ماتت واقفة.. –
بقلم سمير لوبه /

يومها رأيت الناس على أسطح البيوت يحاولون ركوب القوارب، البنايات تختفي تحت الماء، والبحر يتحرك بثقة قاتلٍ يعرف أن ضحيته لن تنجو.
قبل ثلاث سنوات في الأيام الأولى لارتفاع منسوب البحر، لم نأخذ الأمر على محمل الجد. الإسكندرانية كل شتاءٍ يلقون نكاتًا كثيرةً عن غرق مدينتهم؛ نضحك، نلتقط الصور، ونركض على رصيف الكورنيش؛ نلهو مع الموج.
في هذا الشتاء ارتفعت مياه البحر في ليلةٍ واحدةٍ. الشوارع تغرق، والمدينة تتنفس بصعوبة.
بعد مُضي السنوات الثلاثة، الناس هنا عند الساحل الجديد لم تتعود بعد على صوت الأمواج، ولا صياح النوارس، البحر هنا حزين؛ لا يجد ما يعوضه غياب الإسكندرية.
أما أنا فكنت واحدًا ممن لم يستطيعوا نسيان مدينتهم؛ كل ليلةٍ أسمع في رأسي صدى ارتطام الأمواج وهي تغمر تمثال سعد زغلول.
يجهل الكثيرون في أي ساعةٍ غرقت الإسكندرية. البعض قال أن الموج ابتلعها فجر يومٍ غائمٍ، والبعض الآخر أقسم أن المدينة اختفت لحظة الظهيرة، حين تعطلت كل الساعات في آنٍ واحد. لكنني أعرف الحقيقة؛ لأنها بدأت من عندي.
كنت هنا في هذا المكان أراقب البحر، وهو يفتح فاه يبتلع ما أمامه، وتلك كانت بداية الحكاية عندما رأيت شيئا يتحرك تحت سطح البحر.
الآن مضت ثلاثة سنوات على غرق الإسكندرية، وما زال النسيم هنا يحمل رائحة الذكريات، وكلما شممتها أرى امرأة تتحرك تحت الماء، امرأة ماتت غرقًا قبل ثلاث سنوات.
هي صديقتي الوحيدة، تعرف كل أسراري، امرأة متعبة، لكنها جميلة، في آخر يوم رأيتها فيه، كنت أقف على الكورنيش، أنظر إلى البحر الذي بدا هادئًا على نحوٍ مشبوه، ماتت في ذلك اليوم.
الغريب أن الناس هنا يتحدثون خلال الأيام الأخيرة عن امرأة تظهر فوق سطح الماء عند الفجر، امرأة تمشي فوق الموج، شعرها مبتلٌ، وفستانها يلمع تحت الضوء مثل قشر السمك، عقلي لا يصدق، لكن قلبي يصدق؛ فما يتحدثون عنه هو نفسه ما رأته عيناي قبل ثلاث سنوات.
فجأةً، في تلك اللحظة لمحت شيئًا يظهر من تحت الماء، أسطح مبانٍ، خطوط ترام، قباب مساجد. رأيت تمثال سعد زغلول، ورأيت شوارع لا يمكن أن تخطئها عيناي مهما تغير الزمن.
مدينتي لم تختفِ ؛ إنها تعيش تحت الماء، لا تراها سوى قلوبٌ لا تزل تتعلق بها.
البحر هنا يروي قصص الغرقى، يعيد أصواتهم، ينقل أنفاسهم الأخيرة، وآخر ما قالوه قبل أن يبتلعهم، أما أنا فلا أسمع سوى صوتها هي.
وقفت أمام الساحل الجديد حين دوَّى صوتٌ من قلب البحر؛ سمعت النوارس تصرخ، ورأيت المراكب ترتجف، والمياه تتراجع .
في تلك اللحظة ارتفعت المدينة الغارقة للأعلى.
رأيتها ، رأيت الأبنية المغمورة.
رأيت مدينتي التي ماتت واقفةً.
وكلما سمعت صوت الموج أعلم أنه سيأتي يومٌ تناديني فيه مدينتي لألحق بها.
