أصداء الغموض
بقلم أ عبد العالي لعجايلية/



همستُ في صمتِ الذاكرة،
فانبثقت من أعماقي أنشودةٌ لا أعرف من أين أتت،
كأنها نُسغُ حلمٍ قديمٍ نبتَ في تربة الفكر،
تتمايل الألفاظُ كظلالٍ راقصةٍ في فضاءٍ من نورٍ خافت،
تغني لنفسها، لي، وللغموض الذي يسكنها.

يا خبايا نفسي،
أُحادثكِ فتهمسين بما لم يُقل،
تفتحين لي أبوابَ الأسرار كحدائقٍ في ليلٍ مطرٍ،
وفيكِ أرى ملامحَ وجهي الذي غابت ملامحه.
كم من المرايا كسرتُها لأرى وجهي،
فانعكستْ عليّ وجوهٌ لا أعرفها،
كأنني ظلٌّ يبحث عن صاحبه بين جدران الزمان.

أسأل مرآتي:
من أنا في هذا التيه الشفاف؟
أأنا مَن يسكن الجسد أم مَن يسكن الحرف؟
هل أنا نغمةٌ في لحن الوجود،
أم صدىً عالقٌ بين الصمت والكلمة؟
يا نسيان، كم شوَّهتَ ملامحَ الذاكرة!
أأنتَ الذي تُذيبُ الفرح في جليد الألم،
أم الضبابُ الذي يُغطي وجهَ الحقيقة حين تشرق؟

همساتُ قلبي تتناوب مع نبضاته،
تدعوني إلى أفقٍ أبعد من السؤال،
حيث الكتابةُ عبورٌ، لا وصول،
كقاربٍ يسير في ليلٍ بلا نجوم،
تتقاذفه أمواجُ الحياة،
فمرةً ترفعه، وأخرى تغرقه في صمت البحر.
ومع كل موجة، يولد حرفٌ،
يحمل وجهي الآخر إلى ضفةٍ لا تُرى.

أصغي إلى أصوات الوجود،
إلى الريح وهي تُصلّي في نوافذ الوقت،
إلى الحزن وهو يبتسم في ملامح الغياب،
إلى الصمت وهو يعزف موسيقاه الخفية بين الضلوع.
يا صمتَ الروح، هل أنت مرآةُ الله فينا؟
أم مجردُ سكونٍ يُحاكي اللاشيء؟
كم تشبه الحقيقةَ حين تُخفي نفسها عن العيون

الزمانُ يمرُّ كماءٍ يتلوّن بظلال الماضي،
كل لحظةٍ خريفٌ جديدٌ،
تتساقط فيها أوراقُ الذاكرة على رصيف العمر،
تُعيدنا إلى طفولتنا الأولى،
حين كان الغموضُ حكايةً نصدقها أكثر من الواقع.
يا خريفَ الروح،
هل نسيتَ عطرَ الربيع الذي كنّا نحمله في صدورنا؟
أم ما زال يسكنُ بين أوردة الأمل؟

لسنا وحدنا في هذا الكون،
نحن صدىَ بعضِنا،
نحن نُعيدُ خلقَ أنفسنا في مرايا الآخرين،
نولد من صمتهم، ونموت في ضجيجهم.
كلنا حكاياتٌ تُروى في ليلٍ واحدٍ طويل،
تتشابك فيها الأضدادُ كأنها أنفاسُ البحر،
فمرةً نكونُ النور، ومرةً نكونُ ظلالَه،
لكننا نظلُّ نحلمُ بالاتساق بينهما.

يا أصدقاء الأمل،
هَل سمعتم صدى الحلم حين يختلط بالألم؟
ذلك الرنين الذي يصنع من الرمادِ نغمةً للبعث؟
من الشوكِ وردةً سرّية تنمو في القلب؟
تعالوا، لنرحلَ نحو المجهول الجميل،
حيث لا أسماء ولا وجوه،
بل نغمةٌ واحدةٌ تُعيد صياغتنا من ضوءٍ ونسيان.

وفي نهاية الطريق،
حين يسكنُ كل شيءٍ في صمته الأبدي،
يبقى السؤالُ وحيدًا ككوكبٍ منطفئ:
هل كان الغموضُ طريقَنا إلى النور،
أم أن النورَ كان دائمًا متخفيًا في الغموض؟