الإختيار الأخير …–
بقلم الصحفي والفنان بوبكر بلعيد/

نحن لا نولد وفي أيدينا خريطة للطريق، بل نُلقى في هذا العالم بلا دليل، نبحث عن إشاراتٍ خفية، عن أبواب تُفتح لنا لا بنا، وعن مسارات نظنّها خلاصًا فإذا بها امتحانٌ آخر.
في كلّ خطوة نخطوها، يقف الاختيار كمرآةٍ صامتة، لا تكشف لنا وجوه الأشياء، بل تكشف وجوهنا نحن… ما نخفيه من رغبات، وما نتظاهر بالنسيان عنه من مخاوف. نحن لا نُختبر بما نراه، بل بما نقرّر أن نراه.
يقولون: الحياة سلسلة من الفرص… لكن الحقيقة أنها سلسلة من الاختبارات، والفرص ليست سوى الجوائز التي يمنحها الصبر لمن لم يستسلم عند أول مفترق.
ذات يوم، نقف أمام الاختيار الأخير؛ لا لأنه آخر ما في العمر، بل لأنه آخر ما في الوهم. نكتشف أن أعظم الخسارات ليست تلك التي تُقاس بالدموع، بل تلك التي تُقاس بفرصٍ لم نملك شجاعة الإمساك بها. وأنّ أخطر الطرق ليست تلك المظلمة، بل التي تُنيرها تصوّراتنا الخاطئة.
كم من مرةٍ ظننّا أننا نُحسن الاختيار، فإذا بنا ننتقي القيود بأيدينا؟ كم من بابٍ أغلقناه ظنًا منا أنه شرّ، بينما كان خلفه اتساع العالم؟
إن الاختيار الأخير ليس قرارًا يُفرض عليه الرجوع، بل لحظة نُدرك فيها أن كل ما حدث كان يدفعنا إلى هنا: نحو نقطةٍ تلتقي فيها الحكمة مع الألم، والإدراك مع الخسارة، والإرادة مع الحقائق التي تأخرنا عن فهمها.
لا أحد يخبرك أن الشجاعة الحقيقية ليست في مواجهة الآخرين، بل في مواجهة نفسك حين لا يكون هناك شاهدٌ على معركتك. وأن الحرية ليست أن تختار دائمًا الطريق الأصعب، بل أن تعرف لماذا تختاره.
نحن نصل في النهاية إلى قناعة بسيطة وثورية:
لا خيار أخير إلا أن نختار أن نعيش بصدق.
أن نترك ما ينهك قلوبنا، ونمضي نحو ما يُنبت في أرواحنا حياةً جديدة، حتى لو تعثّرت أقدامنا في البداية.
فكلّ ضياعٍ كان يوماً طريقًا نحو الاكتمال،
وكلّ تأخّرٍ كان شكلاً آخر للوصول.
أما الاختيار الأخير…
فهو أن نؤمن بأننا نستحق الطريق الذي سنمضي فيه، مهما كانت تكلفته.
