” حين همست ذاتي إليّ ”
بقلم ا.عبد العالي لعجايلية/

لم يبدأ اللقاء حين جلستُ أمامي…
بل بدأ قبل أن يولد النهار في صدري،
حين شعرت لأول مرة أن أنفاسي ليست لي،
وأن جسدي صار غرفته أضيق من أن تسكنها روح تبحث عن شعلة،
شعلة تكسر صمت الظل، وتضيء دفقات العدم في عظامي،
شعلة تُعيد ترتيب الفوضى وتُهمس للألم: “أنا هنا، أنا أنت”.
كنت أسير في ممر الوعي المتصدع،
ممر بلا جدران، بلا أبواب، بلا مخرج،
ذكريات تتهاوى كأوراق خريف يائس،
أسئلة تتلوى كثعابين في الظلام إذا حاولت الإمساك بها،
والصمت يتلوى معها، يبتلع الكلام قبل أن يولد،
والليل يضحك بلا صوت، كقاضٍ بلا قانون، كظل بلا جسد.
وعند منعطف لم يكن موجودًا، رأيته.
لم يكن يشبهني…
كان يشبه احتمالي المهجور،
ذلك الذي أخافه، وأشتاقه، وأهرب منه،
وأدور حوله كمن يدور حول جُرحه العميق دون أن يلمسه،
كمن يلاحق ظلًا بين عتمة الليل ووميض الشموع المتعبة،
ككائن يبحث عن نفسه في مرايا مكسورة، مرآة بعد مرآة، حتى ضاع.
جلس على كرسي من ضوء مشروخ،
كأن النور حاول أن يصنع له عرشًا… فانكسر،
وفي عينيه ليل ممتد، صامت كالهاوية،
وفي صمته قبر الحقيقة المفتوح،
والظلال تتسرب من حوله كأنها تمزق ستائر الروح،
كأن العالم كله اختزل في بؤبؤ عين واحدة، عين تحبس الليل.
هو (صوت كصدًى في بئر):
تأخرت كثيرًا…
كأنك احتجت نصف عمرك لتعرف أن الطريق إليّ يبدأ منك،
ومن داخلك، ومن قاعك حيث يسكن الصمت،
ومن قلبك حيث تنكسر كل الأقنعة، وتتقاطع كل الظلال.
أنا:
كنت أظنّ أن لقائي بك علامة سقوط.
هو:
بل هو أول صعود…
اغمض عينيك واسأل نفسك: كم مرة نجوت من الآخرين، وكم مرة نجوت من ذاتك؟
كم مرة هربت من نفسك، وكم مرة واجهت الظلال؟
كم مرة صمت قلبك لتسمع العالم، وكم مرة صمتت لتسمع روحك؟
اقتربت، وكان الهواء حوله أثقل من الليل،
ثقل يشبه الندم الذي يشيخ في القلب قبل الجسد،
ويغني صمت العظام بأغنية لم يخلقها سوى الألم،
ويهمس للروح: “عُد، عُد لتجد ذاتك، عُد لتشرق من الرماد”.
أنا:
من تكون بحق السماء؟
أأنت أنا حين كنت أجرؤ… أم أنا حين كنت أضعف؟
هو:
أنا صورتك قبل أن يكسرك العالم،
قبل أن يخونك الزمن،
وقبل أن تخونك أنت،
أنا أنت حين كنت حُرًّا، حين كنت تبحث عن النور في عتمة الليل،
حين كنت تكتب بأصابعك دموعك على صفحات الهواء.
ابتسم ابتسامة ممزقة كغيمة شتوية،
حيث الألم يرقص مع الرغبة في الضوء،
والحقيقة تقفز من قلب الظل كطائر بلا جناح،
والدموع تقطر على الأرض كأمطار حائرة تبحث عن نهرها،
والصمت ينحني، يحني رأسه للسماء، يهمس: “هذه أنا، وهذه أنت”.
أنا:
ولم تظهر الآن؟ الوقت ليس مناسبًا.
هو (ساخرًا كريح في صحراء قاحلة):
هل تظن أن الأرواح تعرف التوقيت؟
الروح تظهر حين ينضج الألم،
وحين يشتد عطشك للمعنى أكثر من عطشك للنجاة،
وحين يصر قلبك على أن يسمع نفسه قبل أن يسمع العالم.
أنا (بصوت يمزج الرهبة بالأمل):
أخاف منك.
هو:
طبيعي… فالمرء لا يخاف إلا من جزءه الذي يعرف كل شيء،
جزءه الذي يشبه الحقيقة في أقسى لحظة،
ويختبئ خلف الضحكات التي صمّت القلب والوجوه،
جزءه الذي ظل صامتًا حتى يسمع الهمس الذي سيغيّر كل شيء.
ثم أشار إلى كرسي آخر لم أنتبه لوجوده،
جلست مضطرًا، كمن يقف أمام محكمة الروح بلا قاضٍ،
ويعرف أن حكمه مكتوب قبل أن يُنطق،
وصوت القلب يهتف بالصدق، لكن لا يسمعه سوى صدى الداخل،
صدى يعود ويرتد ويهمس: “أنا أنت… وأنت أنا”.
ساد صمت كثيف، ليس فراغًا، بل حضور يضغط على الروح حتى تتكلم،
كالريح التي تكسر زجاج الليل قبل أن يسطع الفجر،
كالظل الذي يرفض الرحيل قبل أن يعرف سر الضوء.
هو:
قل لي… هل كنت يومًا صادقًا مع نفسك؟
ترتعشت الكلمات داخلي كأوراق يابسة في عاصفة خريفية،
وكأن كل حرف يُسقط جدارًا من الخوف،
وكأن كل كلمة تولد في صمتها ألف صوت آخر، يهمس: “تعال، كن حقيقيًا”.
أنا:
حاولت…
هو:
الحقيقة أنك هربت أكثر مما حاولت،
هربت من جرحك كأنه غريب،
ومن خوفك كأنه عار،
ومن حزنك كأنه سجن لا يرحم،
وحين حاولت أن تسقط الأقنعة، وجدت أنك تصنع أقنعة جديدة،
وحين حاولت أن تموت، اكتشفت أنك خلقت لنور جديد.
انكسرت… نعم، انكسرت مثل الضوء حين ينكسر فوق ماء راكد،
وحين تتدحرج الظلال مع الموج، ينهار كل ما اعتقدت أنه صلب،
ويولد شيء آخر، شيء يشبهك، ولكن أعمق، أوسع، أصدق.
أنا:
وما الذي تريد الآن؟ اعترافًا؟ بكاءً؟ أن أسقط جدراني؟
اقترب حتى شعرت بأنفاسه على وجهي،
أنفاسه كنسيم قادم من قاع الجحيم،
ينفخ في الشمع المكسور روحًا جديدة،
ويعيد ترتيب الفوضى في جسدي الممزق،
ويهمس: “انهض، انهض لتضيء، لتكون أنت، لتعرف أنك حي”.
هو:
أريد شيئًا واحدًا: أن تموتني كي أحيا فيك.
جملة كمعادلة وجودية لا يفهمها إلا من احترق بما يكفي.
أنا:
وكيف أموتك؟
هو:
بأن تعود إليّ،
أن تكف عن كونك نسخة صنعتها الظروف،
وأن تصبح النسخة التي وُلدت من جوهر داخلك قبل أن يسرقك العالم.
تقدمت نحوه، كمن يمشي نحو نهايته أو بدايته،
لا يميز الأرض من السماء، ولا الظل من النور،
مددت يدي… لم يمسك بها، بل ذاب فيها،
كأنّه طبقة من روحي انسلخت يومًا وعادت لتستعيد مكانها،
وحين التحمت به، لم أعد أعرف من الذي يُحيي مَن،
كنت نورًا يتشقق، وظلًا يتلاشى، وجرحًا يفتح عينيه على العالم لأول مرة.
بدأ الضوء يتسرب من الداخل،
ليس كنهار فج، بل كوميض صامت في عمق العظام،
يُعيد ترتيب الفوضى، ويغني صمت الروح بأغنية لا يسمعها سوى القلب،
أغنية تُهمس في كل زاوية مظلمة، تقول: “أنا هنا… وأنت هنا… وكل شيء ممكن”.
كانت الروح تنهض من رمادها،
كفينيقة تتلوى بين الظلال لتولد من جديد،
تلمس السماء بخفة، لكنها تعلم أن الأرض لازالت تحتها،
وأن الصراع بين الظل والنور سيظل حاضرًا،
لكن القوة الحقيقية هي القدرة على المضي رغم الظل،
والقدرة على أن تهمس للذات: “أنا حي… أنا أضيء… أنا أعيش”.
هو:
الآن، يا أنا…
حين يعود الضوء، لا تبحث عن ماضٍ لم يعد موجودًا،
ولا عن مستقبلٍ لم يُخلق بعد.
عش اللحظة التي فيها تتحرك، تشعر، وتحيا،
لا تكن مجرد نازف في الظل… بل كائن يشع من الداخل قبل الخارج.
أنا:
أفهم… كل ألم، كل جرح، كل سقوط…
هو درس، هو مفتاح، هو سراج صغير،
يُرشدني إلى نقطة النور التي سأبني عليها ذاتي.
وفي اللحظة التي شعرت فيها بالضوء يتسرب من عظم الليل،
لم أعد أعرف من أنا كما كنت،
ولا من كنت أنا داخليًا قبل أن ألتقي بنسختي،
كنت ببساطة أنا… بلا أقنعة، بلا هروب، بلا صمت.
الليل لم يرحل، لكنه صار رفيقًا للحقيقة،
وصوتًا خافتًا يُخبرك بأنك تستطيع الوقوف على أطلال نفسك،
والتحرك من جديد، أكثر حكمة، أكثر شجاعة، وأكثر نورًا.
__________
