هل يعودون؟
بقلم فريدة بالرقي/

ينام على حافة الطريق، ثياب ممزقة، جسد متسخ لم يلمسه الماء منذ سنين، أظافر كأنها مخالب قط بريّ، و شعر أشعث أغبر، وجه مطموس الملامح و وشوم على الجسد تكاد تختفي من شدة الوسخ، عينان قد أنهكهما البكاء حتى ابيضتا وحرمتا من الرؤية، يصحو من غفوته مفزوعا يتمتم مرددا لست الخائن، لست أنا من باعكم، يأتي صديقه العم حسن شيخ في السبعين من عمره حاملا له بعض الطّعام، يجلس قليلا بجانبه يسأل عن حاله المريعة:
كيف حالك يا أحمد؟
رأيت كابوسا …
ثم يعتدل في جلوسه ويستذكر تلك الليلة المشؤومة، ظلماء مأساوية تأبى الزّوال من ذاكرته حتى قادته للجنون، ليلة من ليالي العشرية السوداء حين دخل منزله صباحا ليشهد منظرا مروّعا لم تره عيناه من قبل، زوجته مذبوحة وأشلاء أجساد أبنائه متناثرة هنا و هناك في فناء المنزل، نادى: “أمي” فلم تجب، دخل الغرفة فوجد جسدا عاريا منكلا به دون رأس، والدماء كالواديان انسابت من الغرف فشكّلت بحيرة وسط الفناء، وقع أرضا حينها، صرخ ونعى عائلته، لعن الحكومة مرّة و الإرهاب مرّة ثانية، حاول مرارا تخطي تلك الليلة بالمكوث أشهرا بين حيطان المصحّات النفسية، وتجرع الحبوب والمهلوسات علّها تمسح تلك الكوابيس و معها الألم الذي عاناه أيّاما، دون جدوى، رحلت العائلة وبعدها الإرهاب، تلاها عقله المسكين، لكن الذاكرة لازالت على قيد الحياة، باتت تعيد التفاصيل كأنها وقعت البارحة، حاول إخفاء الدموع التي حبستها السنين بعينيه برهة، ثم انهمرت سواقيا كطفل صغير باكٍ، ربت العم حسن على كتفه مواسيا ككل مرة: “هم السّابقون ونحن اللاحقون”
الكاتبة فريدة بالرقي .
