بين الفلسفة والتراجيديا

بقلم عبد العالي لعجايلية/



الرسالة :

إلى الكائن الذي ألقته الأقدار بين شظايا الوجود…
إلى من يسير وحيدًا على حافة السؤال، تتقاذفه رياح الحيرة.

نحن يا صديقي كالسفن المبحرة نحو الغياب، تحملنا أمواج الغائية العبثية، ونُصارع عواصف المصير، لكننا رغم انكساراتنا، نقبض على مجاديف الألم، كأن الصمود بذاته مقاومة للعدم.
نولد، نسأل، نتألم، ثم نُطوى كأننا لم نكن.
كم هو قصير عمر الوعي في مسرح العدم!

أخبرني: أليس هذا الكون مسرحًا مفتوحًا بلا سقف، تتكرر فيه المأساة كل يوم؟
البشر أبطالٌ تراجيديون، مسجونون تحت وطأة الوعي الشقي، يرقصون تحت ضوءٍ خافت ثم ينطفئون في صمت.
لكن أليس الصمت صرخة أخرى؟
نعم… نحن ظلالٌ تائهة تطارد النور، نركض خلف أملٍ مصنوع، وكلما اقتربنا من الحقيقة وجدناها كالمرآة المشروخة، تعكس شظايانا دون اكتمال.

تُعلّمنا الفلسفة أن نُسائل، لكن التراجيديا ترينا الحقيقة في هيئةٍ مهزومة.
فما الغاية من أن نبحث عن معنى في كونٍ لا يأبه لأسئلتنا؟
نحن نحفر في صخر الزمن، نترك على حواف وجودنا آثار أصابعنا، كأننا نحاول أن نُخبر اللاشيء أننا مررنا من هنا.

وربما ما نسميه عبثًا… هو الطريقة التي يفكر بها الكون دون أن يتكلم.
فـ”الاستلاب الوجودي” قدرٌ لا فكاك منه؛
نُفكر فنُستلب، نتأمل فننكسر، نُدرك فنحزن.
ألسنا كالشمس؟ نحترق كي نضيء، لكننا ندرك في النهاية أن الظلام هو الغالب.
ومع ذلك، في هذا الاحتراق تكمن عظمتنا، وفي أسئلتنا تكمن إنسانيتنا.

تخيّل، يا صاحبي، إنسانًا يقف فوق قمة جبل، يُخاطب السماء بكل ما أوتي من وجع، يصرخ: لماذا؟
لكن السماء لا تُجيب، بل تُرسل الريح لتحمل صوته إلى الفراغ، حيث يضيع كأنّه لم يكن.
هكذا نحن… نقاوم العدم بأسئلة نعرف أنها لن تُجاب، وبأملٍ هشّ نُعيد بناء أنفسنا كلما انهارنا.

الوجود يا صديقي ليس إلا قصيدة نازفة نكتبها بأنفاسنا.
نحن كالكواكب التائهة، نحمل مصائرنا كما يحمل الموت طابع السرمدية، ونفهم في النهاية أن الحياة لم تكن سوى لعبة رمادٍ تُذَرّى في وجه الأبد.

لكن لا تخف من أن تتألم.
إن كان الكون غابةً من الصمت، فاجعل صوتك موسيقى تتحدى الفراغ.
وإن كان الوجود مسرحًا بلا جمهور، فكن البطل الذي يُلقي خطبته حتى النهاية.
فالعظمة ليست في الانتصار… بل في المقاومة.

وربما، خلف هذا الرماد، يتهيّأ لونُ فجرٍ خجولٍ لا نراه.
لكننا نحسّه… كنبضٍ في قلب العدم.

هل نحن صدى لأفكار لا نملكها؟
أم الحبر الذي يكتب بدمه على أوراق الزمن ليثبت أننا عشنا؟

سلامٌ عليك،
يا من يحمل قلبه كسيفٍ مسلول،
ويسير نحو المجهول بثقة من يعرف أن الضياع أيضًا طريق.

إلى لقاء آخر،
حيث نُعيد ترتيب الفوضى،
ونصنع من رماد الحيرة أجنحةً نحو اليقين… المؤقت.
وربما كل يقينٍ مؤقت، هو بداية مأساةٍ جديدة.