الكاتب والتكنولوجيا–
بقلم علاء محمد/

ثمة عقبات لا يمكن التغافل عنها او اجتيازها، وهي ما اعتبرها من المساوئ البيّنة للطفرة التكنولوجية العملاقة في هذا العصر. في هذا المقال، أنا لا أوجّه حديثي إلى الذكاء الأصطناعي المتنكّر على هيئة الأديب والشاعر، بل إن في ذلك حديث آخر يطول شرحه. إنما أودّ رفع أصبع السبّابة والتهجم في وجه “الكاتب الإنسان” ابن القرن الحادي والعشرين.
في الحقيقة، لستُ من أنصار العصر الحجري، ومع ذلك. لابد من تجسيد جزءًا من الآثار الجانبية الناجمة من تفشي الاجهزة الإلكترونية ونتائجها السلبية على المجتمع. مع إتاحة وسهولة الوصول إلى أجهزة الحاسوب التقليدية والمتطورة والهواتف المحمولة التقليدية والمتطورة أيضًا، ساهم ذلك بشكل كبير جدًا في تيسير العملية الكتابية على الأديب، وهي نقطة تُدرج تحت بند المميزات. لكن أدى ذلك أيضًا -تُدرج هذه النقطة تحت بند المساوئ- إلى دخول فئة جديدة إلى عالم الفنّ، حاولت تلك الفئة -بقصد أو بدون- قتل التراث القديم، وتخريب ترسّانة الإبتكارات الجديدة وأحجموا من ظهورها. لقد تلاعبوا بالجماهير، وسّخَّروا الفن بما يوافق أهوائهم، ونظروا إليه نظرة التاجر إلى السلعة، ولم يُقدموا شيئًا جديدًا، أو حتى إحياء شيء قديم. وبالتناوب، انفجرت أدوار النشر من حيث لا تدري، فترى ما يُعادل دار نشر جديدة في كل صباح يوم جديد، لتغطي احتياجات الفئة الضخمة للكُتّاب الجدد، مع أن ذلك لا يعد إسهامًا لحل المشكلة، بل لتعقيدها.
متى صارت الكتابة للجميع ؟
الإستخدام المطلق للإنترنت أدى إلى اندلاع ضخم لمشاركة التفاهات، وما بخس من القول، وما تدّنّى منه. يشبه إلى حد كبير مزاولة مهنة التدريس لغير المتخرجين من كليات التربية.
ولقد غيّر ذلك من أيديولوجية القراء الجُدد، وأثر بنطاق واسع ومدى ضخم على وعي القارئ وإدراكه، واختلفت نظرته تجاه معايير الأدب الجيد والأدب السيء، وذابت الأبداعات الجديدة في مستنقع العبث الجنوني العملاق. ومن لا يزال محتفظًا بعقله -اقصد القارئ- لا يخوض أبدًا تجربة القراءة لكاتب جديد، واذا اقنعته أن اصابعك لا تشبه بعضّها، لن تجد منه إلا قولًا واحدًا: “السيئة تَعُمّ”.
لا تنتظر منّي لائحة باسماء محددة للأدب البشع، أو العشر الأوائل لمن هُم أكثر بشاعة على الإطلاق. لا تؤخذ الأمور بهذا الشكل، حتّى أننا لا يمكن أن نُلقي اللوم الكامل على التكنولوجيا والادّعاء بأنها قد أفسدت كل شيء، من الظلم أن نذكر المساوئ دون المميزات.
حتّى ننتهي من هذه المعضلة، لابد من وجود إجراءات وقوانين صارمة تلتزم بها أدوار النشر قبل الموافقة على الأعمال الأدبية، بخلاف شهرة الكاتب أو محدوديته، حجم الجمهور ليس مبررًا، لا لوم عليهم، إنهم تحت تأثير نوم مغناطيسي. وأرى أن وزارة الثقافة أو المختّصين بهذا الشأن من أجهزة الدولة، يجب تدّخله في تحديد هذه الإجراءات وفق معايير الأدب الجيد، ثم تعميمها على كافة أدوار النشر. لأن هذا بالتحديد هو ما يعكس ثقافة الدولة خارج أراضيها. فمن مِنّا لم يقرأ في الأدب الروسي وهو جالس في عقر داره، على بُعد أميال مهولة من روسيا ؟
