الجزائر… نحو اقتصاد إبداعي جديد : رؤية استشرافية لسوق الإنتاجية والمقاولاتية الفنية والثقافية–
بقلم الصحفي والفنان بوبكر بلعيد/

لم يعد الإبداع في الجزائر مجرّد شغف فني يُمارس داخل المسارح وقاعات العرض أو بين جدران دور الثقافة، بل أصبح اليوم قطاعًا يتطوّر بصمت، ويبحث عن موقعه في اقتصاد وطني يتّجه أكثر نحو التنويع وإعادة تشكيل مداخيله بعيدًا عن الريع التقليدي. فالصناعات الإبداعية والثقافية باتت رهانًا عالميًا لصناعة الثروة، وتثبيت الهوية، وتعزيز القوة الناعمة للدول.
التحوّل من ثقافة الدعم إلى ثقافة الاقتصاد
ورغم التحديات البنيوية التي عاشها ولا يزال يعيشها القطاع الثقافي لعقود، فإن السنوات الأخيرة حملت تغيّرات ملحوظة:
تزايد عدد المبادرات الخاصّة، اتساع الفضاء الرقمي للجمهور الشاب، وظهور فنانين ورجال أعمال يرون في الفنّ مشروعًا اقتصاديًا ومصدرًا لتوظيف مئات الآلاف من المواهب.
لكن الواقع لا يزال يطرح أسئلة مؤلمة:
أين منظومات التوزيع المحترفة؟ وأين التشريعات الحامية للملكية الفكرية؟ وكيف ننتقل من نشاط ثقافي موسمي إلى صناعة مستدامة قائمة على الابتكار؟
فرص واعدة تنتظر من يستثمر فيها
إن القراءة الاستشرافية للمشهد تشير إلى أنّ الجزائر تمتلك سوقًا ضخمًا غير مستثمر بالشكل الكافي، يمتد عبر مجالات متنوّعة:
التحول الرقمي: منصات لبث الموسيقى والأفلام ونشر المحتوى الجزائري عالميًا
السياحة الثقافية: تفعيل تراث ضخم مازال ينتظر التوظيف الذكي
ريادة الأعمال الإبداعية: مؤسسات ناشئة في الألعاب الرقمية والكوميكس والأنيميشن
اقتصاد العروض الحية: مسارح خاصة وتكوين احترافي لإدارة المواهب
هذه الفرص إن أحسن استثمارها ، يمكن أن تتحوّل إلى محركات فعلية للدخل الوطني والتشغيل، بدل أن تبقى حبيسة شعارات ومهرجانات موسمية.
الإبداع يحتاج إلى بيئة تحميه لا إلى تصفيق زائل
القطاع اليوم بحاجة إلى:
قوانين واضحة وإجراءات مرنة لتأسيس الشركات الثقافية
صناديق تمويل واستثمارات خاصة تعيد الثقة للسوق
تكوين مهني عالي الجودة كفيل بتصدير الكفاءات بدل استيراد الخبرات
رؤية تسويقية تعطي للمنتج الجزائري حقه من الحضور الإقليمي والعالمي
فالقيمة الحقيقية للثقافة لا تُقاس بعدد العروض بل بقدرتها على خلق فرص اقتصادية وتغييرات اجتماعية مستدامة.
2030 – 2040: عقد التحوّل
إذا نجحت الجزائر في بناء بيئة إبداعية جاذبة بحلول 2028، فستتمكّن خلال العقد الموالي من:
تصدير منتجاتها الفنية ورموزها الثقافية
احتلال مكانة محورية في الصناعات الإبداعية الإفريقية
خلق آلاف الوظائف الجديدة للشباب
تعزيز هويتها وصورتها كقوة ثقافية في المنطقة
هذا المستقبل ليس حلمًا بعيدًا، بل مشروعًا واقعيًا يحتاج إلى جرأة اتخاذ القرار.
فحين تلتقي الفكرة بالفرصة… يولد الاقتصاد.
وحين ندرك أن الثقافة رأسمال، لا مجرّد نشاط، سنكتشف أنّ الجزائر قادرة على صناعة فنّ يبني وطناً… لا فنًّا يستهلكه وينطفئ.
