المسرح حين يخرج إلى الشارع، لا يطلب التصفيق… بل يطلب التغيير.”
وقائع مسرح الشارع في نهوض بالمسرح الجزائري.
بقلم الصحفي والفنان بوبكر بلعيد/

حين يغادر المسرح أسواره التقليدية ويخطو نحو الشارع، يصبح الفعل الفني فعلًا اجتماعيًا وإنسانيًا بامتياز.
إنّ مسرح الشارع في الجزائر ليس مجرد تجربة هامشية أو ظاهرة عابرة، بل هو شكل فنيّ نابع من الرغبة في كسر العزلة بين الفن والناس، وفي إعادة المسرح إلى جوهره الأول: فضاء للتعبير الحر والمواجهة المباشرة مع الواقع.

شهد المسرح الجزائري عبر تاريخه الطويل تحوّلات جذرية، من مسرح المقاومة الثقافية في حقبة الاستعمار، إلى المسرح المؤسساتي بعد الاستقلال، ثم إلى أشكال جديدة تبحث عن تفاعل حقيقي مع الجمهور.
وسط هذا المسار، وُلد مسرح الشارع كصرخة ضد النمطية وضد النخبوية، وجاء ليعيد الاعتبار للإنسان العادي، للمتفرج البسيط الذي لا يرتاد القاعات لكنه يعيش المسرح في تفاصيل يومه.
في الفضاء المفتوح، لا يوجد ستار ولا ضوء مسرحي مصطنع، بل الإنسان والفضاء والزمن في لحظة تفاعل مباشر. هنا تُكسر الحواجز، ويُستبدل التصفيق بالحوار، والفرجة بالفعل الجماعي.
ما يميز مسرح الشارع الجزائري هو أنه ينطلق من قضايا المجتمع، يتناول مشكلات الشباب، البطالة، الهجرة، العنف، التهميش، والكرامة الإنسانية، بلغة يفهمها الجميع.
هو مسرح لا يكتفي بالسخرية، بل يحمل مشروعًا للتفكير والتحريض على الوعي.
فالفنان في الشارع لا يؤدي دورًا فقط، بل يمارس مواطنته عبر الفن، ويتحوّل من ممثل إلى محفّز للتغيير.

رغم غياب الدعم الرسمي أحيانًا، يبقى مسرح الشارع في الجزائر فضاءً للحرية الفنية.
هو مقاومة صامتة ضد التهميش الثقافي، وضد الفكرة القائلة إن الفن يحتاج إلى خشبة كي يكون حقيقيًا.
إنه مسرح بلا تذكرة، بلا مقعد محجوز، لكنه يملك جمهورًا أكثر صدقًا، جمهور الشارع بكل تناقضاته ونبضه اليومي.

في زمن تتراجع فيه بعض أشكال المسرح التقليدي، يظهر مسرح الشارع كمنقذٍ للروح المسرحية الجزائرية، يجدد الخطاب ويعيد الروح للجمهور.
إنه يذكّرنا بأن المسرح ليس حكرًا على النخبة، بل هو فعل مقاومة ووعي جماعي، يربط الفن بالشارع، والفكرة بالإنسان.

يُثبت مسرح الشارع في الجزائر أن المسرح لا يموت ما دام الشارع حيًّا.
هو الفن الذي يزرع الأمل في قلب المدينة، ويحوّل الأرصفة إلى خشبات، والناس إلى ممثلين ومتفرجين في آنٍ واحد.