من اللّغة إلى اللّغة”

رؤية الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان في نسختها العربية

عن دار تشكيل للنشر والتوزيع والترجمة السعودية يُعرض حاليا كتاب ” من اللّغة إلى اللّغة” بمعرض الرياض الدولي للكتاب

هذا المولود الفكري بمذاق فلسفي ترجمته الأستاذة الاعلامية مروة حرب مشاركةً للأستاذ موسى مسعودي

تقول الإعلامية مروة حرب؛
سعيدة بمشاركة ترجمتي لكتاب De langue à langue للفيلسوف السينغالي سليمان بشير ديان ضمن إصدارات دار تشكيل للنشر والتوزيع في فعاليات معرض الرياض الدولي للكتاب 2025.
يقدم الفيلسوف السينغالي سليمان بشير ديان في كتابه “من لغة إلى لغة: ضيافة الترجمة” تحليلًا فلسفيًا للترجمة، متجاوزًا مفهومها التقليدي كوسيلة لنقل النصوص، ليجعلها فضاءً للحوار الثقافي وإعادة تشكيل المعاني. فهو يرى أن الترجمة ليست مجرد عملية لغوية، بل فعل ضيافة (Hospitalité)؛ حيث تستقبل اللغة النصوص الأجنبية، فتدمجها ضمن سياقها دون طمس هويتها الأصلية.
وانطلاقًا من تجربته الفكرية التي تجمع بين الثقافات الإفريقية والفرنسية والأمريكية، يتناول ديان الترجمة كفعل إنساني يحمل بعدًا أخلاقيًا عميقًا. فهو يرى أن الترجمة غالبًا ما تعكس علاقة غير متكافئة بين اللغات المهيمنة واللغات المهمّشة، لكنها رغم ذلك تستطيع أن تكون مصدرًا للحوار والتبادل والتلاقح الثقافي، حتى في ظل اختلال موازين القوة، كما هو الحال في السياقات الاستعمارية. وفي هذا الإطار، يتحول المترجم من مجرد وسيط إلى فاعل ثقافي قادر على بناء الجسور بين الشعوب.
الترجمة أداة للمعرفة
في الفصل الأول من الكتاب، يناقش ديان العلاقة بين اللغة والمعرفة، مستعينًا بمفهوم “الساكن الأصلي”، الذي يمثل المتحدث الأصلي للغة، ويرى فيها كيانًا طبيعيًا نشأ معه، مقابل “العالم اللغوي”، الذي يتعامل مع اللغة كموضوع للدراسة والتحليل. وفقًا لهذا التصور، تُعد الترجمة جسرًا يربط بين الاثنين، حيث لا يكون المترجم مجرد وسيط، بل باحثًا في بنية اللغة وأبعادها الثقافية.
يطرح ديان -أيضًا- فكرة أن اللغة قد تبدو كعالم غريب تمامًا لمن لم ينشأ فيها، مستندًا إلى مفهوم “الكائن الفضائي”، الذي يرمز إلى المتعلم الأجنبي للغة. فعندما يواجه المترجم نصًا مكتوبًا بلغة مختلفة، لا يتعامل مع مجرد كلمات، بل مع رؤية مختلفة للعالم، مما يستوجب أن يكون وسيطًا قادرًا على نقل هذه الرؤية بوضوح ودقة دون تشويهها.
وبذلك، يرى ديان أن الترجمة ليست مجرد عملية نقل للكلمات، بل هي أداة للتفاعل الثقافي، تربط بين المتحدث الأصلي للغة، الذي يألفها كشيء بديهي، والمتعلم الجديد، الذي قد يشعر وكأنه يواجه عالمًا غير مألوف يسعى لفهمه وفك رموزه.

الترجمة بين الانفتاح والتكيف
يرتكز مفهوم “ضيافة الترجمة” لدى سليمان بشير ديان على رؤية تستلهم أفكار جاك دريدا وبول ريكور، حيث تتجاوز الترجمة حدود الأمانة الحرفية لتصبح عملية تفاعل ديناميكي بين النص واللغة المستقبلة. وكما أن الضيافة الحقيقية لا تفرض على الضيف التخلي عن هويته، فإن الترجمة المثالية لا تذيب النص في ثقافة جديدة، بل تحافظ على فرادته ضمن سياق مختلف. ويؤكد ديان أن هذه الضيافة ليست محايدة، بل تتطلب توازنًا دقيقًا بين استيعاب النصوص وحفظ هويتها، مما يجعل الترجمة فضاءً لإعادة صياغة المعاني دون الخضوع لهيمنة ثقافية.
لكن هذا يثير تساؤلات جوهرية:
• هل يمكن للغة المضيفة أن تستقبل النص الأجنبي دون أن تفرض عليه بنيتها الخاصة؟
• إلى أي مدى تستطيع الترجمة الحفاظ على غربة النص الأصلية دون أن تفقد وضوحه؟
• هل هناك ترجمة “مخلصة”، أم أن كل ترجمة تنطوي على خيانة خلاقة؟
يرى ديان أن الترجمة ليست مجرد وساطة، بل هي فن يتطلب الحيلة والذكاء. فالمترجم لا يكتفي بنقل النص كما هو، بل يضطر إلى التكيف مع السياقات الثقافية وإعادة تشكيل المعاني بطرق جديدة، مما يجعل الترجمة عملية تفاوض مستمرة بين الأمانة والإبداع.
ويُبرز ديان التحديات الخاصة بترجمة الأدب الشفهي، حيث تحمل النصوص المحكية إيقاعًا واستعارات ثقافية يصعب نقلها دون فقدان جزء من روحها الأصلية. فالأدب الشفهي يعتمد على عناصر الصوت، والحركة، والتفاعل المباشر مع الجمهور، مما يجعله أكثر تعقيدًا من النصوص المكتوبة.
من هنا، يناقش ديان كيف أن الترجمة ليست مجرد انتقال بين اللغات، بل هي عملية تلقيح لغوي، تساهم في تطوير اللغة نفسها وابتكار أشكال تعبير جديدة. فحين تُترجم الأفكار، لا تبقى اللغة الأصلية كما هي، بل تتغير وتتأثر، مما يجعل الترجمة أداة لإعادة تشكيل اللغات وتوسيع آفاقها.
الترجمة والهيمنة الثقافية
يطرح ديان في كتابه رؤية نقدية للعلاقة الجدلية بين الترجمة والهيمنة الثقافية، موضحًا كيف يمكن أن تكون الترجمة أداة للسيطرة اللغوية، لكنها في الوقت ذاته تمتلك القدرة على أن تصبح وسيلة للتحرر والانفتاح. فهو يرى أن الترجمة لا تقتصر على نقل الكلمات، بل هي فعل تفاوضي بين الخصوصية اللغوية والتأثيرات الخارجية، حيث تتفاعل اللغات بدلًا من أن تكون في صراع مستمر. وهكذا، تصبح الترجمة عملية تفاوض بين الحفاظ على الخصوصية اللغوية والانفتاح على التأثيرات الخارجية.
الترجمة فعل مقاومة
ينتقد ديان استخدام الترجمة كأداة استعمارية فرضت اللغة والهوية على الشعوب، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن الترجمة يمكن أن تكون سلاحًا للمقاومة، تُمكّن الثقافات المهمّشة من التعبير عن ذاتها ضمن سياقات أوسع. وبدلًا من أن تكون علاقة قوة بين لغة مهيمنة وأخرى تابعة، يدعو ديان إلى اعتبار الترجمة فضاءً للحوار المتكافئ بين الحضارات، حيث تتحول إلى جسر لتعزيز التعددية الثقافية.

إعادة تفسير الفنون والترجمة
يستكشف ديان كيف تمّت ترجمة الفنون الإفريقية التقليدية إلى مفاهيم غربية، مما أدى إلى إعادة تفسيرها بشكل غيّر من دلالاتها الأصلية. فالتمائم والرموز الإفريقية، التي كانت جزءًا من طقوس روحية، فقدت معانيها عندما نُقلت إلى المتاحف الأوروبية كأعمال فنية مجردة من سياقاتها الأصلية. في هذا الإطار، تصبح الترجمة عملية تحويل ثقافي، حيث لا يُنقل النص أو الفن فحسب، بل يُعاد تأويله وفق منظور جديد، قد يُفقده بعض عناصره الأصلية.
إبداع أم تحريف؟
يستخدم ديان رقصة المتحوّلين كمجاز لفعل الترجمة، حيث يمثل الراقص المتحوّل الذي ينتقل بين حالات مختلفة، المترجم الذي يتنقل بين اللغات والثقافات محاولًا تحقيق توازن بين الأصل والنسخة. وهنا تبرز الإشكالية الأزلية: هل ينبغي على الترجمة أن تكون أمينة تمامًا للنص الأصلي، حتى لو جاء ذلك على حساب وضوحه؟ أم أن على المترجم أن يكون خلاقًا، فيعيد صياغة النص بأسلوب أكثر سلاسة، وإن كان ذلك يعني الابتعاد عن روحه الأصلية؟
الخيانة الخلّاقة
يرى ديان أن الحل لا يكمن في اختيار أحد القطبين، بل في تحقيق توازن بينهما. فالترجمة الجيدة ليست مجرد نقل حرفي، لكنها أيضًا ليست خيانة مطلقة، بل إعادة تأليف تتطلب حسًا تأويليًا. ومن هنا، يتبنى ديان مفهوم “الخيانة الخلّاقة”، حيث تصبح الترجمة وسيلة لإعادة تشكيل النصوص داخل أطر ثقافية جديدة، تمنحها حياة مختلفة بلغة أخرى.
وهنا يبرز السؤال: هل يمكن حقا تحقيق توازن بين الأمانة للنص الأصلي وجعله مفهومًا في اللغة الجديدة؟
سؤال يجيب عنه ديان برؤية فلسفية تعتبر المترجمين وسطاء دائمون بين الثقافات، يعيشون في فضاء بيني، حيث لا توجد ترجمة نهائية أو مطلقة، بل هي دائمًا عملية مفتوحة على إمكانيات جديدة. ومن هذا المنطلق، تصبح الترجمة رحلة لا تنتهي، تتجدد مع كل محاولة لنقل الأفكار عبر اللغات.
الترجمة والهوية
إحدى الأسئلة الجوهرية التي يعالجها ديان من خلال كتابه ” من لغة إلى لغة” هي: إلى أي مدى تشكّل اللغة هويتنا؟ وهل يمكن أن تتغير هويتنا عندما ننتقل من لغة إلى أخرى؟
يطرح ديان في هذا السياق مفارقة فلسفية:
• إذا كانت الترجمة مجرد وسيلة لنقل المعاني، فهل هذا يعني أن اللغات متشابهة في جوهرها، وأن الفكر يمكن التعبير عنه بأي لغة، أم أن لكل لغة هويتها الخاصة ورؤيتها المميزة للعالم، مما يجعل الترجمة دائمًا ناقصة، بل وربما مستحيلة أحيانًا؟
يستند ديان في نقاشه إلى أفكار فيتجنشتاين وهايدغر، حيث يرى أن كل لغة تمتلك “منطقها الخاص” الذي لا يمكن نقله بالكامل إلى لغة أخرى. وبالتالي، فإن الترجمة ليست مجرد تحويل للكلمات، بل هي عملية تجسير بين رؤى مختلفة للعالم، حيث يسعى المترجم إلى تقريب المعاني دون أن يتمكن من نقلها بشكل تام.

الترجمة وإعادة تشكيل الفكر الفلسفي
إذا كانت الفلسفة بطبيعتها تسعى إلى فهم العالم، فإن الترجمة، وفقًا لديكارت وهايدغر وريكور، ليست مجرد نقلٍ للأفكار، بل هي إعادة صياغة لها في سياقات جديدة. وهنا يظهر الطابع الفلسفي العميق للترجمة: فهي لا تكتفي بنقل المفاهيم، بل تعيد خلقها داخل فضاء جديد من الفهم والتأويل.
يرى ديان أن الترجمة لم تكن مجرد وسيلة لنقل الفلسفة بين الحضارات، بل كانت أداة لإعادة تشكيلها. فالفكر اليوناني لم يكن ليصل إلى أوروبا لولا ترجمته عبر الفلاسفة العرب، الذين لم يقتصروا على نقل النصوص، بل أعادوا تأويلها وإثرائها بمفاهيم جديدة. وهكذا، تصبح الترجمة إعادة إنتاج للمعرفة، وليست مجرد قناة عبور للأفكار.
يربط ديان بين الفلسفة والترجمة، معتبرًا أن الفيلسوف نفسه يمارس الترجمة حينما ينقل الأفكار بين الأنساق المعرفية المختلفة. فكما أن الفلسفة اليونانية لم تكن لتصل إلى أوروبا لولا الترجمات العربية، فإن كل تقدم فلسفي هو، في جوهره، فعل ترجمي يعيد تشكيل المفاهيم داخل أطر جديدة من الفهم والتفسير.
ويستشهد ديان بعدة أمثلة تثبت دور الترجمة في تشكيل الفكر والثقافة، ومنها:
• ترجمة الفلسفة اليونانية إلى العربية: التي كانت جسرًا أساسيًا لنقل الفكر الفلسفي إلى أوروبا خلال العصور الوسطى.
• ترجمات ابن رشد: التي لعبت دورًا محوريًا في إعادة تقديم أرسطو للفكر الأوروبي، مما أثّر في تطور الفلسفة الغربية وأسهم في النهضة الفكرية في أوروبا.
بهذا المعنى، تصبح الترجمة عملية إبداعية بحد ذاتها، حيث يعيد المترجم بناء الأفكار لا مجرد نقلها، مما يجعل الترجمة والفلسفة وجهين لعملية فكرية واحدة: إعادة تشكيل المعرفة وتوسيع آفاقها عبر العصور والثقافات.
الترجمة كأداة للتحرر
يرى ديان أن الترجمة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي أداة للتحرر من الانغلاق الثقافي. فهي توسّع آفاق الفكر الإنساني وتعيد تشكيل العلاقة بين اللغات، بحيث تصبح كل لغة أكثر انفتاحًا على الأخرى دون أن تفقد هويتها. فبدلًا من اعتبار التعددية اللغوية عائقًا، يرى ديان أنها فرصة لتعزيز التعارف بين الشعوب، كما ورد في الآية الكريمة: ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾.
لكن، هل يمكن للترجمة أن تكون وسيلة للحفاظ على الهوية بدلًا من تهديدها؟ أم أن كل ترجمة تُخضع النص لمعايير اللغة المضيفة، مما يؤدي إلى فقدان جزء من أصالته؟ وهنا يرى ديان أن الترجمة عملية تفاوض دائمة بين الوفاء للنص الأصلي والتكيف مع اللغة والثقافة المستقبلة، حيث يمكن أن تكون الترجمة تحريرية إذا ما احتفظت بروح النص، لكنها قد تصبح إخضاعًا ثقافيًا إذا أُفرغ النص من سياقه الأصلي.
لاهوت الترجمة: بين العمودية والأفقية
في آخر فصول الكتاب يناقش الفيلسوف سليمان بشير ديان ترجمة النصوص المقدسة، مشيرًا إلى أن الترجمة هنا ليست مجرد عملية لغوية، بل فعل لاهوتي ومعرفي، إذ أن كل ترجمة للنصوص الدينية تحمل في طياتها تفسيرًا وتأويلًا خاصًا، مما يجعلها مرتبطة بالسياقات الفكرية والدينية للغة المستقبلة. ومن هذا المنطلق، يميز ديان بين ثلاثة أنماط رئيسية للترجمة في هذا السياق، لكل منها طبيعتها الخاصة وتحدياتها الفريدة:
– الترجمة العمودية (من الإلهي إلى البشري): يرى ديان أن ترجمة النصوص المقدسة ليست مجرد نقل للمعاني، بل هي تأويل ديني وفلسفي يتأثر بوجهات نظر المترجمين وانتماءاتهم الفكرية، مما يضفي على الترجمة طابعًا تأويليًا خاصًا.
– الترجمة الأفقية (بين اللغات المختلفة): يقارن ديان بين الترجمة العمودية والترجمة الأفقية، مشيرًا إلى أن كل ترجمة تنطوي على اختيارات سياسية وثقافية تحدد كيفية فهم النصوص المقدسة وتأويلها، مما يجعلها وسيلة لإعادة تشكيل المعاني ضمن سياقات جديدة.
–  إعجام الكلام: يتناول ديان كيف أن بعض النصوص الدينية تتسم بالغموض والتعدد الدلالي، مما يجعل ترجمتها تحديًا معقدًا. فالمترجم يواجه خيارًا صعبًا: إما الحفاظ على الغموض الأصلي، وإما تبسيط المعنى لتوضيحه، وهو ما قد يؤدي إلى تغييرات جذرية في فهم النص المترجم وتأويله.

الترجمة: لغة اللغات
في ختام رحلته الفكرية، يؤكد ديان أن الترجمة ليست مجرد عملية لغوية، بل فضاء فلسفي وإنساني يتيح للحضارات التفاعل دون أن تهيمن إحداها على الأخرى. إنها فعل إبداعي وحوار مستمر بين اللغات، حيث لا تقتصر على نقل النصوص، بل تعيد تشكيلها ضمن سياقات جديدة، مما يجعلها أداة للتحرر والانفتاح بدلاً من أن تكون وسيلة للهيمنة والسيطرة.
وبينما يرى البعض في الترجمة تهديدًا للهوية الثقافية، يراها ديان وسيلة للحفاظ عليها من خلال إعادة إنتاجها في أطر مختلفة، مما يخلق توازنًا بين الوفاء للأصل والانفتاح على الآخر. فالاحتفاء بالترجمة باعتبارها “لغة اللغات” هو احتفاء بالتعددية والتفاعل بين الثقافات، حيث تتحول من مجرد جسر بين لغات متفاوتة القوة إلى مساحة ديناميكية تعزز التواصل والتكافؤ الحضاري.
وبهذه الرؤية، يصور ديان الترجمة كـ “طريق إلى النجوم”، رحلة لا نهائية نحو آفاق جديدة من الإدراك والتواصل. إنها دعوة إلى تجاوز الحدود اللغوية والفكرية، حيث يصبح التعدد اللغوي ثراءً حضاريًا لا عائقًا، وحيث تحتضن كل لغة الأخرى دون أن تذيبها، بل تمنحها حياة جديدة.