نبع لا يرى …
بقلم أ. عبد العالي لعجايلية/



في آخر الليل، تتحرك الأم كظلٍ وديع، تلمّ شتات البيت بصمتٍ يشبه صلاةً لا تُقال. لا توقظ الأشياء، بل تهدهدها: تشحن هاتفًا منسيًا، ترتب سريرًا مُهمَلًا، وتواسي وحشة صديقة بعيدة.
كانت كنبعٍ صغير، لا يسمع خريره إلا العطاش، وحين يرتوي الناس، ينسون مصدر الماء.

في البداية، قوبل عطاؤها بالامتنان، ثم تلاشى الامتنان كفقاعة ضوء. فالمعجزة حين تتكرر، تفقد دهشتها، وتصبح عادة. وحين تتأخر المعجزة يومًا، تُحاسَب، كأنها قصّرت في واجبٍ لم تعاهد عليه.

الابن استيقظ غاضبًا لأن هاتفه لم يُشحن، والابنة تجاهلت فوضى سريرها لأنه لم يُعلَّم أن يتكئ على نفسه، وصديقةٌ عاتبت بدل أن تسأل؛ فالسؤال صار ديْنًا لا محبة. حتى تلك التي تنازلت عن إرثها، صودرت حقوقها حين تذكرت أنّ لها نصيبًا من الحياة.

كانت الأم تشبه شمعةً تتوهج حتى لا يضيع الطريق، فلا أحد يسأل كيف لا تحترق. تشبه نهرًا يعبر الأرض فيسقيها، حتى إذا جفّ يومًا، اتهمته التربة بأنه خان خصبها.

عندما قالت الأم “لا” أخيرًا، لم تكن حدّة ولا عصيانًا، بل كانت مثل غصنٍ تعلم كيف يحمي أوراقه من الريح. أحيانًا، لا يبدأ المرء بالعيش إلا حين يتوقف عن الذوبان. فأول “لا” ليست رفضًا… بل حفظٌ لما تبقى من النبع.