي بين البر الذي يحمل الذات الأولى وبين البحر الذي يغيّب الذات الثانية، فكلاهما (البر/البحر) يمثل حاجزا يحول بين الذات وآخرها. فالبر ضيّق الخناق على الذات الثانية وأجبرها على اللجوء للبحر بوصفه وسيلة تقتات منها الذات بل الذوات الأخرى، ولكنه يغيب الأحباب ويفكك عرى التواصل بينها. في البر تقع الذات الأولى مأزومة بفعل التغريب حيث انشطرت عنها ذاتها، وتحوّل البحر – لديها – من كونه مصدرا للرزق لكونه برزخا يحول بين الذوات ويهدد وجودهما/ اجتماعهما.
تتحول الذات الشاعرة إلى ذات ساردة بامتياز لترى العالمين: (البر/ والبحر) من الخارج، لتتمكن من توصيفهما من خلال التجربة. تستدعي الذات آخرها (المغيب في البحر) في مركزية الذات الرائية على بلورة السرد؛ لتجري معه حوارا متخيلا في قصيدتها:”حوار مادرش” حيث تبتدئ الحوارية من البر فتقول:
الله يجازي الظالمين في البر
بيزعزعوا في الغاوي والمضطر
والبحر آخر حل للعطشان
لكنه أول سكة في بلادنا
للي يحس في مرة طعم المُر
في الحوار المتخيل – في مركزية الذات الرائية للعالم من الخارج – يتمظهر فعل الحكي: (قال/ قلت) ليتحوّل الحوار المتوهَّم إلى حقيقة من خلال استدعاء فعل الحكي، لتستعيض الذات عن غياب آخرها بحوارها معه، فتندمج الذات الثانية في الحوار وهنا تتلاشى المساحة بين البر والبحر، فتقول:
قال:
كل الظروف زقتني واتغربلت
تشهد عليا كعوبي اني حاولت
واشهد عليا يا قلبي اني مازلت
سايبك معاهم ماشي من غيرك
مااعرفش ايمته الرحلة دي هتعدي
الوقت فيها حقيقي ما بيخلصش
والساعة فيها مرورها فيا سخيف
مديتش قلبي خريطة ولا عنوان
خليني اعدي الرحلة دمي خفيف
بستنى كل نهار..
يشبك في طرفه الليل
والليل هنا يا حبيبتي.. فاضي بشكل مخيف
وبشوف نجوم في السما
وبشوف نجوم في البحر.
تجليات البناء الشعري وتشكُّل الأيقونات الاستعاريّة:
بعد أن كاشفنا بنية السرد المتشظية في العالم الشعري واختبرنا مكوناتها.. كان لزاما علينا أن نكتشف جماليات النص الشعري بوصفه الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه الديوان، وقد ولجنا إلى جماليات النص الشعري من باب الأيقونات الاستعارية التي تعدّ معادلا رمزيا لتيمة الغربة التي يرتكز عليها الديوان.
تتوزع البنية النصية على ذاتين (السارد/ الشاعر) وكليهما يمارس سلطته على النص بآليات مختلفة، فالسارد يرى العالم من الخارج ويراقب حركية الواقع من خلال مرايا السرد المسحورة. بينما الشاعر يدير حركة العالم ويخلق عوالمه الشعريّة الخاصة من خلال فعل التخييل المتجسّد في اللغة الشعريّة، فنحن بين عالمين كليهما يسبح في فضاء مغاير، ولكنهما يتقاطعان لتشكيل النص فنيا ونفسيا.
تتجلّى الجمالية الشعرية – كما هو متلاحظ لدينا – في الكتل الاستعارية الأيقونية التي ينعكس على مراياها مرائي الذات للعالم وموضوعه. تعددت أشكال الأيقونات الاستعارية -في ديوان “قبل ما يختفي الإرسال” لــ سارة وهبة – وتوزعت على أنماط مختلفة، ونذكر منها – على سبيل التمثيل لا الحصر- ما يلي:
الأيقون الاستعاري الممتد:
حيث يحتل الأيقون الاستعاري مساحة نصيّة تشغل حيزا كبيرا من النص، وربما يقطع الأيقون في مساحتة عدة صفحات، ويستبطن – في داخله- عددا كبيرا من الأسطر الشعرية. في قصيدتها: “قبل السفينة ما تتجه للغرب” يبدأ الأيقون الاستعاري (التصويري) من قولها: [شفت السفينة بتتجه للغرب/ كلبشت إيدي في طرف عبايتها/ ورميت بإيدي التانية مسكت عتب البيت] بداية النشوء الأيقوني في النص حيث تأخذ الصورة في تكوّنها وتخليقها، ثم تستدخل الشاعرة الصوت: [ناديت – اتقطعت لي حبال في صوتي- بأعلى حس] ومن هنا تدخل الصورة الثابتة في حيز الحركة لتتحول الصورة إلى مشهد دراميٍّ، ويتم تحييز الصورة طوبوغرافيا بين ضفتين: [واقفين بنندب في الحياة على الضفتين/ ومربطين أحلامنا في بيوت عنكبوت/ ما عرفنا ليها نهاية إلا بكلمة موت] بين الضفتين تتشكل الصورة الأيقونية الشعريّة وتنخلق الحياة كما تراها سارة وهبة – وفق تجربتها الإنسانية – حالة صراع تحدث عبر حركية الصوت (النداء) بين الضفتين، وبهذه الحركة تضطرب الحياة، ويواصل النداء فاعليته في تكوين المشهد الدرامي – المتعلق باللقطة الأولى: [كلبشت إيدي في طرف عبايتها/ ورميت بإيدي التانية مسكت عتب البيت] وبعد أكثر من خمسة وعشرين سطرا شعريًّا تكتمل الصورة الأيقونية التصويرية بعد أن احتلت مساحة النص كلها، وهذا ما أسميته بالأيقون الممتد أو المشهدية الدرامية الأيقونية، حيث تتشكل الصورة من طبقات مختلفة حيث تجمع بين الصورة والصوت والحركة، ومع ضيق مساحتها الشكلية في الوسيط الورقي إلا أنها تستطيع أن تستدخل الحياة بتصوراتها داخل الحيز الأيقوني، فتقول:
شفت السفينة بتتجه للغرب
كلبشت إيدي في طرف عبايتها
ورميت بإيدي التانية مسكت عتب البيت
وناديت – اتقطعت لي حبال في صوتي – بأعلى حس
(…)
قاطعني قبطان السفينة..
شاور برفع الهلب
شدوا الحبال اتمزعت إيدي.. كسّرت عتب البيت
وضربت كف بكف.
الأيقون الاستعاري الآني/ المنقطع:
نعني بالأيقون الآني المنقطع تلك الصورة المشهدية الخاطفة التي لا تستغرق مساحة كبيرة في النص، لكنها تختزل النص كله بداخلها عبر عملية التصوير الإبداعي المبتكر المُنْسَل من التيمة المركزية لموضوع النص، ويمكن لهذا الأيقون إذا اقتطعناه من سياقه النصيّ أن يؤدي وظيفة النص الموضوعية كاملة دون ارتباك، ففي قصيدتها “ريحة الغيبة” تقول:
لما الأب الواكل عمره الشقا والشيب..
المتعكز إيد على إبنه وإيد على الغيب..
فجأة يلاقي الدنيا في وشه وهو بطوله كأنه
شريد..
إذا اقتطع هذا المشهد الأيقوني (التصويري) عن نصّه، واحتل بتركيبه وتصوراته مساحة نصية كاملة أدّى نفس الوظيفة النفسية/ الموضوعية التي انبنى عليها النص الأول، وقد لاحظت سريان الأيقون (التصويري)المنقطع في أكثر من نص في هذا الديوان، حيث تتعمد – (عن وعيًّ أو لاوعيّ) سارة وهبة أن تختزل النص كله في مشهد أيقوني ثم تبثه في البنية النصية، وكأنه نص مواز ينسرب في البنية الكلية للنص ليكون معادلا أيقونيا عبر أدائية التمثيل الأيقوني المشهدي، ولعلّ هذا متلاحظ لدينا – أيضا – في نصها الموسوم بــ “شتا السواحل” عندما كانت تعرف الذات وقيمتها الإنسانية في الوجود وقعت عيني على ما أسميته بــ (الأيقون المنقطع) الذي يختزل النص كله بداخله، فتقول:
وان البلاد في الأصل هي التراب والطين
واحنا اللي جينا الدنيا عملنا شكل وحس
وفلسفات في الكون وعروق وأصل ودين
تكفي هذه الفقرة الشعرية عند اقتطاعها من النص أن تكون معادلا نصيا يبدي لك مضمرات النص الأول المنوجد في بنية نصية تستهلك مساحة كبيرة من فضاء الديوان.
ثمثلات الرؤية في الفضاء الأيقوني:
في نصها “دوامة النصيب” تتخذ الشاعرة موقفا عدائيا من النصيب بعد أن أرهقها وفرض عليها شروطه، بل يريد أن يحدد رؤيتها للوجود/ العالم فتتأبّى الذات الشاعرة على هذا الشرط، محاولة الخروج من قبضته وتفرض سلطتها هي على العالم، ولكن العالم لن يسمح لها بذلك، فاختارت عالما موازيا تتجلى فيه رؤيتها لذاتها وللوجود معا، ولم يكن أمامها سوى القصيدة لتمارس عليها سلطتها وتشرح من خلالها رؤيتها، فتصبح القصيدة عالما موازيا يسمح للذات الشاعرة أن تمارس حريتها/ تفرض رؤيتها في فضائه، فقصيدة “دوامة النصيب” ماهي إلا انعكاسات للتمثلاث الذهنية/الباطنية للذات، ومن هنا تكون عملية التمثيل الشعري مرايا أيقونية تحمل حقيقية الذات التي تعيش في نسق أسطوري مع (جلجامش/ إنكيدو)، ولكنها لا تبحث مثل جلجامش عن سر الخلود فهي تملكه، بل تمنحه للعالم من خلال عالمها الشعري، فتصبح هي جلجامش الذي يعاني من انكسارات رحلة البحث عن الحقيقة، ولكنه لا يبدي ضعفه لأحد إلا لصديقه (إنكيدو) والذي يمثل هنا الذات الثانية المغتربة/ المنفصلة جسديا عن ذات الشاعرة، فإن كان جلجامش يتخفف من وطأة الانكسارات في حضن إنكيدو، فالشاعرة هنا تفتقد نصفها الآخر ولا تجد ذاتا ترتكن إليها فنصفها الآخر مغيب في البحر، فتبث روح الحياة وسر الخلود في عالمها النصي وتستدعي إنكيدو – نصفها الغائب – ليتسرب إليها سر الخلود فيعود من غيبته متحققا من وجوده في عالم القصيدة، إذن القصيدة هنا تمارس سلطتها على العالم/ الواقع وتستحضر روح الغائب في عالمها، فالقصيدة هي سر الخلود. كل المرائي التي احتشد بها النص ما هي إلا كتلة من التخييل مركوزة في العالم الذهني تمثلت شعريا في عالم القصيدة، والتي تقول فيها:
اكتب بخط إيديا كل مااشتهي
وافترض كل ما في الدنيا من كلمات
من حلوها ومرها
لكن بشكل يجمل المعنى في قصيدة
ارسم خطوط اليأس في الهامش
وابكي في سطر كأني جلجامش
بيعزي حزنه في حضن إنكيدو
وانسج في نص الصفحة ترياق الخلود
وفي سطر اشد القلب من إيده
قبل الحفر والدوامات والوهم
استبعد المعنى اللي نايم
جوا كلمة صبر في قاموسي
واسيب بداله معنى أشجع..
يقوم يدور على الهزايم قبل ما تفاجأه
ويحط عينه في عينها يكسفها
ويقوم يدور على السعادة
قبل ما يشوفها.”
تمظهرات الفقد في الأشياء/ مرايا الغياب:
الغياب هو التيمة المركزية للديوان، وقد انعكست هذه التيمة بظلالها على المساحة الكلية لهذا المنتج الشعري. ألقى الغياب بظلاله على الذات وأمعن في انكسارها، لكنه تخطّى الذات وألقى بظلاله على الأشياء في العالم، وأعني بالأخير عالم الذات الذي تخلل الغياب كل تفاصيله وأشيائه، حيث ترى الذات ظلال الغياب في العالم من حولها، وأصبحت الأشياء هي الأخرى تعاني معاناة الذات.
لا تكتمل الذات هنا إلا بآخرها، فغيابه يعني النقص وهذا متحقق في سردية الذات وأيقوناتها التخييلية. كانت الذات تعاني انكساراتها – وحدها – عندما ترقب نفسها من الداخل بقوى التخييل الشعري، وعندما تفعّل حركة السرد لترى العالم من الخارج وجدت أشياء العالم تتناقص/ تتآكل من حولها، وتفقد الأشياء قيمتها، وكأنّ العالم الذي مارس عنفه بالتغريب على الذات تعاني أشياؤه الفقد، وهنا تحفظ الشاعرة/الساردة للذات الإنسانية – لا سيما ذاتها المنفصلة عنها قهرا- قيمتها الوجودية في العالم، فكأن كل غياب إنساني يهدد وجود والعالم.
تمظهر الفقد وألقى بظلاله على عالم الذات/ الشاعرة، واستطاعت الأخيرة أن ترصد لنا مظاهر/ تجليات هذا الفقد في أشيائها التي يتشكل منها عالمها، فالقهوة لم تعد كما كانت مع بقاء مكوناتها في البيت، ولكنها فقدت هويتها المزاجية وتآكلت قيمتها، بل عاتبت القهوة الذات/ الشاعرة لأنها فقدت مكوناتها الروحية التي تسهّل عملية المزج، الذي يتحول بدوره إلى أيقونة تخييلية تمثل عملية المزج بين الأرواح، وكأنّ الساردة هنا – بعد الرصد السردي – تفعل حركة الشعر لتتحول الرؤية إلى الداخل لترى أن كل شيء في العالم له ظاهر وباطن حتى القهوة التي ألقى الغياب بظلاله عليها، وهذا يدل على أن سارة وهبة تعرف متى ترصد أشياءها بعين السارد ومتى ترقب العالم وأشياءه بعين الشاعر، وهذا ما وجدناه في نصها: “مراسيل” حيث تقول:
البن معشش في الفنجان بيعاتب فيا
علشان معملتوش بهواك
وشربته بلطفك وهوايا
والمزج دا شيء مش قصدينه
رغم انك تهواه في كوبايه
بتشف ملامحه وتكوينه
وبدون تحويج
وبدون ما يعكر دمه ويكسر مره فلاتة إيد
وبدون ما تحس
حطيتلك سكر
خوفت عليك من طعم المر
كفايا العمر القاسي عليك
يمثل ديوان “قبل ما يختفي الإرسال” حالة وجدانية خاصة انبنت في أساسها على عنف الواقع وممارسته فعل التغريب، واستطاعت الشاعرة سارة وهبة باقتدار أن تمزج بين آليات السرد والشعر لتنقل لنا حركة العالم وانكسارات الذات الإنسانية في أيقونات تصويرية متمايزة يرصد القارئ من خلالها ظلال الغربة على مرايا الذات والعالم والأشياء، ولم تكن سارة وهبة – هي الأخرى – سوى حالة أيقونية خاصة تمتلك قوى التخييل ولغة الشعر وعين السارد. يتميز الديوان بوحدة عضوية وكتلة موضوعية واحدة مترسخة في الذات الشاعرة التي تعاني فقد آخرها. كما تمايز الديوان بصور شعرية منخلقة من أفق التجربة الخاصة للشاعرة.
