السينوغرافيا والرؤية الإخراجية… حين يتحوّل الفضاء إلى فكر بصري

حوار مع الدكتور حمزة جاب الله بمناسبة صدور كتابه الجديد ضمن فعاليات “سيلا 2025“-

حاوره بوبكر بلعيد/



في قلب الصالون الدولي للكتاب بالجزائر، وبين أروقة تفيض بالكتب والأفكار، يطلّ الباحث والمخرج الدكتور حمزة جاب الله بعملٍ جديد يحمل عنوان: «السينوغرافيا والرؤية الإخراجية: الأبعاد الجمالية بين التجريب والتحديث». كتابٌ يضع السينوغرافيا في موقعها الحقيقي: كفنٍّ يجمع بين الفكر والصورة، بين المعنى والفضاء، وبين الجمال والحركة.
في هذا الحوار، يفتح الدكتور جاب الله نوافذ تأملية على عالم السينوغرافيا، ليعيد تعريفها كفلسفة بصرية أكثر منها تقنية مسرحية.



من الممارسة إلى الفكر

يقول الدكتور جاب الله إن كتابه الجديد هو خلاصة سنوات طويلة من البحث والممارسة في مجال السينوغرافيا، ومحاولة لفهم هذا الفن في أبعاده الفلسفية والجمالية والعملية.
ويضيف:

“انطلقت من قناعة أن السينوغرافيا ليست مكمّلًا للإخراج، بل لغة قائمة بذاتها تعبّر عن الفكرة من خلال الفضاء والضوء واللون والإيقاع وحضور الجسد. الكتاب يربط بين التجريب والتحديث، أي بين سؤال الجمال وسؤال المعنى، وبين التراث المسرحي العالمي والراهن العربي والجزائري.”



ما وراء الديكور

يرى جاب الله أن الخلط بين السينوغرافيا والديكور من أكثر المفاهيم المغلوطة في الوسط المسرحي، موضحًا أن السينوغرافيا ليست مجرد خلفية للعرض، بل هي روحه التي تمنحه الحياة.

“الديكور جزء من السينوغرافيا، لكنه ليس جوهرها. السينوغرافيا تشتغل على الفضاء باعتباره نصًا بصريًا، تُحوّل الكلمة إلى صورة، والفكرة إلى إحساس، وتخلق المعنى عبر الضوء والحركة والإيقاع.”


السينوغرافيا في الجزائر… بين الوعي والتجريب

عن واقع السينوغرافيا في الجزائر، يؤكد الدكتور جاب الله أن السنوات الأخيرة شهدت نقلة نوعية بفضل جيل جديد من المخرجين والمصممين الذين وعوا بأن الفضاء المسرحي عنصر درامي فاعل لا مجرد مكان محايد.

“اليوم هناك توجه واضح نحو التجريب وبناء عروض تعتمد الصورة والإيقاع أكثر من الحوار اللفظي. لكننا ما زلنا بحاجة إلى تأصيل أكاديمي للسينوغرافيا، وتوسيع التكوين في هذا المجال حتى تصبح ثقافة مسرحية متكاملة.”


المدارس الحديثة… مرايا لقلق العصر

يتوقف الكتاب عند تحولات السينوغرافيا في القرن العشرين، حيث يرى جاب الله أن كل مدرسة مسرحية حديثة كانت انعكاسًا لرؤية جديدة للإنسان والعالم.

“من آرتو الذي جعل الخشبة فضاءً للصدمة الحسية، إلى غروتوفسكي الذي ألغى الزينة ليكشف الجوهر، وبيتر بروك الذي حوّل الفضاء إلى علامة فلسفية، وصولًا إلى روبرت ويلسون الذي جعل الصورة المسرحية قصيدة بصرية. كل هؤلاء طرحوا سؤالًا وجوديًا عن معنى الحضور الإنساني في الفضاء والزمن.”


المخرج والسينوغراف… شراكة لا تبعية

وعن العلاقة بين المخرج والسينوغراف، يوضح جاب الله أن الحديث عن “المخرج الثاني” فيه قدر من الحقيقة، لكن الأدق أن نعتبرها علاقة تكامل.

“المخرج يقود المعنى الدرامي، بينما يبني السينوغراف الجسد البصري لذلك المعنى. لا إخراج حديث من دون رؤية سينوغرافية، ولا سينوغرافيا حيّة من دون إخراج واعٍ بالفضاء والدلالة.”

بين التخصص والتكامل

يؤمن الدكتور جاب الله بالتكامل بين الاختصاصات داخل العمل المسرحي، مشيرًا إلى أن فهم الفضاء يقود بطبيعته إلى فهم الدراما.

“كثير من المخرجين الكبار جاؤوا من خلفية سينوغرافية. لكن المهم هو أن يبقى التخصص قائمًا على الحوار والتفاعل لا العزلة، لأن المسرح الحديث يقوم على التعاون بين الفنون.”


الواقع الجزائري وآفاق المستقبل

يرى جاب الله أن السينوغرافيا الجزائرية تعيش مرحلة اكتشاف وتجريب، وأن هناك طاقات شبابية واعدة تسعى إلى تحديث الرؤية البصرية للعروض. لكنه يشدد على ضرورة تبني سياسة ثقافية واضحة تدعم هذا المجال.

“حين نفهم أن الصورة المسرحية خطاب فكري وجمالي، سنرتقي بالمسرح الجزائري إلى مستوى المنافسة العالمية.”



وصية للمبدعين الجدد

وفي رسالته إلى الشباب، يقول:

“أنظروا إلى المسرح بعين الفيلسوف لا بعين الحرفي. السينوغرافيا تفكير في الوجود عبر الضوء والظل والفراغ. اقرأوا، شاهدوا، وجرّبوا… فالجمال يولد من السؤال لا من التكرار.”


التكنولوجيا… حليف الجمال لا خصمه

يعتبر جاب الله أن التكنولوجيا ليست خطرًا على المسرح، بل امتداد لقدراته التعبيرية، شريطة استخدامها بوعي جمالي.

“حين تخدم التقنية الفكرة تصبح جزءًا من الشعرية المسرحية، أما حين تتحول إلى استعراض فإنها تفرغ العرض من روحه.”


نحو تأسيس مرجع عربي في السينوغرافيا

يختم الدكتور حمزة جاب الله حديثه مؤكدًا أن كتابه يمثل محاولة لتأسيس مرجع أكاديمي عربي يجمع بين النظرية والتجربة.

“أردتُ أن يكون الكتاب نصًا مفتوحًا للحوار بين الباحثين والممارسين، وأن يضع السينوغرافيا في مكانها الحقيقي: كفنٍّ يربط بين الفكر والفن، بين الجمال والمعنى.”