ليس كل قارئ مثقفاً.

بقلم زكريا نمر/



تتسلل مفارقة خطيرة إلى المشهد الثقافي في المجتمعات الإفريقية والعربية نجد كثيرون يقرأون وقليلون يفكرون. تتكدس المعارف في الأذهان، تحفظ المقولات وتعاد اجترارها في الحوارات، لكن نادرا ما نجد من يحول هذه المعرفة إلى فكر نقدي أو رؤية مستقلة. القراءة، رغم عظمتها، لا تخلق بالضرورة مثقفا، ما لم تقرن بفعل داخلي أعمق التفكير.

المثقف ليس مجرد مكتبة متنقلة، بل عقل يعمل، يتفاعل يشك، يربط، ويعيد البناء. القراءة، في صورتها السطحية قد تتحول إلى استهلاك معلوماتي لا يختلف كثيرا عن تصفح عشوائي في مواقع التواصل. وهنا تكمن المعضلة ليس كل قارئ مثقفا، ولكن كل مثقف هو قارئ مفكر.

في المجتمعات التي تقاس فيها قيمة الإنسان بعدد الكتب التي قرأها، تتراجع قيمة الفهم لحساب الكم. تصبح القراءة نوعًا من استعراض الهوية الثقافية، لا فعلا وجوديا يتصل بالحياة والفكر والمجتمع. ومن هنا يمكننا أن نفرق بين القارئ الذي يقرأ ليقال عنه قارئ، وبين القارئ الذي يقرأ ليفكر، ويتغير، ويغير.

القدرة على التفكير فيما يُقرأ تعني أن لا تتقبل النصوص كمسلمات، بل تضعها في محكمة العقل. أن تتساءل ما الذي يريد أن يقوله الكاتب؟ ما خلفياته؟ أين اتفق معه، وأين أختلف؟ ما السياق الذي كُتب فيه هذا النص؟ وهل ما يُقال لا يزال صالحا اليوم؟ التفكير يعني أن تخرج من الكتاب بأسئلة أكثر مما دخلت به، لا بإجابات جاهزة.

إن قارئا لا يمارس التفكير النقدي، قد يصبح فريسة سهلة للأفكار المعلبة والإيديولوجيات الشمولية، حتى لو قرأ كتبًا في الفلسفة والتاريخ والدين. هو يردد ما يقرأ دون وعي، ويعتنق الأفكار كما هي، دون أن يُعيد صياغتها أو اختبارها على ضوء تجاربه وفهمه الخاص. وهذا النوع من القارئ ليس مثقفًا، بل ناقلًا.

المثقف الحقيقي هو من يحول القراءة إلى مشروع حياة، لا إلى عادة يومية فقط. لا يقرأ ليملأ وقته، بل ليملأ وعيه. يقرأ ليشترك في الأسئلة الكبرى، لا ليحفظ إجابات صغيرة. وهو من يفهم أن كل كتاب يحمل رؤية، وموقعًا من العالم، وأن كل معرفة لا تُمحص تُصبح خطرًا على العقل الحر. كثيرًا ما نرى أشخاصا يمتلكون مكتبات ضخمة، لكنهم عاجزون عن إنتاج فكرة، أو اتخاذ موقف مستقل، أو حتى ممارسة نقد بسيط لما يقرؤونه. هؤلاء ليسوا مثقفين، بل مستهلكين للثقافة. القراءة التي لا تُنتج وعيًا، لا تغير شيئًا. القراءة التي لا تُمارس بوصفها حوارًا مع النص، ليست سوى نشاط آلي.

فإن الثقافة لا تُقاس فقط بعدد الكتب المقروءة، بل بنوعية العلاقة التي تنشأ بين القارئ والمعرفة. علاقة تقوم على التساؤل لا التسليم، على التحليل لا النقل، على بناء الموقف لا محاكاة ما يُقال. المثقف ليس من قرأ كثيرًا فحسب، بل من فكّر بعمق فيما قرأ.

علينا أن نراجع علاقتنا بالقراءة. هل نقرأ لننتمي إلى نخبة معرفية؟ أم لنفهم ذواتنا والعالم؟ هل نقرأ لننقل الكلام ذاته؟ أم لنولد من القراءة ما يليق بنا كذوات حرة؟ الجواب هو ما يحدد إن كنا نقرأ كهواية ثقافية” أم كفعل تحرري. والمثقف الحقيقي، في كل الأحوال، ليس ابن المكتبة فقط، بل ابن الفكر.